عبد الفتاح علي يحيى… حين ترحل الذاكرة ويبقى أثر المؤرخ

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليس رحيل المؤرخ حدثاً عابراً في حياة الثقافة؛ فالمؤرخ حين يغادرنا لا يأخذ معه سنوات عمره فحسب، بل يترك وراءه فراغاً في ذاكرةٍ كان يحمل بعض أثقالها، ويغلق برحيله فصلاً من فصول الشهادة على زمنٍ لم يكن سهلاً، وعلى شعبٍ ظل تاريخه، في كثير من محطاته، عرضةً للتهميش والنسيان والتأويل والصراع.
بهذا المعنى، يأتي رحيل المؤرخ والكاتب الكوردي البارز الدكتور عبد الفتاح علي يحيى، الرئيس الأسبق للأكاديمية الكوردية (المجمع العلمي الكوردي)، بوصفه خسارة ثقافية وأكاديمية لا تخص الوسط الكوردي وحده، وإنما تمتد إلى فضاء الثقافة العراقية التي ظلّت، رغم كل الانقسامات السياسية والقومية والمذهبية، نسيجاً متداخلاً أسهمت في صناعته أسماء عراقية من مشارب متعددة.

لقد نعت الأوساط الثقافية والأكاديمية في إقليم كوردستان الدكتور عبد الفتاح علي يحيى، كما عبّر اتحاد كتّاب كوردستان – فرع أربيل – عن حزنه العميق لرحيل هذه القامة الأكاديمية والتاريخية، مشيراً إلى ما خلّفه من إرث غني في مجال توثيق التاريخ والأدب الكوردي، وما قدّمه من جهود علمية خلال ترؤسه للأكاديمية الكوردية.
وليس من المبالغة القول إن قيمة المؤرخ لا تكمن في عدد الكتب التي تركها وراءه فقط، وإنما في نوع الأسئلة التي أثارها، وفي المساحات التي أنارها، وفي قدرته على تحويل الوثيقة من ورقة صامتة إلى شهادة حية على الماضي.
المؤرخ حارس الذاكرة
التاريخ ليس مجموعة تواريخ وأسماء ومعارك، وليس سرداً محايداً للأحداث كما قد يتصور البعض. إنه صراع دائم بين الذاكرة والنسيان، بين الوثيقة والرواية، وبين ما حدث فعلاً وما أرادت السلطات والقوى السياسية والاجتماعية أن تقوله للأجيال اللاحقة عن ذلك الحدث.
ومن هنا تبرز أهمية المؤرخ الحقيقي؛ لأنه لا يكتفي بإعادة رواية ما قيل، بل يحاول أن يسأل: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ ومن كتب الرواية؟ ومن غاب عنها؟ ومن امتلك السلطة على تسجيلها؟ ومن جرى إسقاطه عمداً أو سهواً من صفحاتها؟
وفي هذا السياق تكتسب أعمال الدكتور عبد الفتاح علي يحيى أهميتها، بوصفها جزءاً من جهد علمي أوسع لحفظ الذاكرة التاريخية والأدبية الكوردية، وإعادة قراءة جوانب من تاريخ شعب ظل حاضراً في جغرافيا العراق، وفي تحولات دول المنطقة، وفي مسار الثقافة العراقية الحديثة.
إن توثيق التاريخ الكوردي ليس فعلاً منفصلاً عن التاريخ العراقي العام، كما أن دراسة التاريخ العراقي لا يمكن أن تكتمل بإغفال المكونات القومية والثقافية التي أسهمت في تشكيله. فالعراق لم يكن يوماً ذاكرة واحدة، بل ذواكر متعددة تلتقي أحياناً وتتصادم أحياناً أخرى، لكنها في النهاية تنتمي إلى فضاء تاريخي مشترك.
