جودت حسيب… حين يتحول الحرف إلى فضاءٍ تشكيلي

محمد علي محيي الدين

في تاريخ الفن التشكيلي العراقي أسماء تركت أثرها العميق داخل الوطن وخارجه، لكنها لم تنل من التعريف والدراسة ما يوازي قيمة منجزها الفني. ويأتي الفنان التشكيلي والخطاط والمصمم الموصلي جودت حسيب في طليعة هذه الأسماء؛ فهو واحد من أولئك الذين تجاوزوا حدود الممارسة التقليدية للفن، ليؤسسوا رؤية خاصة تمزج بين أصالة الخط العربي وروح الحداثة، وتعيد للحرف العربي حضوره بوصفه عنصراً جمالياً قادراً على إنتاج لوحات تنتمي إلى الفن العالمي من دون أن تتخلى عن هويتها الثقافية.

Screenshot

وعلى الرغم من أن ما كتبه عنه المؤرخ الراحل الدكتور عمر الطالب في موسوعته أعلام الموصل في القرن العشرين اقتصر على إشارات موجزة، فإن سيرة جودت حسيب تكشف عن تجربة فنية ثرية امتدت لأكثر من ستة عقود، حفلت بالبحث والتجريب والإبداع، وأسهمت في ترسيخ مكانته بين أبرز الفنانين العراقيين الذين جمعوا بين الرسم والتصميم والخط العربي في مشروع فني واحد.
ولد جودت حسيب في مدينة الموصل، وتختلف المصادر في تحديد سنة ميلاده بين عامي 1942 و1943، لكنه نشأ في بيئة ثقافية عرفت باهتمامها بالفنون والآداب. تلقى تعليمه الأول في مدارس المدينة قبل أن يتجه إلى بغداد، حيث التحق بمعهد الفنون الجميلة، وتخرج فيه عام 1962 حاملاً دبلوم الفنون، ليبدأ رحلة علمية وفنية لم تتوقف عند حدود العراق. فقد واصل دراسته في أكاديمية الفنون في روما لمدة عام، ثم أكمل دراسة حرة في المدرسة العليا للفنون في مدريد، وهي تجربة أتاحت له الاحتكاك بالمدارس الأوروبية الحديثة، وأسهمت في بلورة رؤيته الفنية التي جمعت بين التراث العربي وأساليب الفن المعاصر.
عمل في سنواته الأولى مصمماً في عدد من المؤسسات العراقية، وكان من الوجوه البارزة في الحركة التشكيلية العراقية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ولم يقتصر نشاطه على الإنتاج الفني، بل أسهم أيضاً في العمل المؤسسي، إذ شغل منصب نائب رئيس جمعية الفنانين العراقيين عام 1971، ثم أصبح أمينها العام عام 1974، في مرحلة كانت الحركة التشكيلية العراقية تشهد ازدهاراً لافتاً على مستوى المعارض والفعاليات الثقافية.
شارك جودت حسيب في المعارض السنوية لمعهد الفنون الجميلة، وأقام معرضه الشخصي الأول عام 1966، كما كان أحد المشاركين في معرض جماعة تموز الأول في بغداد، ثم معرضها الثاني في الكويت، وهي الجماعة التي سعت إلى تجديد الخطاب التشكيلي العراقي وربط الفن بقضايا الإنسان والمجتمع. وعمل كذلك مصمماً فنياً في مركز الوسائل التعليمية ببغداد، قبل أن يغادر العراق عام 1976 ليستقر في أوروبا، حيث بدأت مرحلة جديدة من عطائه الفني اتسمت بمزيد من النضج والانفتاح على التجارب العالمية.
في المهجر واصل حضوره في المشهد التشكيلي الدولي، فشاركت أعماله في معارض جماعية أقيمت في بيروت وموسكو، وفي المعرض المتجول الذي جاب عدداً من بلدان أوروبا الشرقية، كما شارك في معارض بإيطاليا وإسبانيا وسوريا وبلغاريا والمغرب وغيرها. ولم يقتصر نشاطه على الرسم والخط، بل كان له حضور متميز في فن تصميم الملصقات، إذ شارك في البينالي العالمي الثالث للبوستر في وارسو، وهو من أبرز المحافل الدولية المتخصصة بهذا الفن. كما عرض أعماله الخطية في الشارقة وسويسرا، واقتنت مؤسسات ومتاحف ومجموعات خاصة في عدد من الدول نماذج من إنتاجه الفني.
