تحرير السماوي وتجربتنا العراقية الثمينة في المنفى التي لم نعرف تسجيلها

د. حسين الهنداوي

“يهمني الإنسان، النفس الكامنة فينا.. وكل واحد منا يستنشق الهواء بطريقته!”‏..

كانت الكاتبة والفنانة ‏العراقية، وابنة الشاعر العراقي المعروف كاظم السماوي ‏احتفلت في 11/1/2009 بعيد ميلادها السادس والخمسين بحضور ‏عدد من الفنانين والكتاب العراقيين ونجلها الوحيد الموسيقي غيث شريف الربيعي ‏فيما اقيم لها قبل ذلك معرض بآخر أعمالها التشكيلية ‏في صالة غاليري آرك بلندن. ‏ بيد انها سرعان ما فارقتنا بعد معاناة مع مرض سرطان داهمها وهي في ذروة ‏عطائها الإبداعي.‏
و كانت تحرير السماوي غادرت العراق بسبب الاضطهاد البعثي الى بيروت عام 1975 ‏حيث عملت لسنوات كاتبة ومترجمة في صحف ومؤسسات المقاومة الفلسطينية ‏ومنها مجلة (الأفق) ومركز الأبحاث الفلسطينية. وعندما غزا الاسرائيليون بيروت ‏في حزيران عام 1982 اضطرت الى الانتقال الى قبرص لتمكث حتى سفرها لاجئة ‏إلى لندن في نهاية الثمانينات. ‏
فأسرار تجربة الكتابة ومعاناتها ثم معاناة الكاتب في ‏المنفى ميّزا العطاء الادبي لتحرير السماوي، التي واجهت كلا الهمّين المتدفقين من ‏تجربة منفى شخصية غنية أصلا وكأرث عائلي، او من تجربة جيل عراقي خاصة -‏تنتمي له بكل جوارحها- لا يقل عمقا عن اهم تجربة عالمية مماثلة وان لم يتم بعد ‏الالتفات الى معاناته القاسية والخلاقة في آن. بيد ان الصمت اللافت كان الوجه ‏الآخر لذلك الألم الدفين لكن الذي عبرت عنه مجموعة نصوص غير عادية ترجمتها ‏تحرير السماوي عن الالمانية خاصة وفي المقدمة منها كتاب “في تجربة الكتابة” من ‏تأليف س. ر. مارتين، ونشر عدة مرات، وكتاب آخر بعنوان «التحليل النفسي ‏للمهجر والمنفى» من تأليف ليون غرينبرغ وربيكا غرينبرغ، وصدر العام الماضي ‏عن دار “المدى”، وكتاب ثالث بعنوان “المنفى والادب” عن تجربة الكتاب الالمان في ‏المنفى خلال مرحلة الفاشية (1933-1945) من تأليف ماتياس فيغنر الى جانب ‏كتاب “قصص إيرانية قصيرة” الذي يمثل باكورة اصداراتها في الترجمة الادبية.‏
فعبر نقلها ” في تجربة الكتابة” الى العربية ارادت تحرير السماوي عرض الحالة ‏النفسية التي تعتري المبدع وهو يعيش دوافع العمل الابداعي الذي، وقبل ان يتبلّر ‏في وجدانه بصيغته النهائية المميزة، يتنامى فيه بشكل بطيء ومنهك حيث تتنازع ‏النفس ضغوط القلق والأمل عن النجاح والإخفاق تماما كما هي حالة اية ولادة لا ‏يعرف مآل المخاض فيها حتى فعل الولادة المحاق بكل الالام. هذا الحال عاشه ‏أرنست همنغواي ومارغريت ميتشل وتوماس مان وأجاثا كريستي وفرانسواز ساغان ‏وسواهم. بينما ضم كتاب «التحليل النفسي للمهجر والمنفى» أكثر من خمسة ‏وعشرين عنواناً تناولت الهجرة كصدمة وكأزمة، والهجرة كحالة تأزمية، وتحليل ما ‏قبل الهجرة، وتطور عملية الهجرة، والمهجر واللغة، والهجرة والسن، والهجرة ‏والهوية، والتطور النفسي للفرد ضمن تجربة الهجرة، والمنفيون وشهاداتهم.‏
