الحلم الذي كان في مخيلة كل عراقي داخل او خارج العراق بعد نهاية حقبة الدكتاتورية ان يعود العراق للعراقيين ، بلدا معافى تغمره المحبة والسلام ، ينعم اهله بخيراته ، ويتباهى العراقي ببلاده، مع مضي مدة ربع قرن على رحيل تلك الحقبة التي اضرت بالعراق شعبا ووطنا ، لهذا يستوجب الحاضر والمستقبل ان نتجاوز النظام التوافقي (المحاصصة) الذي كرس الانقسام ونحن بأمس الحاجة للوحدة والتلاحم ، وان تكون الدولة فضاءا جامعا للعراقيين ، وان تكون المواطنة الأساس الذي تبني عليه الدولة كيانها في التمثيل السياسي والمناصب التنفيذية ، وان نحفظ التوازن بما يخدم عملية الترميم والبناء ، حيث نقوم بإصلاح قانون الانتخابات وقانون الأحزاب الوطنية، وان نعمل بصدق على استقلالية القضاء وعدم التدخل في شؤونه او التأثير عليه.
ولا يمكن تحقيق السلام الداخلي للعراق مالم يتم حصر السلاح بيد الدولة، وان تنضوي جميع الفصائل المسلحة رسميا ضمن تشكيلات الجيش والشرطة تحت امرة القيادات العسكرية والقائد العام للقوات المسلحة، وان تكون قطاعات الامن والاستخبارات والمخابرات على أساس الكفاءة المهنية بعيدا عن الولاء الحزبي، وان نسعى لإعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة عبر مناهج تعليمية، ومعالجة جذور التطرف والعنف الاجتماعي.
ولأن العراق اعتمد اعتمادا يكاد ان يكون كليا على النفط، فان الدولة ستصبح رهينة لتقلبات الأسعار، ومع تفشي ظاهرة الفساد في جميع المفاصل فان سعي الحكومة والقضاء بالتصدي لهذه الظاهرة المريضة عبر أجهزة رقابية تتمتع بالاستقلالية والشفافية، وان تتنوع مصادر الدخل عبر الزراعة وإعادة بناء الصناعة والاستثمار في القطاع الخاص، وتسعى الحكومة لتحسين قطاعات الكهرباء والماء والصحة والتعليم ضمن استثمار حقيقي يحقق نتائج ملموسة.
خلال هذه الفترة الزمنية المهمة في تاريخ العراق الحديث يتم استعادة القرار الوطني المستقل بعد انتهاء التواجد الأمريكي ، وكل تواجد اجنبي على الأرض العراقية ، ولهذا فان الإصلاح الاقتصادي الذي اشارت له المادة ٢٥ من الدستور لا يتحقق دون استقلال قضائي، دون مصالحة مجتمعية ، والسيادة الوطنية دون عقد اجتماعي يزيدها تماسكا تكون عرضة للاختراق وهشة ، ولا يمكن بناء سلام مجتمعي حقيقي دون اليات للعدالة الانتقالية التي تنهي عمليات النزوع الانتقامية وتطرح مشروع المصالحة الوطنية بين كل العراقيين بشكل حقيقي وهادف لخدمة العراق ، وان تكون الهوية العراقية الجامعة فوق كل الهويات والانتماءات الفرعية الأخرى .
ان يستعيد العراق عافيته لا يمكن ان يتم تحقيقها بزيادة الرواتب او بناء الطرق والجسور ، بل يكون ضمن إعادة بناء دولة القانون والمؤسسات ، والدستور نفسه جعل سيادة القانون أساسا للحكم ، ويتم تحميل الدولة مسؤولية الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي وبقية الخدمات التي عليها ان توفرها للمواطن ، والقانون فوق الجميع ولا حصانة لعراقي الا ما نص عليه الدستور ، وان نتجنب ان تكون مكافحة الفساد انتقائية ترتبط بالخصومات السياسية ، ولان مشروع ضرب الفساد من منبعه المالي والإداري يتوجب تغيير طريقة إدارة المال العام ، وان يتم تطبيق العقوبات المقترنة بالظروف المشددة عندما تتوفر ظروفها القانونية ، والعمل بشكل سريع وجاد ومتقن لاستعادة الأموال العامة المنهوبة من خارج العراق ، اننا ننتقل من استراتيجية مكافحة الفساد والفاسدين الى التنفيذ والمحاسبة الفعلية ، وان يتم الالتفات الى تضخم المؤسسات والدوائر المتداخلة معها ، وان يتم ربط بقاء المسؤول في منصبة بنتائج قابلة للقياس والمحاسبة ، وان يجري العمل على تحويل الخدمات الى معاملات الكترونية قدر الإمكان .
وامام كل حكومة يتم اختيارها ان تلتفت الى ملف الكهرباء والماء والصرف الصحي والطرق والنقل والسكك الحديدية والمدارس والمستشفيات والزراعة والصناعة والبنية الرقمية، وان تتحول إيرادات النفط من مصدر للأنفاق الى أداة لبناء اقتصاد متين، وفي نفس الوقت يجب تقليل مسالة الاعتماد على الإيرادات النفطية تدريجيا، من خلال اقتصاد ممنهج وفق أسس اقتصادية حديثة، وإنتاج يوفر وظائف وفرص عمل وايرادات غير نفطية.
المشكلة العراقية في جوهرها ليست نقص القوانين، فالعراق لديه دستور ومئات القوانين وأجهزة رقابية وقضائية. المشكلة هي الفجوة بين النص والتطبيق، ولهذا فإن إنقاذ العراق يحتاج إلى قاعدة بسيطة هي ان من يحكم يجب أن يخضع للقانون، ومن يدير المال العام يجب أن يكون قابلاً للمحاسبة، ومن يفشل في إدارة مؤسسته يجب أن يغادرها، ومن ينجح يجب أن يكافأ، والمواطن لا يحتاج الى خطاب سياسي ليعيد الثقة بالدولة، مادام القانون يطبق على الجميع والمال العام محمي، والموظف يعمل بخدمة المواطن، والمدرسة مفتوحة تشرف عليها الدولة، والمستشفى يقدم العلاج، والماء والكهرباء متوفران، والقاضي يحاسب المسؤول المتهم، حينها نستطيع ان نقول ان مشروع العراق بدأ في استعادة عافيته.
واللافت أن الدراسات الحديثة حول سيادة القانون في العراق تصل إلى نتيجة دقيقة وهي ضعف المؤسسات، والتدخل السياسي، والفساد الإداري والمالي، وضعف المساءلة هي من أبرز العقبات أمام سيادة القانون، وأن العلاج يتطلب قضاءً مستقلاً ورقابة فعالة ومساءلة حقيقية.