لماذا نحتاج إلى ثقافة العمل الجماعي؟

متابعة التأخي

ان العمل المؤسسي والتعاون المتكامل من مجردخيار إداري إلى ضرورة تفرضها تعقيدات الحياةالمعاصرة، مؤكداً أن النجاح الحقيقي لا يكتمل بإلغاءالمبادرة الفردية بل بتكامل الخبرات وتحويلالاختلافات إلى مصدر للإثراء والابتكار

كان فريق صغير يعمل على مشروع واحد، وكل فردفيه يمتلك خبرة مختلفة. أحدهم يبرع في التخطيط،وآخر في التنفيذ، وثالث يجيد اكتشاف الأخطاء،ورابع يمتلك القدرة على التواصل مع الآخرين. فيالبداية ظن كل واحد أن نجاحه يرتبط بقدرته علىإنجاز الجزء الخاص به بصورة مستقلة، حتىاكتشفوا أن المشروع لا يتقدم بالسرعة المطلوبة. وعندما بدأوا يتبادلون الرأي ويعرض كل واحد منهمتجربته أمام الآخرين، ظهرت حلول لم تكن تخطر فيبال أي منهم منفردًا. لم تتراجع قيمة الفرد داخلالفريق، وإنما اكتسبت خبرته معنى أوسع عندماوجدت طريقها إلى خبرات الآخرين.

تلك الصورة تختصر جانبًا مهمًا من فكرة العملالجماعي؛ فالإنجاز الإنساني في كثير من المجالاتيحتاج إلى أكثر من موهبة واحدة، وأكثر من زاويةنظر، وأكثر من تجربة فردية. وقد يستطيع الإنسانأن يحقق نجاحًا شخصيًا بجهده الخاص، غير أنالمجتمعات والمؤسسات التي تتعامل مع القضاياالمعقدة تحتاج إلى طاقات متعاونة تستطيع أن تجمعالمعرفة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار في اتجاهواحد. ومن هنا تصبح الجماعة وسيلة لتوسيع قدرةالفرد، وتحويل الجهد المتفرق إلى طاقة قادرة علىإنتاج أثر أكبر.

وتزداد أهمية هذه الفكرة عندما نتأمل طبيعة العملفي المجتمعات المعاصرة؛ فالمؤسسة الناجحة لا تقومعلى شخص واحد مهما بلغت كفاءته، وإنما تحتاجإلى منظومة تتوزع فيها الأدوار والمسؤوليات،وتتكامل فيها الاختصاصات، وتتبادل فيها الخبرات. وكلما ارتفعت درجة التعقيد في العمل، ازدادتالحاجة إلى التعاون المنظم الذي يسمح للمعلومة بأنتنتقل، وللفكرة بأن تخضع للنقاش، وللخطأ بأنيُكتشف قبل أن يتحول إلى خسارة. ولهذا فإن العملالجماعي يمثل في جوهره انتقالًا من الاعتماد علىقدرة الفرد وحدها إلى بناء قدرة مشتركة تتسع بقدرما تتسع دائرة المشاركين فيها.

وتشير التجارب الإنسانية إلى أن المجتمعات التياستطاعت بناء مؤسسات مستقرة لم تعتمد علىإلغاء المبادرة الفردية، وإنما عملت على وضعها داخلإطار جماعي يتيح لها النمو والتأثير. فالموهبة الفرديةتحتاج إلى بيئة تمنحها فرصة الظهور، والعملالجماعي يحتاج إلى أفراد يمتلكون القدرة علىالتفكير والمبادرة وتحمل المسؤولية. ومن هنا لا تبدوالعلاقة بين الفرد والجماعة علاقة تناقض، وإنماعلاقة تكامل؛ فالفرد يمنح المؤسسة فكرته وخبرتهوإبداعه، والمؤسسة تمنحه المجال الذي يجعل هذهالقدرات أكثر قدرة على الوصول إلى النتائج.

