رحلة الظلال الرمادية إلى المدن السفلى

محمد محضار

تذكَّرْ بهدوءٍ وتُؤَدة خطواتِك المحسوبة وكلماتِك المنطوقة. تذكَّرْ تلك المرحلة العميقة من قصتك السريالية مع الأيام، تذكَّر فصولَها الغريبة وسمتَها العبثية. حاول أن تضبط أعصابك وتفكر بمنطقٍ يغنيك عن التسرع في اتخاذ القرارات المصيرية، حتى تكون إنساناً يجمع بين الواقعية ورزانة العقل..

كان دائماً رجلَ مواقفَ تتجاوز حدود اللحظة؛ لتصل الماضي بالحاضر وتضع المستقبل في الحسبان. رجلٌ خرج من زمن الانكسارات لينقّب عن محفِّزاتٍ تجعل الحياة أكثر يُسراً وتيسيراً في وجهه..

انكسر ظهره عندما فارق زوجته بعد أن تعثرت علاقتهما، وهبّت رياح الخلاف والاختلاف على عشهما، ولم تنفع تدخلات ذوي النوايا الحسنة في رأب الصدع الذي طال رباطهما، ففرّق بينهما أبغض الحلال، ومضى كلٌّ منهما لغايته. سرقته الأيام، وطوت السنوات من عمره ما شاءت .

وعندما انتبه، اكتشف أن الرأس قد اشتعل شيباً، وأن الشباب مضى، وأن الزمن خانه كغيره من بني جنسه ممن فاتهم قطار الحياة ودخلوا منطقة الظل. وهذه قصة أخرى يمكن تناولها أفقياً وعمودياً، وفي نهاية المطاف تبقى النتيجة واحدة وغير قابلة للتغيير؛ لأن سهم الزمن يسير في اتجاه واحد، والجسم يخضع لقانون المادة المحكوم بالفناء. إن كل شيء آيل للزوال، واللحظة الجميلة تضيع وتندثر، ونهاية العالم بالنسبة إليه ترتبط بفناء جسمه وتحوله إلى جسد بلا حركة. وما دام هذا سيحدث لا محالة لاحقاً، فعليه اليوم أن يستغل ما تبقى من أعوام العمر التي لا علم له بِمداها.

للأقدار أحكامها وترتيباتها، وللصدفة أيضاً سياقاتها التي لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال .
بعد أكثر من ربع قرن من العمل داخل القسم معلماً بمدرسة شوقي، تم تعيينه مديراً بمجموعة مدارس “رباط الخير” بنواحي مدينة الفقيه بن صالح.

ꚘꚘ

“وماذا بعد؟ توقف فجأة حمار الشيخ عند العقبة. أنا الراوي: اختلطت علي الأمور، ولم تعد لدي القدرة على مواصلة تطوير الأحداث؛ لأن شخصية هذه القصة غامضة وغير واضحة بما فيه الكفاية، وترفض التعاون معي في تطوير الأحداث ورسم مسار يخدم سيرورة السرد؛ لهذا قررت اللجوء إلى الكاتب الذي تسبب لي في هذا الوضع، وقد ألجأ أيضاً إلى القارئ القدير، لعلهما ينقذاني من هذه الحيرة والتوقف المفاجئ عن الحكي، سواء كان سنكرونياً (تزامنياً) ثابتاً أو دياكرونياً (تعاقبياً) متطوراً.

بعد بحث طويل استطعت الوصول إلى الكاتب، الذي كان يعيش لحظة صفو صحبة أسرته في مطعم “داماسكا” بكورنيش “عين الذئاب”. تسللت بين طاولات رواد المطعم حتى بلغت طاولة الكاتب، وعندما وقع نظره عليَّ تغيرت ملامحه، وبدت على وجهه مسحة غضب. اعتذر لزوجته وأبنائه وقام على عجل، أمسكني من مرفقي وصرخ بي: “ماذا تريد؟ ولماذا أنت هنا؟”.

قلت بصوت تشوبه نبرة خجل: “معذرة يا سيدي على هذا الإزعاج غير المقصود، لكنني وجدت صعوبة في تطوير وقائع هذه القصة؛ لأن الشخصية الرئيسية غامضة وترفض التعاون”. رسم الكاتب على وجهه ابتسامة ماكرة وقال بصوت لاذع: “منذ البداية اخترنا الرؤية السردية من الخلف، وهذا يعني معرفة الراوي المطلقة لكل شيء عن الشخصيات: ماضيها، حاضرها، ومستقبلها، وكذلك قدرته على اختراق ضمائرها وقراءة أفكارها ومشاعرها ونواياها، بل الأكثر من هذا؛ الحضور في كل زمن ومكان…”.