وعن تجربتها الخاصة في المنفى حيث عاشت أكثر من ربع قرن قاسية بين بيروت ‏وقبرص وبرلين ولندن، ترى الكاتبة تحرير‎ ‎السماوي ان حالة المنفى، هي شيء من ‏الغيبوبة او انقطاع في الوعي تنفصل معه الأشياء الحياتية عن تجربة، وماضٍ، ‏وعادات، وتاريخ.. الخ. اذ ان حياتنا في المنفى، هي حياة جديدة لا نقدر على ‏اقتحامها كما يراد لنا أو كما اعتدنا أن نقتحم الحياة التي نعرف، ولا نقدر على ‏العودة إلى حياتنا التي عرفناها في الماضي. منتصف طريق، مفترق طرق، وقوف ‏أمام اتجاهات متنافرة. لا عودة ولا مضي.. حالة جمود نفسية وبالتالي فكرية ‏ووجودية. ‏
والمنفى لديها “حالة دفاع عن النفس المتبقية، وما الولوج في المجتمع الجديد الإ ‏حالة دفاع عن وجود وحماية ماضٍ ترك اضطراراً. انشطار جليّ في النفس والذهن ‏والحياة.. شرح في الشيء وعلى الشيء نفسه. وما دام الانقطاع هو انقطاع عن ‏الماضي والحاضر، فنحن شئنا أم أبينا مغيبين عن الحياة، الواقع، التعصب اليومي.. ‏والمستقبل طفل نجهله يعيش بيننا ولا نراه”. ‏
فنحن في المنفى “نعيش حالة من التغييب، التهميش، حالة طوارئ أعلنتها الحياة ‏علينا. وكل من يرى العكس ويداهم مجتمعاً جديداً بأحلام كبيرة لا يعرف نفسه. ولا ‏يعرف أن تلك النفس تبحث عن مستقر متحذر وليس عن مستقر طائف بين الأرض ‏والسماء. نحن الجيل المرفوض في أرضه وأراضي الدنيا. المجتمعات لا تتبنى إلا ‏أبناؤها، ونحن جيل اليتم. ‏
فماذا تبقى لنا الذين نهيم على وجوهنا في أراضي الدنيا بحثاً عن أمان وخفقة ‏حنين؟ “قليل من كل شيء… نستمع إلى أغانينا ونطهو طعامنا ونتناقل بعض ‏الأخبار ونكتب عن مأساتنا اليومية… ونقتل ما تبقى من حياة باحتساء الخمر ‏والتفكر بماض لم يعد موجوداً. ما هو آت “مجهول”، حاضرنا مجهول. الماضي هو ‏الإشراقة الوحيدة المتبقية في منفانا”.
اما عن البعد الذاتي فهو باختصار التالي كما ‏كتبت في مقال بعنوان: “شيء عن المنفى” نشرته مجلة الكاتبة قبل سنوات طويلة: ‏
منذ صغري وأنا اعرف نكهة المنفى، ولدت ووجدت في هذه الحياة وأنا مرفوضة ‏من مكاني الأصلي. صغيرة كنت وأسئلتي، بحجمي أو أكبر قليلا.. لماذا؟ ما هي ‏السلطة التي فرضت علي أن أكون هامشية، اقف على حواف المجتمعات، وان ‏دخلت واقتحمت وحاولت إيجاد مكان مناسب لي، أعود فاهرب من تلقاء نفسي، لأني ‏اشعر بغربتي وقد تضخمت كالمارد التعب… اهرب ولكن إلى أين؟ ‏
من أعطى ذلك القرار لكي أكون كالفتات منثوراً هنا وهناك، لا اعرف كيف ألملم ‏نفسي المبعثرة، مجزأة إلى عشرات الأجزاء، كل جزء يصرخ مطالباً بشيء ما… ‏ذكرى هنا وذكرى هناك، وجوه هنا ووجوه هناك، ماض مشتت بوحداته وعناصره، ‏ماض كالحاضر، يتواصل ويتواءم وينساب باضطراباته وتفتته وتشرذمه.. ماض لا ‏يعرف مستقرا له.. وحاضر لم يزل يبحث عن مكان، ومستقبل يزحف بطيئا كسلحفاة ‏عجوز. ‏
اعتدت الهروب من الخارج ومن الداخل إلى ما لا اعرف! ‏
وأينما اقف، الأرض تهتز تحت قدمي، رمال متحركة أخشى أن تبتلعني فاهرب إلى ‏نفسي.. الملجأ الوحيد الذي أعرف.
تشكلت في مجتمعات غريبة.. وما زلت، أعيش حالة طارئة منذ صغري. وما ‏زلت… ابحث عن مأمن تحت رأسي أو تحت التراب.. وما زلت… لم تنقذني الأفكار ‏والأيديولوجيات والمسارات الواضحة في الحياة، لم تسعفني الحالة الجماعية التي ‏تسير وبوتيرة واحدة وهي مطأطأة الرؤوس أمام الزوابع الحياتية.. لم تنتشلني ‏الحالات التراجيدية الجماعية من الهول الداخلي.. كل الحالات ملكي وأنا ملك نفسي. ‏