وقد عبّر القرآن الكريم عن قيمة التعاون في قولهتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَىالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وهي آية تضع التعاون في إطارأخلاقي واضح، حيث لا تكون الجماعة قيمة بذاتهاما لم تتجه طاقتها نحو ما ينفع الإنسان والمجتمع. فالتعاون يحتاج إلى غاية صحيحة، كما يحتاج إلىقواعد تضبط العلاقة بين أفراده، وإلى مسؤوليةتجعل القوة الجماعية وسيلة للبناء لا أداة للهيمنة.

ومن هنا تظهر مشكلة أخرى تتعلق بفهم العملالمؤسسي؛ فوجود مجلس إدارة أو لجان أو أنظمةمكتوبة لا يعني بالضرورة أن المؤسسة تعمل بروحجماعية. فقد تحمل المؤسسة شكلًا إداريًا منظمًا،بينما تظل القرارات محصورة في شخص واحد،وتبقى بقية الأعضاء في موقع التنفيذ أو المشاهدة. وفي هذه الحالة يتحول الشكل المؤسسي إلى واجهةإدارية لا تعكس جوهر العمل الجماعي، لأن المؤسسةالحقيقية تقوم على توزيع المسؤولية، وتبادل الرأي،واحترام الاختصاص، وإتاحة المجال أمام المشاركينللمساهمة في صناعة القرار.

ولهذا ترتبط قيمة العمل الجماعي بمفهوم الشورى؛فالرأي الذي يمر عبر النقاش والتجربة والمراجعةيكون أكثر قدرة على اكتشاف جوانب القوة والضعففيه. وكلما شاركت مجموعة من أصحاب الاختصاصفي صناعة القرار، اتسعت زاوية النظر إلى المشكلة،وظهرت احتمالات وحلول قد يغفل عنها الفرد عندمايعمل منفردًا. والشورى في هذا السياق لا تعنيإضعاف القرار أو تعطيل الإنجاز، وإنما تعني بناءالقرار على معرفة أوسع، ثم تحمل الجميع مسؤوليةما يترتب عليه.

وفي المقابل، يحتاج العمل الجماعي إلى شخصيةفردية ناضجة تستطيع أن تعمل مع الآخرين من دونأن تفقد استقلالها الفكري. فالمشاركة لا تعني ذوبانالشخصية، والتعاون لا يعني التنازل عن الرأي،واحترام القرار الجماعي لا يلغي حق الإنسان فيالتفكير والنقد والمبادرة. إن المؤسسة التي تحولأفرادها إلى منفذين صامتين تفقد جزءًا مهمًا منقدرتها على التطور، كما أن المؤسسة التي تسمحلكل فرد بأن يعمل وفق رؤيته الخاصة تتحول تدريجيًاإلى مجموعة من الجهود المتجاورة التي يصعبجمعها في اتجاه واحد.

وتكمن قوة العمل الجماعي في قدرته على تحويلالاختلاف إلى مصدر للإثراء. فاختلاف الخبراتوطرق التفكير يمكن أن يكشف زوايا جديدةللمشكلة، ويمنح الفريق قدرة أكبر على اختبار أفكارهقبل تحويلها إلى واقع. ولذلك فإن المؤسسة التيتخشى الاختلاف وتبحث دائمًا عن رأي واحد تفقدفرصة مهمة للتعلم، بينما المؤسسة التي تحسن إدارةالاختلاف تستطيع أن تجعل من الحوار وسيلةللتطوير، ومن تعدد الآراء طريقًا للوصول إلى قراراتأكثر نضجًا.

كما أن العمل الجماعي يخفف من خطورة الأخطاءالفردية؛ فعندما يكون القرار قائمًا على رؤية شخصواحد، قد تمر نقاط الضعف من دون مراجعة كافية،بينما تسمح المشاركة المنظمة بإعادة فحص الفكرةمن أكثر من جانب. وهذه الميزة تصبح أكثر أهميةفي المؤسسات التي تتعامل مع المال العام أومصالح الناس أو المشاريع ذات التأثير الواسع،حيث لا تكفي حسن النية وحدها، وتصبح المراجعةوالمساءلة وتوزيع المسؤوليات جزءًا من حماية العملنفسه.