قاطعته متوسلاً: “أرجوك يا صديقي لا تخذلني، أريد توجيهاً منك ينهي حيرتي…”.
رد الكاتب ويبدو أنه قد اقتنع بحججي: “هناك كلمات مفاتيح مثل: استغلال أعوام العمر، أحكام القدر، سياقات الصدفة، ومجموعة مدارس “رباط الخير” .
قاطعته مرة ثانية قائلاً: “أول الغيث قطرة، وما قلته مؤشر على إمكانية بناء حبكة قوية ومؤثرة”.

اقترب الكاتب مني وهمس لي: “إليك الخيط الناظم: قصة حب مفاجئة تُلقي شرارة غير متوقعة في خريف العمر، سرعان ما تعيد ضبط إيقاع نبض حياة الشخصية الرئيسية، والبقية تأتي من عندك…”.

ѼѾѾѾ

“عوداً على بدء، دعوني أعود بكم لمتابعة مصير المدير الجديد السيد إبراهيم الصنهاجي؛ الرجل الناضج الذي يوشك أن يكمل الثامنة والخمسين من عمره، وغايته اليوم هي الخروج من دائرة الانكسارات والعزلة الاختيارية، والانفتاح على أجواء اجتماعية أكثر دفئاً.

عندما حطّ الرحال لأول مرة بمقر التعيين، بدت المدرسة المركزية بأسوارها الإسمنتية الباهتة وحجراتها التي تختزل حكاية أجيالٍ مرت من هنا، وهي تحتضن معلمين يعيشون رتابة الوظيفة في وسط هذا الفضاء المنسي. هنا تعطل الزمن، واستحالت الحياة إلى لحظات ملل متشابكة. كان طلاء الأقسام قاتماً يثير الاشمئزاز، ورغم الصور البائسة التي تزين الجدران، فكل شيء كان يوحي بأن الكآبة تفرض نفسها ضيفاً ثقيلاً على الجميع.

كان مكتبه متواضعاً يحتوي على طاولة خشبية بأدراج لتخزين الأوراق ومعدات الكتابة، وخلفها خزانة من خشب الزان تضم ملفات المؤسسة ووثائقها الإدارية، وكان هناك باب يفضي إلى مستودع ملاصق لحجرة المكتب، يضم مواد التنظيف والوسائل التعليمية،”

في هذه الأجواء الغريبة عليه، بدأ رحلة جديدة في البحث عن ذاته، وفي الوقت نفسه التكيف مع المسؤوليات التي تقتضيها الإدارة التربوية، في ظل الإكراهات

القاسية التي ترتبط بقلة الإمكانيات وغياب الحوافز. في البدء حاول أن يتعامل

مع الأطر التربوية بنوع من المهادنة، والتروي، وضبط النفس؛ لكنه بعد أن

تجاوز مرحلة التكيف مع المحيط العام للمؤسسة، شرع في وضع أسس مبنية

على الاحترام والتنسيق الدائم مع المدرسين، والتشاور المستمر لضمان سير

الدراسة بانتظام ودون مشاكل تعكر صفو العلاقات بين الجميع.

ولأن الأقدار تتحالف دائماً مع المصادفات والتوافقات، فقد توقف الزمن لثوانٍ وتبددت هيبة المقام الإداري، عندما وجد نفسه في أول لقاء مع المدرسين فجأة أمام صَدِيقِ الطُّفُولَةِ وَمَقَاعِدِ الدِّرَاسَةِ الجَامِعِيَّةِ أحمد فرطاس. في البدء تلاقت العيون واتسعت، وتحولت الملامح المشدودة إلى ابتسامات دافئة ملأت أرجاء حجرة المكتب. نهض إبراهيم مِنْ خَلْفِ مَكْتَبِهِ بِسُرْعَةٍ لَمْ يَعْتَدْهَا، وَتَقَدَّمَ نَحْوَ

أحمد بِذِرَاعَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وعانقه بحرارة، ثم قال:

-يَا لَهَا مِنْ مُصَادَفَةٍ عَجِيبَةٍ لَمْ تَخْطُرْ لِي عَلَى بَال!
أَجَابَهُ أحمد وَهُوَ يَضَعُ كُتُبَهُ جَانِباً: “أَهْلاً بِسِيَادَةِ المُدِير، بَلْ أَهْلاً بِأَخِي إبراهيم! ها قَدْ جَمَعَتْنَا الأَقْدَارُ مُجَدَّداً فِي حضرة الطَّبَاشِيرِ بَعْدَ أَنْ ظَنَنْتُ أَنَّ اللِّقَاءَ بَاتَ

مُسْتَحِيلاً”.

