مرآة البيت: حين تكشف الكنّة ما يخفيه الجدران

ماهين شيخاني

كان البيت الكوردي القديم يشبه النهر: ماؤه واحد، وضفافه تمتد للجميع. كان الأخوة يكبرون كأصابع اليد الواحدة، والمال بينهم كالماء في الجدول، لا يسأل أحدٌ صاحبه: “كم أخذت؟” ولا يقول أحدٌ لأخيه: “هذا لي وليس لك”. كانت الثقة هي العملة المتداولة، والكلمة هي العقد الموثّق.

لكن النهر حين يصبح سداً، والماء حين يصبح ملكية، والثقة حين تواجه أول اختباراتها الحقيقية… يأتي دور الكنّة.

حين تدخل امرأة إلى معادلة الصمت

ليست الكنّة شريرة بالضرورة. هي امرأة تحمل اسم زوجها، لكنها تحمل أيضاً جينات بيت آخر، وذاكرة عائلة أخرى، ووعياً مختلفاً للحياة. حين تطأ قدماها عتبة العائلة، تبدأ الأسئلة التي ظلّت مدفونة تحت طبقات من المجاملة والسكوت:
· لمن هذه الأرض؟
· لماذا يعمل زوجي أكثر ويأخذ أقل؟
· أين حدود نصيبنا؟
· ولماذا كل شيء مبهم إلى هذا الحد؟

هي لا تأتي لتُفسد، بل تأتي لتُضيء. لكن الضوء، حين يُلقى على زوايا مظلمة، قد يبدو كالنار لمن اعتاد العتمة.

من “نحن” إلى “أنا وعائلتي”: تحوّل لا مفر منه

قبل الزواج، كان الأخ يعيش بعقلية “نحن”: ماله مال العائلة، وجهده لخدمة الجميع.

أمّا بعد الزواج، فيبدأ تحوّل صامت لكنه حتمي: تظهر عائلة صغيرة داخل العائلة الكبيرة. ومسؤوليات جديدة، وأطفال ينتظرون مستقبلاً، وزوجة ترى الدنيا بعيون الأمومة، لا بعيون الأخوّة.

هذا التحوّل ليس خيانة للعائلة، بل هو طبيعة الحياة. فالرجل الذي كان يعمل لأبيه وأمه وإخوته، صار اليوم مسؤولاً عن بيت قائم بذاته. والمرأة التي شاركته حياته، ترى في الاستقلال المادي أماناً لأطفالها، لا طمعاً في مال غيرها.

لكن العائلة الكبيرة، التي تعوّدت على المشاركة القديمة، تنظر إلى هذا التغيّر بعين الريبة:
“منذ أن جاءت الكنة، تغيّر أخونا.”

ونادراً ما يُسأل السؤال الأصعب:
“هل تغيّر فعلاً؟ أم أن الزواج كشف ما كان مخفياً منذ زمن؟”

الميراث الشفهي.. قنبلة موقوتة تحت سجادة الثقة

في الكثير من البيوت الكوردية، لا توجد عقود، ولا سجلات، ولا صكوك. هناك فقط “كلمة الأب”، و”وعود الأم”، و”الثقة العمياء” التي تدّعي أنها أقوى من أي ورقة رسمية.

لكن السنوات تمر، ويتزوج الأبناء، وتأتي الزوجات، ويولد الأحفاد، وتتغير الظروف، وترتفع الأسعار، وتصبح قطعة الأرض أو البيت العائلي ثمناً لا يُستهان به.

وفجأة، يتبخّر الغموض ليُفسح المجال للصراع:

· “أنا تعبت أكثر في هذه الأرض.”
· “أنا أحق بها لأنني بقيت مع الوالد.”
· “أنا لم آخذ شيئاً عندما تزوجت.”
· “وهل أنا أخذت؟”

ثم تأتي الكنّة وتقول ما يعرفه الجميع لكن لا يجرؤ أحد على البوح به:
“لنوثّق حقوقنا، لنكتب ما لنا وما علينا.”

فتنقلب التهمة:
“أنتِ من تزرعين الشقاق بين الإخوة!”

بينما الحقيقة أن غياب العدالة هو من زرع البذرة، والكنّة كانت فقط من سقاها.

المقارنات.. سمّ ينمو في البيوت المتجاورة

حين تعيش الأسر في منزل واحد، أو في بيوت متجاورة، تصبح الحياة كشاشة عرض مفتوحة:

· مَن ينفق أكثر؟
· مَن يحصل على اهتمام الأم أكثر؟
· مَن يسافر، ومَن يبقى؟
· مَن يمتلك سيارة جديدة، ومَن لا يزال على دراجته القديمة؟

هذه المقارنات اليومية تولّد غيرة صامتة بين الزوجات، ثم تنتقل إلى الأزواج كالنار في الهشيم. الزوجة التي ترى أن زوجها يُظلم، تضغط عليه للمطالبة بحقه. والزوج، الذي كان يتحمّل الظلم بصمت، يجد نفسه أمام خيارين: إما أن يرضي زوجته فيفقد إخوته، أو يرضي إخوته فيفقد زوجته.