وخلال الأعوام 1984-1991 تولى رئاسة قسم التصميم في دار الثقافة التابعة لبلدية مدينة موستوليس في إقليم مدريد، وهو موقع يعكس ما حظي به من تقدير مهني وفني في إسبانيا، قبل أن يتفرغ منذ عام 2006 للعمل في محترفه الخاص، مكرساً جهده لتطوير مشروعه في الخط العربي الكلاسيكي بصياغات تشكيلية حديثة، جعلت من الحرف مادة بصرية نابضة بالحركة واللون، لا مجرد وسيلة للكتابة.
وتتجلى خصوصية تجربة جودت حسيب في قدرته على تجاوز الفهم التقليدي للخط العربي. فهو لم ينظر إلى الحرف بوصفه قالباً ثابتاً يجب تكراره، وإنما تعامل معه باعتباره عنصراً تشكيلياً مفتوحاً على إمكانات لا تنتهي. وقد انعكس هذا الفهم في أعماله التي جمعت بين دقة البناء الهندسي، وغنى اللون، وحرية التكوين، حتى غدا الحرف عنده جزءاً من اللوحة لا زينتها، ومكوناً بصرياً يشارك في إنتاج المعنى والجمال معاً.
وفي هذا السياق كتب الفنان التشكيلي منير العبيدي شهادة مهمة بحقه، وصفه فيها بأنه من الفنانين الذين تتطابق شخصياتهم مع فنهم، مؤكداً أن فكره وسلوكه وأسلوبه التشكيلي يشكلون منظومة واحدة قائمة على الصدق والجمال، وأنه كرّس تجربته للدعوة إلى التسامح والمحبة. كما أشار العبيدي إلى أن جودت حسيب استطاع أن يستخدم الخط العربي الكلاسيكي مادةً لبناء تكوينات تشكيلية حديثة، مبتعداً عن التكرار، وصانعاً بصمة خاصة تميزه عن غيره من فناني الحروفيات.
أما الفنان نفسه فقد أوضح فلسفته الفنية في أكثر من مناسبة، مؤكداً أن خبرته الطويلة في الرسم والتصميم جعلته يبتعد عن الاكتفاء بالقصبة والحبر والورق، احتراماً لإنجازات كبار الخطاطين الذين سبقوه، وإيماناً بأن الإضافة الحقيقية لا تتحقق بالمحاكاة، بل بالابتكار. لذلك اختار أن يصاحب اللونُ الحرفَ، وأن يتكامل التصميم مع البناء الخطي، بما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في الفن التشكيلي، مع المحافظة في الوقت نفسه على أصول الخط العربي وقواعده الجمالية.
إن تجربة جودت حسيب تقدم مثالاً واضحاً على قدرة الفنان العراقي على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين التراث والابتكار، وهي تجربة تستحق المزيد من البحث الأكاديمي والنقد الفني، لأنها لا تمثل سيرة فنان فرد فحسب، بل تعكس مرحلة مهمة من تطور الحركة التشكيلية العراقية، وما شهدته من انفتاح على التجارب العالمية مع الحفاظ على الهوية الثقافية العربية.
ولعل أبرز ما يميز هذا الفنان أنه لم يجعل الغربة سبباً للانقطاع عن جذوره، بل حمل الحرف العربي معه إلى العواصم الأوروبية، وحوّله إلى لغة بصرية عالمية، تثبت أن الفن الحقيقي قادر على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، وأن الهوية الثقافية تزداد حضوراً كلما قُدمت برؤية إبداعية جديدة.
وقد استندت هذه القراءة إلى ما أورده الدكتور عمر الطالب في موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين، وإلى شهادة الفنان منير العبيدي المنشورة في صفحة «فنون تشكيلية»، فضلاً عن المقال الذي نشره المؤرخ الدكتور إبراهيم خليل العلاف بعنوان الفنان التشكيلي الموصلي الأستاذ جودت حسيب في صحيفة الحوار المتمدن (العدد 7761، 11 تشرين الأول/أكتوبر 2023)، وهو من أبرز المصادر التي وثقت محطات هذه التجربة الفنية الثرية.

قد يعجبك ايضا