جَلَسَ الصَّدِيقَانِ يَتَذَوَّقَانِ طَعْمَ هَذَا التَّوَافُقِ الزَّمَنِيِّ الغَرِيب. تَحَدَّثَا عَنْ أَيَّامِ

الدِّرَاسَةِ، عَنِ الأَحْلاَمِ القَدِيمَةِ، وَكَيْفَ تقطعت بهما السبل، ليلتقيا وهما في

مراحل متأخرة من العمر في هذا الصرح التربوي.”

كشف أحمد لصديقه عن سرِّ اختياره العيش في البادية؛ فالحكاية بدأت من

أرضٍ فلاحية ورثها عن والده هو وشقيقته الوحيدة. هناك، طوّر أحمد ضيعةً

تجمع بين أصالة العيش وعطاء الأرض؛ فأقام مسكناً فسيحاً لراحة عائلته،

وأنشأ حظيرةً لتربية الأبقار وإنتاج الحليب، وانصرف بكل جوارحه لغرس

المحاصيل واستغلال ثمار الزيتون المباركة، محققاً بذلك حلم الاستقرار

المستدام.

لم يتردد هو أيضاً في إخبار صديقه بمحطات حياته، والظروف التي صاحبتها حتى وصل إلى الوضعية الحالية. لم تمنعه هذه العلاقة مع صديقه من التعامل مع كل الأطر بكامل الحب والتقدير، فقد كان يعلم أنه على أعتاب التقاعد، وهدفه الأسمى أن يترك الأثر الحسن بين الأساتذة والتلاميذ.

ѾѾѾ

دعوني أعود بكم إلى الكاتب؛ لدي استشارة بسيطة، ولا أظنه سيخذلني ويردني خائباً. بهدوءٍ بحثتُ عنه مرة ثانية، فوجدته في حديقة الحيوانات يتجول كطفل في منطقة ‘السافانا’، حيث وقفت الزرافات برقابها الطويلة تأكل من قمم الأشجار بكبرياء، وفي الفضاء المجاور كانت الغزلان تتحرك بخفة ورشاقة.

دنوت منه ثم قلت:

-أهلاً صديقي العزيز، أراك مستمتعاً بوقتك أيها المبدع الجميل!
حدق بي وعلامات الدهشة تعلو وجهه، وهتف بصوت عالٍ:

-أنت مرة أخرى أيها الراوي المزعج! ماذا تريد هذه المرة؟

-استشارة بسيطة لا غير، ثم أعود أدراجي لأكمل مهمتي.

-دعني أسألك عن أخبار إبراهيم الصنهاجي وحبيبته ليلى غريب؟

ران صمت قصير علينا، ترددتُ قليلاً ثم قلت:

– قصة الحب لم تبدأ بعد، واسم ليلى غريب سابقٌ لأوانه بالنسبة لي؛ لأنني

أعطيتُ الأولوية لصديق دراسة البطل، وسأحاول لاحقاً استعمال الاسم المقترح للحبيبة المفترضة.
صمت الكاتب لحظة ثم سألني: إذن ماذا تريد؟

لدي استشارة فقط… ما رأيك، هل أستعمل أفعال القلوب في التمهيد لقصة

الحب؟
رد الكاتب بصوت ساخر: “أنت تعلم مسبقاً أن أفعال القلوب هي المناسبة

للرؤية من خلف، سواء كانت للرجحان أو لليقين أو للتحويل.”

ابتسمتُ في وجه الكاتب ودعوته لزيارة الفضاء الذي تتواجد به الأسود والفهود والنمور، لعله يجد فكرة لقصة جديدة تكون الحيوانات بطلة رئيسية لها، لكنه

لم يعر اقتراحي اهتماماً، وألحَّ عليَّ في الذهاب للاشتغال على ما تبقى من مضمون القصة التي نحن بصددها، وقال لي بنبرة آمرة:

“انصرف تَحُفّك رعاية الله والملائكة، وعُد لي بالمتن كاملاً حتى أضبطه.”

ѾѾѾ

التقط إبراهيم أنفاسه، وأحس أن الزمن ربما سيكون رحيماً به، وهو في هذا المجال القروي حيث تخفت حدة الصخب الذي عاشه طيلة السنوات الماضية في مدينة الدار البيضاء. كانت بداية استعادة دفء السكينة في رحاب ضيعة صديقه أحمد فرطاس، الذي استضافه صحبة بعض زملاء العمل، وقدم له زوجته التي كانت تشرف على تسيير مرافق الضيعة باعتبارها تقنية فلاحية اختارت تقاعداً مبكراً لتدير المشروع، بمعية ابنيها اللذين كانا يساعدانها رغم التزاماتهما المهنية التي لم تكن تخرج عن مجال الفلاحة؛ فالأول مهندس يشتغل بمركز الاستثمار الفلاحي، والثاني طبيب بيطري بالجماعة القروية.