غالباً، يختار الصراع، لأن الصمت لم يعد خياراً بعد أن أصبح هناك من يراه بعيون أخرى.

الكنّة.. شماعة مريحة للجميع

في معظم الأحيان، حين تتصدع العلاقات بين الإخوة، يُلقى اللوم كله على الكنّة وكأنها شرارة الحريق الوحيدة.

والسؤال المزعج: لماذا؟

لأن المجتمع يجد في المرأة القادمة من الخارج شماعة مريحة. هي ليست ابنة العائلة، ولا تحمل ذاكرة الطفولة المشتركة، ولا تملك رصيداً عاطفياً يدافع عنها. لذلك، من السهل اتهامها، وتحميلها مسؤولية طمع الرجل، وجشع الأخ، وتقصير الأب، وتحيز الأم.

فإذا طالب الزوج بحقّه، يُقال: “زوجته دفعته.”
وإذا غضب، يُقال: “زوجته حرّضته.”
وإذا طلب تقسيم الميراث، يُقال: “الكنّة تريد الاستيلاء على كل شيء.”

أما إذا كان الزوج هو الطمّاع، أو المهمل، أو الظالم، فنادراً ما يُلام وحده.
اللوم يذهب سريعاً إلى المرأة التي “أفسدت الولد”.

وهذا ليس إنصافاً، بل هروب من مواجهة الحقيقة: أن الخلافات كانت موجودة، مدفونة تحت ركام المجاملات، ولم تنتظر سوى شخصٍ يكشفها.

حين يرث الأبناء قطيعة لم يصنعوها

المأساة الحقيقية ليست في خصومة الإخوة، بل في ما يورثونه لأبنائهم.
أطفال كانوا يلعبون معاً كالأشقاء، يكبرون فجأة على طاولات فراق لا يفهمون سببها.
طفل يسأل أمه: “لماذا لا نزور عمي؟”
فتجيب بصمت.
طفلة تسأل أباها: “لماذا لا تأتي ابنة خالي إلى بيتنا؟”
فيجيب بتذمر.
جيل كامل يرث خصومة لم يرتكبها، ويتعلم الكراهية دون أن يعرف سببها.

هل يستحق منزلٌ، أو قطعة أرض، أو حساب مصرفي، أن يدفع أطفالنا ثمنه بقطيعة تمتد لعقود؟

الحل ليس في إبعاد الكنّة.. بل في بناء قواعد واضحة

لم يعد المجتمع الكوردي كما كان. العائلة الممتدة لم تعد النموذج الوحيد. المرأة اليوم أكثر وعياً بحقوقها، والرجل أكثر تمسكاً باستقلال أسرته، والأبناء أكثر انفتاحاً على العالم.

هذه التحولات ليست سلبية، لكنها تحتاج إلى ثقافة جديدة في إدارة الأسرة:

· أن تكون الملكية واضحة.
· أن يكون الميراث موثقاً.
· أن يعرف كل أخ حقه وواجبه.
· أن يترك الأب لأبنائه وصية واضحة، لا أسئلة مفتوحة.
· وألا تتحول “الثقة” إلى أداة للحرمان أو التغاضي عن الظلم.

الوثيقة لا تعني انعدام الثقة، بل هي حماية لها من الانهيار.
والعدالة لا تفسد الأخوّة، بل هي وحدها القادرة على حفظها.

الخاتمة: ليست الكنّة من تهدم البيت.. بل ما كان مخفياً في جدرانه

ربما ظلمنا كثيراً من النساء، حين اختصرنا كل خلاف عائلي بجملة واحدة:
“منذ أن جاءت الكنة، انتهت الأخوّة.”

لكن الحقيقة أن الكنّة قد تكون سبباً، وقد تكون محفزاً، وقد تكون بريئة تماماً.
لكنها في كثير من الأحيان ليست أكثر من مرآة، أظهرت الشقوق التي كانت موجودة أصلاً في جدار البيت.

البيت الذي يقوم على العدل لا تهدمه امرأة.
والأخوّة التي تقوم على المحبة والوضوح لا تقتلها قسمة ميراث.

أمّا البيت الذي يخفي وراء صمته غيرةً قديمة، وحساباتٍ معلّقة، وحقوقاً ضائعة، فقد يحتاج إلى شخص واحد فقط كي تظهر كل أسراره على السطح.

لذا، قبل أن نسأل:
“ماذا فعلت الكنّة بإخوتنا؟”

لنسأل السؤال الأصعب:
“ماذا فعل المال بنا نحن؟”
وهل كانت الأخوّة التي افتخرنا بها أخوّة حقيقية… أم أنها كانت بخير فقط ما دمنا لا نتحدث عن الميراث؟

قد يعجبك ايضا