شيروان الجاف
بعد أن أقدمتْ الحكومة العراقية في شهر تشرين الثاني نوفمبر ١٩٩١ على سحب إداراتها من أجزاء واسعة من كُردستان العراق؛ وذلك لتعذّر فرض سيطرتها على المنطقة، وعجزها عن إخماد الصوت الجماهيري المعارض، وغضب الشارع الكُردستاني إزاء عقود من الظلّم والقمع؛ دخلت المناطق الكُردستانية المتحررة الواقعة تحت سيادة الجبهة الكُردستانية في حالة فراغ إداري؛ كانت تنذر بمخاطر جدّية من شلل في الخدمات وانعدام للسلطة.
وانطلاقًا من نداء وجّهه مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكُردستاني؛ إبّان انتفاضة آذار مارس ١٩٩١ في مدينة كوية اقترح فيه إجراء انتخابات حرّة لتأسيس سلطات تدير إقليم كُردستان على أساس التفويض الشعبي؛ توصّلت الأحزاب المنضوية تحت مظلّة الجبهة الكُردستانية إلى قرار إجراء انتخابات برلمانية حرّة تُعدّ الأولى من نوعها؛ وفي هذا السياق جرى إعداد لائحة تشريعية من قبل الجبهة؛ في محاولة لتحويل الشرعية الثورية إلى شرعية قانونية، أسفرت الانتخابات عن تصدّر الحزب الديمقراطي الكُردستاني بفارق مقعد ونصف المقعد عن منافسه الاتحاد الوطني الكُردستاني الذي كان يتوقع أن يتصدر نتائج الاقتراع؛ وقد دفع هذا التوقع الاستباقي قيادة الاتحاد إلى عدم تقبّل النتائج؛ والسعي إلى صيغة سياسية لا تضعه في موقع الحزب الثاني في كُردستان العراق.
ومن باب مراعاة المصلحة العليا لشعب كُردستان، ودرءًا لمخاطر تصدّع البنيان السياسي وبالنظر إلى حساسية الظرف العام في كُردستان؛ استجاب الحزب الديمقراطي الكُردستاني لرغبة الاتحاد الوطني الكُردستاني وقَبِل بصيغة الفوز المشترك مناصفة أي توزيع مقاعد المجلس الوطني الكُردستاني؛ الذي تغيّر اسمه لاحقًا إلى برلمان كُردستان العراق؛ بالتساوي بين الحزبين غير أنَّ هذه الصيغة التي منحتْ السلطات والصلاحيات مناصفة للطرفين؛ أفرزت عراقيل جمّة أمَّام عملية إدارة السلطة في الإقليم، ومع ذلك وعلى الرغم من قساوة الظرفين السياسي والاقتصادي؛ حيث كان إقليم كُردستان يعاني حصارًا مزدوجًا وطنيًا عراقيًا وأممياً مفروضًا على عموم العراق؛ تمكّنت حكومة الإقليم من إعادة تنظيم الإدارات، وتوسيع نطاق العمل، وأخذت تمارس دورها بوصفها سلطة أمر واقع؛ كما أدارتْ حكومة الإقليم الملفين الأمني والإداري بنجاح، واستطاعت تنظيم الإيرادات، وتقديم الخدمات بحد معقول يتناسب مع الوضع الاقتصادي العام في البلاد.
معضلة الشراكة
يقدّم تاريخ الحركة التحررية الكُردستانية في جنوبي كُردستان؛ صورة بارزة للدور الذي اضطلعت به الأسرة البارزانية منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ حين انتفض الشيخ عبدا لسلام الأول مطالبًا السلطات العثمانية بمنح الكُرد حقوقهم؛ ثمُ تلاه الشيخ أحمد البارزاني وصولًا إلى الزعيم الروحي للأمة الكُردية ملا مصطفى البارزاني، ونجليه إدريس ومسعود البارزانيين؛ وقد ورث الحزب الديمقراطي الكُردستاني منذ تأسيسه هذا التاريخ النضالي للأسرة البارزانية؛ الأمر الذي مكّنه من اكتساب تأييد واسع وقاعدة جماهيرية عريضة.