هنأ صديقه على استقراره الأسري وتمنى له التوفيق، لكنه في الوقت نفسه شعر بنوع من الحزن يعتريه وهو يكتشف أنه أضاع الكثير من سنوات عمره في أحضان السراب وتلاوين العبث. ضغط على مشاعره وتجاوز هذا الإحساس، واندمج في أجواء الفرحة التي كانت تعم الحاضرين من ضيوف تبين له أنهم تعودوا على كرم ضيافة صديقه.

كان من بين الحضور المعلمةُ الشابة ليلى غريب، التي كانت قد أكملت عامها

السادس والثلاثين، والسيدةُ عائشة بربيش معلمة القسم السادس صحبة

زوجها الطبيب الرئيسي لمستوصف القرية، والسيدُ عمر المسكيني معلم

المستوى الثاني وزوجته الممرضة بالمستوصف نفسه.

انتهت الوليمة، وبدأت التساؤلات تشجُّ رأسه وهو على متن سيارته عائداً إلى بيته بمدينة الفقيه بن صالح التي اختار الاستقرار بها، متنقلاً بشكل يومي إلى مقر عمله الذي لا تفصله عنها إلا كيلومترات قليلة. كان يوقن أن الحياة في هذه المرحلة العمرية تحتاج إلى أنيس، لكن واقعه صمتٌ وفراغ، ولم يكن يجد إلا في ساعات العمل سلواه الوحيدة لطرد الملل.

عندما وصل إلى شقته، كان الجوُّ المخيم عليها غارقاً في الوحشة.أدار مفتاح الضوء، فبدتِ الأثاثُ كشواهدَ صامتة على زمنٍ يعبر دون رفيق. جلس على مقعده المعتاد، وترك عينيه تتأملان الصور المعلقة على الحائط الرمادي. في هذه اللحظات بالذات، عادت تساؤلات الوليمة لتطرق وعيه بقوة: إلى متى سيظل العمل ملاذه الوحيد؟ وهل تكفي الكيلومترات اليومية بين الفقيه بن صالح ومقر عمله لهروبه من حقيقة أنه يشيخ وحيداً؟

في اليوم الموالي وهو جالس في مكتبه منصرفاً إلى ترتيب بعض المذكرات الإدارية وتسجيلها في سجل الواردات، فوجئ بليلى غريب تطرق باب مكتبه وعيناها تذرفان الدموع، وعلامات الانهيار بادية على محيّاها. قام من مكانه ودعاها إلى الجلوس، وقدم لها منديلاً ورقياً حتى تمسح مقلتيها، ثم قال بصوت تشوبه نبرة دعم:

-آنسة ليلى.. ما بكِ؟

ردت وقد اعترى صوتَها شجنٌ واضح:

-تعرضت يوم أمس والدتي لوعكة صحية طارئة، وقد نقلها والدي وشقيقتي إلى مستشفى “الشيخ خليفة بن زايد” بالدار البيضاء، وستجري اليوم عملية جراحية دقيقة.

سألها:

-هل أسرتكِ تقيم في الدار البيضاء؟

-نعم، بالحي المحمدي، وهو الحي الذي ولدتُ فيه.

“ما الذي يمنعه أن يقترح عليها مرافقتها؟”
تردد السؤال في ذهنه لثوانٍ معدودات، كاد أن يكبله ذلك الجدار الصارم الذي بناه حول نفسه طوال سنوات عزلته، لكن مشهد انهيارها وصوتها الشجي هزمَا كل حساباته العقلانية الجافة. شعر أن الصمت والفراغ اللذين يشكو منهما طيلة حياته لا يمكن تبديدهما إلا بِمدّ يد إنسانية صادقة في لحظة احتياج حقيقية. تجاوز هذا الخاطر الطارئ وقال بصوت دافئ يغمره الصدق:

-شافاها الله وعافاها يا آنسة ليلى.. أنا في خدمتكِ، اذهبي لتكوني بجانبها، ولو سمحتِ سأزور والدتكِ يوم غدٍ بالمستشفى للاطمئنان على أحوالها الصحية.