ومن الخطأ أيضًا تحويل العمل الجماعي إلى ذريعةلإهمال الكفاءة الفردية. فالمؤسسة الناجحة تعرفكيف تكتشف الموهبة، وتمنحها المساحة المناسبة، ثمتربطها بحاجات الفريق. وقد يكون داخل المجموعةشخص يمتلك فكرة استثنائية أو قدرة عالية فيمجال محدد، وتكمن قيمة الإدارة في معرفة كيفيةتوظيف هذه القدرة ضمن المشروع العام. وعندهايصبح النجاح الفردي رافدًا للنجاح الجماعي،ويصبح نجاح الفريق بيئة تساعد الأفراد على تطويرقدراتهم.

لهذا فإن ثقافة العمل الجماعي تحتاج إلى أن تبدأمن التربية قبل الإدارة، ومن طريقة تعامل الأسرةوالمدرسة والجامعة مع الإنسان قبل انتقاله إلىالمؤسسة وسوق العمل. فالطفل الذي يتعلم الإصغاءإلى الآخرين، واحترام أدوارهم، والمشاركة في إنجازالمهام، وتحمل مسؤولية خطئه، سيكون أكثراستعدادًا للعمل ضمن فريق عندما يكبر. وكذلكالطالب الذي يتعلم أن نجاحه لا يقاس بقدرته علىالتفوق على الآخرين فقط، وإنما بقدرته على التعاونمعهم، سيكون أكثر قدرة على بناء مؤسسة حقيقيةفي المستقبل.

إن المجتمعات التي تريد الانتقال إلى مرحلة أكثرتقدمًا تحتاج إلى إعادة النظر في الثقافة التي تجعلالفرد محور كل شيء، وتربط النجاح أحيانًا بامتلاكالقرار وحده أو احتكار المعرفة أو الظهور أمامالآخرين. فالعمل الجماعي يحتاج إلى تواضعمعرفي يدفع الإنسان إلى الاعتراف بأن خبرته مهمااتسعت تظل جزءًا من صورة أكبر، ويحتاج فيالوقت نفسه إلى ثقة بالنفس تمنح الفرد القدرة علىتقديم رأيه والدفاع عنه بالحجة، ثم احترام القرارالذي تصل إليه الجماعة وفق آليات واضحة.

وفي النهاية، لا تكمن قيمة العمل الجماعي في كثرةالأشخاص الذين يجتمعون حول مهمة واحدة، وإنمافي قدرتهم على تحويل اجتماعهم إلى تعاونحقيقي. الفريق الناجح هو الذي يعرف كيف يمنحالفرد مساحته، وكيف يحافظ على وحدة الهدف،وكيف يحول الاختلاف إلى معرفة، والحوار إلى قرار،والقرار إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى إنجاز. وعندماتتكامل هذه العناصر تتحول المؤسسة من مجموعةأفراد يعمل كل واحد منهم في اتجاهه إلى كيان حييتعلم ويتطور ويصنع نتائج تتجاوز مجموع الجهودالتي بذلها أفراده.

ولذلك فإن الخطوة العملية تبدأ من داخل كل مؤسسةوفريق عمل: اجعلوا لكل مهمة رأيًا جماعيًا، ولكلعضو مسؤولية واضحة، ولكل قرار مساحة للنقاش،ولكل إنجاز فضلًا يُنسب إلى الفريق مع حفظ حقصاحبه. وعندما يتعلم الإنسان أن ينجح معالآخرين، لا على حسابهم، تتحول المشاركة منأسلوب إداري إلى ثقافة حياة، ويصبح العملالجماعي إحدى أهم الأدوات التي يمكن أن تُبنىبها مؤسسات أكثر كفاءة، ومجتمعات أكثر تماسكًا،ومستقبل أكثر قدرة على الإنجاز.

قد يعجبك ايضا