بين التاريخ والسياسة
لقد عانى التاريخ العراقي طويلاً من هيمنة السياسة على الكتابة التاريخية. وفي مراحل مختلفة، تحولت الوقائع إلى روايات رسمية، وتحولت الوثائق إلى أدوات انتقاء، وأصبح المؤرخ أمام امتحان عسير: هل يكتب ما يرضي السلطة، أم ما تمليه عليه الوثيقة والضمير العلمي؟
ولذلك فإن قيمة المؤرخ تُختبر، قبل أي شيء، في استقلاله عن الرواية الجاهزة.
ومن المؤسف أن تاريخ الكورد في العراق والمنطقة ظل في أحيان كثيرة موضوعاً للتجاذب السياسي أكثر من كونه مجالاً للبحث العلمي الهادئ. فهناك من حاول طمس جوانب منه، وهناك من قرأه بعين سياسية ضيقة، وهناك من تعامل معه من منظور قومي متشنج، حتى أصبح التاريخ أحياناً ضحيةً للصراع بدلاً من أن يكون وسيلة لفهم جذوره.
لكن الكتابة التاريخية الرصينة لا تحتاج إلى المبالغة ولا إلى الأساطير، كما لا تحتاج إلى إنكار الآخر. الحقيقة التاريخية أقوى من كل ذلك؛ لأنها لا تحتاج إلى زينة أيديولوجية كي تثبت وجودها.
ومن هنا تأتي مسؤولية الباحثين الذين يواصلون الطريق بعد رحيل أمثال عبد الفتاح علي يحيى: أن يحافظوا على الوثيقة، وأن يواصلوا البحث، وأن يضعوا التاريخ في مكانه الطبيعي بوصفه معرفةً نقدية، لا سلاحاً في معارك الحاضر.
الأكاديمية الكوردية… مؤسسة وذاكرة
كان ترؤس الدكتور عبد الفتاح علي يحيى للأكاديمية الكوردية محطة مهمة في مسيرته العلمية، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به المؤسسات العلمية والثقافية في حفظ اللغة والتراث والتاريخ وإنتاج المعرفة.
فالمؤسسة العلمية ليست جدراناً ومكاتب ومناصب؛ قيمتها الحقيقية فيما تنتجه من معرفة، وفي قدرتها على بناء تقاليد بحثية تتجاوز الأشخاص. وإذا كان الأشخاص يرحلون، فإن المؤسسات التي نجحوا في ترسيخ تقاليدها ينبغي أن تبقى قادرة على مواصلة رسالتها.
ولعل أفضل تكريم للمؤرخ الراحل ألا يتحول اسمه إلى مناسبة عابرة في بيانات النعي، ثم يغيب عن الذاكرة، بل أن تُعاد قراءة أعماله، وتُجمع دراساته، وتُوثق سيرته العلمية، وتُتاح مؤلفاته للباحثين والدارسين، وأن تُفتح أعماله على النقد والمراجعة والمناقشة.
فالعلماء لا يُكرّمون بالمراثي وحدها، وإنما باستمرار الأسئلة التي حملوها، وبإبقاء كتبهم حية في أيدي الأجيال الجديدة.
الذاكرة الكوردية جزء من الذاكرة العراقية
ثمة خطأ منهجي يقع فيه البعض حين يتعاملون مع التاريخ الكوردي بوصفه تاريخاً منفصلاً تماماً عن العراق، كما يقع آخرون في الخطأ المعاكس حين يحاولون اختزال التاريخ الكوردي داخل رواية عراقية واحدة تلغي خصوصيته.
والحقيقة أكثر تعقيداً وثراءً.
فالتاريخ العراقي الحديث تشكل من تفاعل العرب والكورد والتركمان والسريان والآشوريين والأرمن وسواهم من الجماعات التي عاشت على هذه الأرض، وأسهمت بدرجات مختلفة في تشكيل ثقافتها ومدنها واقتصادها وأدبها وفنونها وحياتها السياسية والاجتماعية.