رفعت ليلى رأسها، ونظرت إليه من خلف دموعها بنظرة امتنان عميقة اختصرت الكثير من الكلمات، لم تكن تتوقع منه هذه الشهامة غير المشروطة. شكرته بصوت متهدج، ثم غادرت المكتب مسرعة للحاق بأول وسيلة نقل تركبها في اتجاه مدينة الدار البيضاء.

أما هو، فقد بقي متسمراً في مكانه لبضع دقائق. كانت التساؤلات التي شجّت

رأسه في الليلة الماضية على الطريق بين الفقيه بن صالح وضيعة صديقه قد

بدأت تتخذ مساراً جديداً؛ لقد قطع على نفسه عهداً بالسفر يوم غدٍ إلى

الدارالبيضاء، وكان في قرارة نفسه مؤمناً أنهالن تكون مجرد زيارة عابرة للمجاملة، بل قد تكون بداية لكسر طوق الوحشة الذي غلّف حياته لسنوات طويلة…

شمسُ الخريف ترسل أشعتها الصفراء الدافئة، فتُحدث في نفسه انتشاءً افتقده منذ زمن بعيد، وهو في سيارته يقطع الطريق السيار الرابط بين مدينتي الفقيه

بن صالح والدار البيضاء.

الارتداد الزمني يداهم ذاكرته، ويبعث الحياة في تفاصيل قد توارت خلف عتمة طارئة يختلقها الفؤاد لتعطيل الوعي الشقي، ونسيان الفائض من ابتزاز الألم

ومناورات الزمن.

صور الماضي تشهد على أن ربع قرن من أيام الله مرَّ بين أحضان المدينة

الضخمة، كان في معظم لحظاته متوالياتٍ مترابطة من العزلة الاختيارية، بعد أن انتقل من منطقة “تغسالين” بحثاً عن طيِّ صفحة زواجٍ انتهى بالفشل الذريع، ونسيان ما ترتب عنه من انكسار وإحباط هزَّا كيانه وعطلا حواسه.

جاء إلى الدار البيضاء لينسى العذاب الذي تقاسمه مع الطرف الآخر ويضيع بين صخب الملايين، ظاناً أن أبراج الإسمنت ستبتلع جراحه وتمنحه حق النسيان،

لكن المفارقة الشقية كانت تكمن في أنه لم يجد هناك إلا صدى انكساره القديم، ليختار عن طيب خاطر العودة إلى المحيط القروي بحثاً عن روتينٍ إداري

هادئ…”

دخل مدينة الدار البيضاء عبر طريق بوسكورة، ومرَّ من تحت قنطرة سيدي

معروف المعلقة. توقف عند إشارة المرور وعينه على اللافتة المشيرة إلى اتجاه

الكليات، وعندما اشتعل الضوء الأخضر انحرف إلى اليسار في اتجاه شارع

الكليات الذي كانت تقسمه إلى نصفين سكةُ “الترامواي”. قطع الشارع بهدوء

حتى طريق الجديدة، وتوقف مرة ثانية عند إشارة المرور، ثم واصل المسير ليمرَّ من أمام الكليات.

تطلع إلى واجهاتها بجدرانها الباهتة؛ لا شيء تغير سوى تلك اللافتة العملاقة

التي تشير إلى بداية الأشغال في ورش محطة الدار البيضاء الجنوبية للقطارات

السريعة. تابع المسير والسيارات تحاصره من كل جانب في اتجاه شارع النقيب

محمد الطيب الناصري، حتى بدت له بوابة المستشفى الجامعي “الشيخ خليفة

بن زايد”.

اتجه نحو موقف السيارات، وأوقف محرك السيارة، ركنها وأخذ نفساً عميقاً

وهو يمسك المقود؛ لقد وصل إلى الوجهة، وحان الوقت ليتخلى عن دور

الملاحظ المسترجع للذكريات الآبقة، وينزل إلى أرض الواقع لملاقاة عائلة ليلى.

ركّب رقم هاتف ليلى وأخبرها بوصوله، ثم توجه نحو مدخل بناية المستشفى.

