حين تكتسب المدن وجوهًا (فلسفة الاسم والهوية)

سمير السوره ميري

ليست المسألة اتهامًا يُوجَّه إلى مدينة بعينها ولا إدانة لأبنائها، بقدر ما هي محاولة لفهم صورة قبيحة قد يرسمها الطغاة على أسوار المدن، ثم يتركون عليها آثار التعسف والظلم، لتتحول المدينة بفعل التاريخ إلى مذكرة ضمير، تحمل في ذاكرتها ما لم يقترفه أبناؤها، وتدفع مستقبلًا ثمن ذاكرة الطغيان.

فالمدن لا تختار دائمًا الوجوه التي تُنسب إليها، كما أن الأسماء لا تظل بريئة حين تُحمَّل بأفعال أصحابها، وحين تُشخص التسميات والألقاب، يفتح ذلك جرحًا أعمق من مجرد الاسم: كيف يمكن لإنسان أن يتحول من فرد ينتمي إلى مدينة، إلى هوية مشوهة تُلصق بالمدينة كلها؟ وكيف تنتقل آثامه من نطاق مسؤوليته الفردية إلى ذاكرة جماعية لم تخترها؟

وكيف يتحول الإنسان من صمام أمان للأمانة إلى ناهب لها؟ وكيف تنشأ تلك الثقافة التي تجعل المواطن يمد يده إلى ما ليس حقًا له، فيسرق من وطنه ما يفترض أن يحفظه لأبنائه، ويستبدل معنى المواطنة بمعنى الغنيمة، والواجب بالمصلحة، والانتماء بالمنفعة؟

إنَّه سؤال موجع، لأن الوطن لا ينهب حين تُسرق أمواله فحسب، بل يُنهب قبل ذلك حين تُسرق قيمه، وحين يتصدع في وجدان أبنائه معنى الأمانة، يتحول الوطن من بيت جامع إلى غنيمة مباحة، ومن مسؤولية مشتركة إلى مساحة مفتوحة للنهب.

وهنا لا تعود الخيانة مجرد حوادث متفرقة تُروى في كتب التاريخ، بل تصبح شهادة على لحظة تاريخية وأخلاقية خطيرة، لحظة يأكل فيها الخراب المعنى من الداخل، فلا يعود الخراب مقتصرًا على الحجر، بل يمتد إلى الضمير، إنَّ صفحات التاريخ التي تصدر منها الأحكام لا تملك دائمًا القدرة على التميز بين الطاغية وظله، بين مَن صنع الجريمة ومن وجد نفسه بحكم المكان أو الاسم أو الانتماء عالقًا في صورتها، وهكذا قد ينزف ظل الطاغية من ذاكرة مدينة بأكملها، فتُحمّل المدينة وزرًا لم ترتكبه، ويصبح الاسم الذي كان علامةً على المكان علامةً على الجريمة.

لكن المأساة تصبح أشد حين تتحول الأسماء نفسها إلى مفاتيح للخزائن، وإلى وسائل للنفوذ والاستحواذ، وحين يُستغل الانتماء إلى جماعة أو مدينة أو عائلة أو موقع اجتماعي لنهب الحق العام باسم الهوية، عندها لا تعود المشكلة في فرد فاسد فحسب، بل في ثقافة سمحت للفرد بأن يختبئ خلف الجماعة، والجريمة بأن تستعير شرعية الاسم، وللفساد بأن يختفي وراء الانتماء، حتى الشرائع الوضعية على اختلافها لم تستحلَّ سرقة مال الحق العام ولم تُبحَّ الاعتداء عليه.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: كيف وصلت المجتمعات إلى اللحظة التي يستطيع فيها الإنسان أن يسرق وطنه ثم يقنع نفسه بأنه لم يرتكب جريمة، بل استعاد حقًا حُرم منه؟ إنَّ سنوات القهر والحرمان والاستبداد المزمن لا تترك آثارها في الاقتصاد والسياسة وحدهما، إنها قد تعيد تشكيل الوعي نفسه، وحين يطول الحرمان، قد يتشوه معنى الحق، ويصبح الوطن في الوعي المشوه ليس أمانةً للأجيال، بل فرصة لتعويض الحرمان، وكأن المظلومية تبيح سقوط الأخلاق، وكأن ما حُرم منه الإنسان بالأمس يصبح مبررًا لأن يسرق مثيله اليوم.

وهذه واحدة من أخطر نتائج الاستبداد، أنه لا يكتفي بإفساد السلطة، بل قد يفسد العلاقة بين الإنسان والقيمة، حتى يصبح الفساد عند بعض الناس نوعًا من التعويض، وتتحول الخيانة إلى وجه من وجوه الانتصار الوهمي على الماضي، لكن الحرمان لا يمنح حقًا في خيانة الوطن، كما أن الظلم الذي وقع عليه لا يمنحه رخصةٌ لظلم الآخرين، فالعدالة لا تستعيد معناها إذا تحولت إلى انتقام، والوطن لا يُبنى إذا صار تعويض المظلومين مبررًا لظلم أجيال جديدة.

إنَّ ايقاظ الضمير المنفلت في زمن انحلال أخلاق المواطنة ليس دعوة إلى جلد الناس ولا محاولة لتوزيع الاتهامات على المدن والجماعات والأسماء، بل محاولة لوخز الضمير إن بقي منه شيء وايقاضه من أثر التخدير العام، ومن الهلوسات التي صنعتها سنوات القهر والخوف، الوطن قيمةٌ في ضمير الإنسان لا مجرد مساحة ينتظر منها نصيبه، فالأوطان لا تسقط دفعة واحدة: إنها تتآكل بصمت، تسقط أولًا في الوعي، حين يضعف الشعور بأنها قيمة أخلاقية قبل أن تكون أرضًا وحدودًا وثروات، ثم تسقط في الضمير، حين تُستبدل القيم بالمادة، يصبح سقوطها على الخرائط مجرد نتيجة متأخرة لسقوطها في النفوس.

فالمدينة ليست من ارتكب الجريمة، والاسم ليس هو الجريمة، والهوية ليست ذنبًا موروثًا، الإنسان وحده مسؤول عن فعله.

قد يعجبك ايضا