صبحي مندلاوي
هناك مدن لا يختصرها موقعها الجغرافي ولا تختزلها حدودها الإدارية بل تختزن في ترابها ذاكرة شعب وتاريخ قضية وهوية أمة ومن بين هذه المدن تقف مدينة مندلي الكوردستانية شامخة رغم كل ما تعرضت له من ظلم وتهميش حتى باتت بحق مدينة الكوردايتي المنسية.
تقع مندلي على بعد 67 كيلومتراً من خانقين ضمن الحدود الإدارية لمحافظة ديالى وعلى مسافة 160 كيلومتراً شمال شرقي بغداد وهي إحدى المناطق المشمولة بالمادة 140 من الدستور العراقي كما تعد من أقدم مدن العراق حضاريا إذ تعود جذورها إلى آلاف السنين وعرفت في المصادر التاريخية باسم (بندنيجين) وتعاقبت عليها الحضارات السومرية والبابلية والعيلامية لتبقى شاهداً على عمق الوجود الكوردي في هذه المنطقة.
ولم تكن مندلي مجرد مدينة ذات تاريخ عريق بل كانت مدرسة في الوطنية والنضال فقد كان أبناؤها في مقدمة الصفوف منذ انطلاق الحركة التحررية الكوردستانية وساهم شبابها ومعلموها ومثقفوها وشيوخ عشائرها ووجهاؤها في دعم ثورة أيلول الخالدة بكل ما امتلكوا من إمكانات وإيمان بالقضية الكوردية.
لقد شارك في ثورة أيلول أكثر من خمسمائة من أبناء مندلي بين مقاتل وبيشمركة ومساند للثورة وهو رقم يعكس حجم الحضور الوطني لهذه المدينة الصغيرة والتي كانت ثاني أكبر قضاء في العراق بعد الكوفة بمساحتها الكبيرة بعطائها وقد ارتقى عدد منهم شهداء وأصيب آخرون بجروح فيما تعرضت عائلات كثيرة للملاحقة والاعتقال والحرمان بسبب مواقفها الوطنية وانتمائها الكوردي.
ولأن النظام البعثي البائد كان يدرك المكانة الوطنية والقومية لمندلي ودورها ووقوفها الى جانب الزعيم الخالد ملا مصطفى البارزاني فقد جعلها هدفاً مباشراً لسياسات التعريب والتغيير الديموغرافي فهجرت أبناءها الكورد قسراً إلى خارج مدينتها وصودرت أموالها المنقولة وغير المنقولة وانتزعت أملاكها وأراضيها في محاولة لطمس الهوية الكوردستانية وتغيير واقعها السكاني وهي سياسة لم تستهدف الأرض وحدها بل استهدفت الإنسان والتاريخ والذاكرة.
ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية لتضيف جرحاً آخر إلى جراح مندلي فتحولت المدينة إلى خط مواجهة واحترقت بساتينها التي كانت تضرب بها الأمثال في العراق لما تنتجه من أجود أنواع التمور والرمان والحمضيات وغيرها من المحاصيل التي اشتهرت بها عبر عشرات السنين وتحولت الواحات الخضراء إلى أرض يابسة بعدما كانت مصدر رزق وجمال لأهلها.
وبعد سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003 اعتقد أبناء مندلي أن زمن العدالة قد بدأ خصوصاً بعد إقرار المادة 140 من الدستور العراقي التي وضعت خارطة طريق واضحة لمعالجة أوضاع المناطق المستقطعة وإعادة الحقوق إلى أصحابها إلا أن هذه المادة بقيت معطلة حتى يومنا هذا لتبقى مندلي تنتظر تنفيذ استحقاق دستوري طال انتظاره بالرغم من صدور قرار من مجلس ادارة المدينة تطالب بإلحاقها بإقليم كوردستان.
إن قضية مندلي ليست قضية مدينة تبحث عن الخدمات أو المشاريع فحسب بل هي قضية هوية وحقوق وعدالة دستورية وهي قضية آلاف المواطنين الذين ما زالوا ينتظرون إنصافاً تأخر كثيراً فتنفيذ المادة 140 لم يعد مطلباً سياسياً بقدر ما أصبح التزاماً دستورياً وأخلاقياً تجاه مدينة دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن انتمائها.
ستبقى مندلي مدينة كوردستانية أصيلة وستبقى وفية لتاريخها مهما تغيرت الظروف ومهما طال الانتظار لأن المدن التي صنعت الرجال وقدمت التضحيات لا يمكن أن تغيب عن ذاكرة الشعوب وإن غابت عن حسابات السياسة.