عند البوابة الزجاجية الضخمة وجدها في انتظاره؛ كانت ملامحها أقل ارتباكاً من الأمس. تبادلا التحية بجمل قصيرة ودعاء صادق بالشفاء، ثم اتجها نحو

المصعد. كانت المريضة ترقد في غرفة بالطابق الأول، وكان الصمت يَلُف

صعودهما؛ صمتٌ يختلف عن وحشة شقته بالفقيه بن صالح، فهو هنا صمتٌ إنساني مشترك، مشحون بالانتظار والرجاء. وعندما انفتح باب المصعد معلناً

الوصول إلى الطابق الأول، شعر أن كل خطوة يخطوها في الممر الطويل

المُفضي نحو غرف المرضى تبعده خطوة إضافية عن تساؤلاته الشقية وعزلته

الاختيارية القديمة؛ لتدخله من الباب الواسع في تفاصيل حياة الآخرين

وهمومهم…

توقفت ليلى أمام الغرفة رقم 35، وفتحت الباب ببطء. دخل خلفها بخطوات

وجلة، فاستقبلته رائحة الأدوية. كانت الأم مستلقية على السرير الأبيض، تبدو شاحبة لكن ملامحها هادئة بعد مغادرتها غرفة العمليات، وبجانبها وقف شيخ يرتدي جلباباً خفيفاً أبيضَ اللون، وإلى جانبه سيدة تجاوزت الأربعين من العمر.

قدمتهما ليلى لَه على التوالي:

والدي الحاج موسى الغريب، وأختي نادية.
ثم استدركت وهي تشير إليه:

وهذا مدير المؤسسة الأستاذ إبراهيم، الذي كلف نفسه وتنقل لعيادة والدتي.

اتسعت عينا الشيخ من الدهشة، وتقدم منه ثم غمره بفيض من الترحيب وهو

يشد على يده بحرارة قائلاً:

أهلاً بك.. خطوتك عزيزة وغالية. أقطعت كل هذه المسافة من أجلنا؟! هذا من طيب أصلك ونبل أخلاقك.

أحس بدفء غريب يسري في كفه وهو يصافح الأب، جعله يشعر فجأة بأنه

ليس غريباً وسطهم. جلس على الكرسي المحاذي للسرير بعد أن أصَر الأب على ذلك، وتبادل معهم عبارات الدعاء والتهنئة بنجاح العملية الجراحية.

مر الوقت بسرعة، وقام من مكانه مودعاً، ولم تتردد ليلى في مرافقته حتى بوابة

المستشفى، واستطاع هذه المرة أن يملّي نظره بطلعتها البهية، ويكتشف أنها

تتمتع بجمال مبهر، وسحر يتجاوز المنتظر؛ كانت ترتدي قميصاً سماوي اللون وبنطالاً أسودَ فاتحاً، جعلها تبدو ذات جاذبية تشد الناظر إليها.

دعاها إلى شرب قهوة بمقصف المستشفى، وكان الحديث في البداية خجولاً ثم

تطور ليصبح حميمياً فيما بعد. حدثها بقلب مفتوح عن تجربته الزوجية

الفاشلة والندوب التي تركتها في قلبه، وحدثته عن تجربتها المُرّة هي الأخرى مع زوج صعب المراس لم يستطع الخروج من دائرة الأفكار المتخلفة رغم تعليمه

العالي؛ فقد كان مهندساً بالمركز الفلاحي، واضطرت للانتقال إلى الفقيه بن

صالح حتى يجمعهما عش واحد لكنه خذلها، وتسبب لها في انهيار عصبي

لا تزال تعاني من أثره.

اِستمع إليها بكثير من الاهتمام، وأبدى تعاطفه الجليَّ معها، ولم تتردد في سؤاله باندهاش عن سرِّ تأخره في الارتباط مرة ثانية، فردَّ عليها بصوت تشوبه نبرة

حزن:

-أحياناً نلجأ إلى ممارسة لعبة النسيان، والانصهار في ترتيب يسمح للجراح

بالالتئام قبل الدخول في أي تجربة جديدة.
وبعد لحظة صمت استدرك مكملاً فكرته:

لكن الأيام تمضي بسرعة، فإذا بها تغدو سنيناً، وعندما ننتبه لحالنا نكتشف أن

قطار الحياة قد تجاوزنا، فنرضى بما كتبته لنا الأقدار.

لم تعلّق على كلامه واكتفت بابتسامة عريضة؛ لأنها أحست بأنه كلام صادق

يغني عن كل حِجاج أو إقناع، فالرجل لا يحاول تبرير عزوبيته التي طال أمدها،

بل يضع بين يديها خلاصة ربع قرن من الصمود الصامت.

شكرته وهي تودعه، وأسرتْ له أنها مضطرة للبقاء يومين إضافيين حتى تغادر

والدتها المستشفى، فوعدها خيراً داعياً بالشفاء للمريضة العزيزة.

قضى ليلته مؤرقاً بشقته بالدار البيضاء الكائنة بحي المنظر الجميل، استعاد

أيامه الخوالي بين أحضانها، وتذكر زمن عزلته الاختيارية، واعتكافه في محراب

السلوان. أحسَّ أن طيف ليلى غريب يداعب خياله، فيمتزج ذلك السحر الذي

يخالجه بالرغبة القوية التي سرت في كل حواسه، وأشّرَتْ على بداية مرحلة

جديدة في حياته، وكل أمله أن تكون بارقة تضيء حلكة سمائه وتطرد غيومها.