يهمني الإنسان، النفس الكامنة فينا.. كل واحد منا يستنشق الهواء بطريقته.. يرى ‏الأرض والسماء بطريقته، يعانق الحزن والفرح بطريقته.. لسنا كتباً يؤلفها ‏الآخرون ولا جوقة موسيقية تحتكم لعصا المايسترو. ‏
دربني المنفى على أن أرى الاختلاف في الشيء نفسه، أن أكون ولا أكون، أعطي ‏ولا اعطي، اسير ولا أسير… أن أكون في منتصف طريق، يسير بي إلى ما لا ‏نهاية، تسيرني الحياة والوجود… لم أتعلم يوماً أن أهب نفسي لمكان واحد وحيد. ‏
منذ صغري وأنا أرى وجوها غريبة وأماكن بعيدة.. انتقل من بيت إلى آخر ومن ‏مدرسة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر.. ومن أصدقاء إلى آخرين… فقدت الإحساس ‏بالمكان والثبات والاستقرار والسكون.. اعشق السكون في هذا الكون المحموم. ‏
زمانية المكان لا تهمني والأهداف لا تهمني بقدر ما تهمني حركية الحركة نفسها، ‏آلية الحركة، خطوات تسيرني فكل حركة فيها ما يكفي من الأهداف والنهايات… كل ‏فرد فيه ما يرضي فرديتي، لذا أنا مع الجميع وبين الجميع ومع نفسي في آن معاً. ‏
ابتدع لنفسي مجتمعا ارتضيه أنا، وابتدعه كما أشاء بعيداً عن مكاني الحقيقي. في ‏الغربة يصبح الفرد مجتمعا مكتملاً. تتخذ الأعراف والتقاليد والضوابط الاجتماعية ‏هيئات وأشكالا مختلفة، ما نعرفه منها هو الأساس، وما تصبح عليه هو من فعل ‏تجربتنا اللاحقة… في أماكن ومجتمعات أخرى تحتم علينا الحذف والإضافة والخلق، ‏وأحيانا التناسي والتغافل والاستحضار. ‏
وما يتم هناك في المكان الأصلي، لهو بمنأى عنا، بعيدة منا، لا يمسنا بشكل مباشر ‏وغنما مجهول، طفل نرعاه بحذر شديد، وبخوف اشد. ‏
نحن نعكس مخاوفنا وأوهامنا وأحلامنا كما نشاء… نهذي، نغضب، نفرح، نلهو، ‏ونحزن وحيدين كالمخلوقات الهائمة في البراري، فمن ينجينا، من أنفسنا؟ ‏
العلاقة مع الآخر ثقل نحتمله مرغمين، نرى الآخر ونتوجه غليه بصورة عبثية، ‏عبثية الحالة تدفعنا لعبث من نمط آخر، نحتمل على مضض ما يبدر منا من خواء ‏ومساحات بيضاء فارغة وغثيان متلاحق أمام الآخر. كلما امتدت بنا الغربة كلما ‏تغرب الآخر عن نفوسنا وذواتنا، كل واحد منا غربة، كل واحد منا إعياء وغثيان، ‏كل واحد منا خلاصة هم وحزن عتيقين، لا يلتقي حزننا ولا غثياننا ولا غربتنا، حالة ‏واحدة تجمعنا، حالات عدة تفرقنا وتبعدنا عن أقدارنا الإنسانية الطبيعية. ‏
الآخر، في الغربة وطن، إلا أن الآخر الذي نعرف، غربة قاسية الملامح، حقيقية ‏صلفة، ألم منتفخ، ماذا نريد من الآخر؟ أهي لحظات اقتناص الماضي والأحزان؟ أهو ‏التواصل مع وهم فقد مبرراته، أم امتحان أنفسنا وقدراتها على تحمل واقع مجتمع ‏لا نعرف منه سوى الحواف والمنحدرات؟ ‏
في الغربة تنتفخ الآلام، وتتورم الذكريات، وتتقيح ذاكرتنا بتفاصيل تفقد مع مرور ‏الأيام نكهتها المعهودة. الغربة اجترار لمرحلة أو لمراحل منقرضة من تاريخ حياتنا. ‏

ينتصف العمر إلى زمنين، الأول معاش والثاني اجترار للأول، أهو الموت أم تلاشي ‏الأشياء والذاكرة والروح؟ ‏
قد يأتي الموت على هذه الشاكلة، يتدرج بخفة وخداع، أو ليست الحياة خدعة؟ ‏
الموت حاضر أبدا في حياتنا، يكبر فينا كالطفل… فلم نبتدع أشكاله مبكراً؟ “‏

قد يعجبك ايضا