ولهذا فإن إنصاف الذاكرة الكوردية لا يعني الانتقاص من الذاكرة العربية، كما أن الاعتراف بالخصوصية الكوردية لا يعني إلغاء المشترك العراقي. إنما يعني أن نقرأ التاريخ كما كان: متعدد الأصوات، متعدد التجارب، ومتعدد الوجوه.
وإذا كانت الأوطان الحديثة قد صنعت حدودها السياسية، فإن الذاكرة لا تعترف دائماً بهذه الحدود؛ فالكتب والمخطوطات واللغات والهجرات والمدن والأسواق والعلاقات الاجتماعية تتجاوز الخرائط.
الرحيل الذي يذكّرنا بالواجب
يرحل المؤرخ، لكن مسؤوليته لا تنتهي برحيله. بل ربما تبدأ مرحلة أخرى من المسؤولية تقع على عاتق من يأتون بعده.
إن أكبر مأساة يمكن أن تواجهها ثقافة ما ليست موت علمائها، فهذا قدر البشر، وإنما أن تموت كتبهم معهم، وأن تضيع أوراقهم، وأن تتبعثر مكتباتهم، وأن تنقطع الصلة بين أعمالهم والأجيال التي كان يفترض أن تقرأها.
كم من مؤرخ وباحث عراقي وكوردي وعربي غاب عن المشهد، فغابت معه أوراق لم تُحقق، ومخطوطات لم تنشر، وشهادات لم تصل إلى الباحثين؟
إن حماية التراث العلمي مسؤولية مؤسساتية، وليست مهمة عائلة الفقيد وحدها. ومن هنا فإن رحيل الدكتور عبد الفتاح علي يحيى يمكن أن يكون مناسبة لإطلاق مشروع علمي لجمع نتاجه، وفهرسة مؤلفاته ودراساته، وحفظ أرشيفه، وإتاحته للباحثين، حتى لا يتحول الموت إلى نهاية للنص.
في وداع رجل من رجال المعرفة
لا أعرف إن كان من الممكن اختصار حياة مؤرخ في بضعة أسطر، لكن المؤكد أن الإنسان يستطيع أن يترك وراءه ما هو أبقى من العمر: كتاباً، وثيقة، فكرة، تلميذاً، أو سؤالاً يظل مفتوحاً أمام الأجيال.
وهكذا يبقى عبد الفتاح علي يحيى في ذاكرة الثقافة الكوردية والعراقية، لا بوصفه اسماً مرّ في مؤسسة أكاديمية أو لقباً أضيف إلى سجل المؤرخين، وإنما بوصفه واحداً من أولئك الذين أدركوا أن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تصبح عرضة لأن يكتب الآخرون تاريخها بالنيابة عنها.
رحل المؤرخ، وبقيت مهمته.
وبقيت الكتب التي ينبغي أن تُقرأ، والوثائق التي ينبغي أن تُصان، والأسئلة التي ينبغي ألا تموت.
وفي زمن تتعرض فيه الذاكرة العراقية والكوردية على السواء لضغوط النسيان والتسييس والاختزال، تصبح استعادة إرث المؤرخين الحقيقيين نوعاً من الوفاء للعلم، قبل أن تكون وفاءً للأشخاص.
رحم الله الدكتور عبد الفتاح علي يحيى، وأحسن عزاء أسرته وزملائه وتلامذته ومحبيه، والعزاء للوسط الثقافي والأكاديمي الكوردي والعراقي.
فالمؤرخون يرحلون بأجسادهم، أما الذين جعلوا من المعرفة دفاعاً عن الذاكرة، فإنهم يواصلون حضورهم كلما فتح قارئ كتاباً لهم، وكلما عاد باحث إلى وثيقة حفظوها، وكلما حاول جيل جديد أن يفهم ماضيه بعيداً عن الكراهية والتزييف.
ذلك هو الإرث الذي لا يشيّعه الموت: إرث المعرفة.

قد يعجبك ايضا