في اليوم الموالي استيقظ مبكراً، وتناول إفطاره في إحدى المقاهي المجاورة

لشقته، ثم شدَّ الرحال نحو مدينة الفقيه بن صالح، وقد استبشر خيراً واستعاد شيئاً من السكينة والطمأنينة. وظلَّ طوال الطريق يحلم بما قد تحمله له الأيام

القادمة من استقرار ظلَّ يفتقده مذ فارق زوجته السابقة، ودخل عن حب

وطواعية في مرحلة كمون طويلة.

ليلى.. يا حلوة المبسم، يا فسحةً لمصالحة الذات وفتح نافذة على بوابة الأمل! وتلك على كل حال غاية كل إنسان صادق مع نفسه، يؤمن بأن العمر قصير،

ولحظاته يجب أن تُعاش دون زمهرير ولا كوابيس. وهو اليوم يقف في مفترق

الطرق: إما خروجٌ من دائرة الصمت والانفلات من ربقة الرتابة، وإما ركونٌ لحال يطبعه الجمود والسقوط في جب الملل.

تَوقف في محطة الاستراحة الواقعة قبل بدال مدينة خريبكة؛ شرب قهوة سوداء، ودخل إلى المرفق الصحي، ثم اتصل بصديقه أحمد فرطاس. أخبره بزيارته

لوالدة ليلى غريب، وعن الأجواء التي سادت خلال فترة هذه الزيارة، وتحدث

بإعجاب عن ليلى وطيبتها ورقتها. قاطعه أحمد فرطاس بصوت تتخلله نبرة

ضاحكة:

يبدو أنك أصبحت مهتماً كثيراً بالأستاذة ليلى!
فردَّ قائلاً:

“الله جميل ويحب الجمال .”

وصل إلى مقر عمله مبكراً، استقبله حارس المؤسسة بابتسامة مشرقة، وقدم له كأس شاي بالنعناع. أحسَّ بأن أجواء هذا الصباح تحمل تباشير ناطقة بلغة

الفرح؛ لهذا لم يتوانَ في الخروج إلى ساحة المدرسة، ليقف بكل أريحية وسط

التلاميذ والأساتذة خلال تحية العلم، ويتبادل معهم التحية والابتسام.

دخل التلاميذ إلى فصولهم، وبقي متسمراً في مكانه يتطلع إلى الشمس تشرق

بتُؤَدة ساحرة، ويُملّي عينيه في الوقت نفسه بمنظر الحقول المترامية وقد

اخترقتها السواقي الحانية.

سلامٌ عليك يا إبراهيم يوم ولدت، ويوم هاجرت دون “تردد” إلى المدن السفلى، سلامٌ عليك أيها الطيب الذي خرج من رحم المعاناة، ودخل مدينة الفقيه بن

صالح متأبطاً ديوان عبد الله راجع: “الهجرة إلى المدن السفلى”.سلامٌ عليك أيها القادم من صقيع المدن العليا إلى دفء المدن السفلى، يمكنك الآن بكل سعة صدر وراحة بال أن تردد مع راجع:

وعلى قدر حروف اسمك أصنع خطواتي،
اصرع في واجهتين؛ الأولى: سفري عبر متاهات
الباطن، والثانية: الهجرة نحو الآخر. معذرة
زمني موبوء يا امرأتي
ولدينا من أيام الفرح الجامح
سلال.. كيف إذن أمنحكم رأساً لا أملكه؟
كيف أراقصكم بالقدمين المجروحتين؟
كلما عسكر في الداخل شوق
فتحت في الحلق ثغره
كيف لا يغدر بي في التيه نطق
أنا من ضيع في الأوهام عمره
كيف لا يغدر بي في التيه نطق
كلما عسكر في الداخل شوق
أنا من ضيع في الأوهام عمره
فتحت في الحلق ثغره
الشوق / النطق / الثغرة يرفضها الحلق
فآه… كيف أوافق بين عذابات الحرف الصائت
والحنجرة المثقوبة؟.

اقترب منه الحارس، وأسرَّ إليه بأن هناك شخصاً يسأل عنه. التفت نحو مكتب

الإدارة، فرأى شاباً يرتدي بدلة زرقاء، تقدم بخطى وئيدة نحوه، تبادلا التحية ثم دعاه إلى الدخول. دخل الشاب في أثره وهو يبدو مرتبكاً، وما عتم أن قال إنه

يرغب في الحديث إليه. أشار إليه بالجلوس ثم قال بصوت تشوبه نبرة اندهاش:

أرجو أن تقدم لي نفسك حتى أتشرف بمعرفتك.

ردَّ الشاب وهو يحاول أن يواري تخبطه واضطرابه بابتسامة شاحبة:

-اسمي علاء بنمسعود، مهندس بالمركز الفلاحي وزميل لابن صديقك الأستاذ

أحمد فرطاس، وهو الذي شجعني على التوجه إليك..

قاطعه مبتسماً:

-التوجه إليَّ أنا؟

ردَّ الشاب:

-نعم يا أستاذ إبراهيم، فطلبي عندك، وأنت الوحيد القادر على حل مشكلتي.

رمقه بطرف حاد ثم قال:

حل مشكلتك! وهل أنا هنا لأحلَّ المشاكل يا سيد علاء؟

أحنى الشاب رأسه تحت وطأة حرجه وقال:

-أنا طليق ليلى غريب يا أستاذي العزيز، أعترف لك مسبقاً أنني ارتكبت في حقها خطيئة لا تغتفر، وتصرفت برعونة لا تليق بأولاد الناس، هدمت بيتي بيدي..

وإصلاح ذات البين بيننا بين يديك، فلا تخذلني.

نزلت كلمات الشاب كصاعقة مباغتة على أسماعه، داهمته رهبة شديدة،

واضطربت دقات قلبه، وشعر بعبء الموقف يثقل صدره؛ هل يلتزم بوقاره

وواجب المصلح الذي يبتغي وجه الله؟أم ينساق وراء أحلامه التي تأجلت طويلاً؟

تطلع إلى علاء لحظة ثم قال:

أتمنى أن أنجح في هذه المهمة الصعبة يا ولدي.

قام الشاب من مكانه، وأكبَّ على رأس إبراهيم يقبلها، ثم انصرف إلى سبيله،

بعد أن ألقى في وجهه قنبلةً فوسفورية دمرت ما تبقى من أحلامٍ أينعت فجأة،

وها هي في طريقها لتتحول إلى إجهاضٍ مبكر.

يا إبراهيم، المدن السفلى تخذلك هي الأخرى، وتصيبك بوعكة نفسية، وتحكم على حلمك بالتأجيل، وربما بالموت السريري. يا إبراهيم، لا فرق بين المدن

السفلى أو العليا؛ فالزمن بالنسبة لك توقف، وتاريخ المشاعر تخشّب. فعندما

فكرتَ وتحركتْ نياط قلبك، وقررت الخروج من المنطقة الرمادية بعد أن

شعرت بأنك مارست ظلماً بيّناً على مهجتك، وانكسرَ حاجزُ الصمتِ في داخلك، وصرختَ في وجهِ المدى، إذا بالحياة تقلب لكَ ظهرالمجن، وإذا بغيومٍ رصاصية تغطي سماءك. اليوم أنت مجبر على تجاوز كل هذه التداعيات؛ لأنك غير قادر على الدخول في منافسة تبدو عبثية، وقد وعدت علاء بنمسعود خيراً.

عادت ليلى بعد يومين من الغياب، استقبلها إبراهيم في مكتبه، وسألها عن أحوال والدتها الصحية، فبدت أساريرها منفرجة كغيوم انقشعت بعد عاصفة،

وقالت إنها بخير.لم يتردد في إلقاء “قنبلة علاء” التي دمرت أحلامه يوم أمس، ثم حاول أن يقرأ أثر ذلك في عينيها، لكنه صُدم بلا مبالاتها بالموضوع، رغم

إلحاحه. وعندما أصرَّ وأخبرها بوعده لعلاء، فوجئ بها ترفع رأسها بحدة وهي

تقول:

قصتي مع علاء انتهت، ولن أعود إليه مهما حاول!

سقطت الكلمات كالغيث على أرضه القاحلة، وأحسَّ أنها قد أنقذت أحلامه من إجهاضٍ مبكر. تابعت ليلى كلامها وعلامات الانفعال تلوح على وجهها:

لقد مللتُ من تكرار المشاكل والدوران في الحلقة المفرغة نفسها التي استنزفت

روحي، وحطمت أعصابي!

لقد مارست ليلى حقها في نسيان الفائض من ابتزاز الماضي، تماماً كما حاول هو لربع قرن؛ طي صفحات من ابتزاز الألم. تراجعت الغيوم الرصاصية قليلاً عن

سمائه، وعلم أن قطار الحياة لم يفته بعد.”

قد يعجبك ايضا