وفي المقابل جاء انشقاق عام ١٩٦٤ في مواجهة القيادة البارزانية؛ وقد مرّ قادة هذا الانشقاق بمراحل متعددة؛ من الصعود والهبوط إلى أن تمخّض عنه تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني؛ الذي سعى قادته بمختلف الوسائل
إلى ازاحة الأسرة البارزانية، والحزب الديمقراطي الكُردستاني عن موقع قيادة حركة
النضال التحرري الكُردستاني، وفي أول اختبار عملي للحضور الجماهيري عَبر انتخابات عام ١٩٩٢ استطاع الحزب الديمقراطي الكُردستاني بقيادة الأسرة البارزانية إعادة تأكيد أن الحزب الديمقراطي الكُردستاني وقادته البارزانيين ما زالوا يمتلكون أوسع قاعدة جماهيرية؛ غير أنّ هذه الحقيقة التي ظلّ الاتحاد الوطني الكُردستاني يحاربها منذ عام 1964 عبر أدبيات سياسية؛ هاجمت الحزب بحدة، وتركت آثاراً مؤلمة في الضمير الجمعي للمجتمع الكردستاني، وأسهمت في إحداث شرخ واضح في بنيته، وبات المجتمع ينظر إلى واقع الحركة التحررية الكردستانية من خلال مدرستين نضاليتين؛ فيما عاش الشارع الكردستاني في عموم مناطق الإقليم حالة من الشحن والانقسام؛ جرى تغذيتها بصورة مستمرة عبر الثقافة الحزبية للاتحاد إلى درجة أصبحت معها الأوضاع تنتظر شرارة بسيطة لتشتعل في هشيم الانشطار المجتمعي.
وفي هذا السياق ونتيجة للخلافات في مدينة (قلعة دزة) اندلعت نار الحرب الأهلية عام 1994 في كردستان؛ وكان الاتحاد الوطني قد اتخذ احتياطاته، ودفع بأنصاره بقوة لتحجيم دور الحزب الديمقراطي الكردستاني والأسرة البارزانية بالقوة العسكرية؛ وهكذا وجد الحزب الديمقراطي الكردستاني نفسه في وضع بالغ الحرج، ودخل الحرب من موقع الدفاع عن النفس وعن مكاسب شعب كردستان، واستمرت الحرب الأهلية الكردستانية عبر جولات متقطعة لمدة أربعة أعوام 1994-1998 ما أدى إلى انخراط قوى كردستانية وإقليمية في الصراع، وإلحاق خسائر مادية وبشرية ومعنوية كبيرة بواقع شعب كردستان، ونضاله التحرري في سبيل تحقيق الحرية والسيادة؛ وانتهت هذه المرحلة بتوقيع اتفاق واشنطن عام 1998 من قبل زعيمي الحزبين البارتي والاتحاد بإشراف مباشر من وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت لتنهي فصلاً قاسياً من الصراع الداخلي الكردستاني.
الدفاع عن آخر قلاع الشرعية
انفجر الوضع المتأزم كما سبقت الإشارة عام 1994 وبدأت الأحداث باشتباكات محلية محدودة؛ سرعان ما تحولت بفعل التعبئة الإعلامي، والتحشيد العسكري إلى صراع واسع النطاق؛ لم يكن الحزب الديمقراطي الكردستاني يرغب فيه أو يسعى إليه بأي شكل من الأشكال؛ فقد كانت كل طلقة تطلق في هذا النزاع وفق منظور الحزب بمثابة طلقة في جسد الوطن الواحد؛ غير أن الحزب وضع أمام مسؤولية تاريخية لا يمكنه التهرب منها؛ إذ بوصفه الحزب الأكبر وحجر الزاوية في الحكومة والبرلمان، والوصي على الشرعية التي صوّت لها الشعب؛ ومع بدء محاولات فرض أمر واقع جديد بقوة السلاح، والسيطرة على مقدرات الإقليم خارج إطار المؤسسات الموحدة؛ بات لزأمًا عليه أنْ يدافع انطلاقًا من الإحساس بالمسؤولية الوطنية العليا عن هذه المؤسسات، وعن حلم الدولة المستقلة وتحقيق السيادة على الأرض الذي بدا وكأنه يتبدد.
وخلال سنوات الصراع الأولى قامت إستراتيجية الحزب الديمقراطي الكُردستاني على محورين: أولهما الدفاع عن المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية؛ ولاسيما حماية العاصمة أربيل بكل ما أمكن من قوة؛ لان سقوطها كان يعني سقوط المشروع الكُردي بأكمله؛ وثانيهما إبقاء باب الحوار مفتوحاً، وعدم قطع خيط الأمل في المصالحة وفي هذا الإطار كان الرئيس مسعود البارزاني يطرح المبادرة تلو الأخرى، ويوجه النداءات المتكررة لوقف هذا النزاع والعودة إلى الحكمة والمنطق والجلوس معًا؛ بوصفهم إخوة لحل الخلافات تحت قبة البرلمان، وقد اتسمت قيادة الحزب وفق هذا التصوير بدرجات عالية من الصبر الاستراتيجي، وتحملت الكثير من الاستفزازات أملًا في أن يسود صوت العقل؛ إلا أنَّ كل مبادرة سلام كانت تُقابل بمزيد من التصعيد العسكري وكأن قرارًا قد اتُخذ بتدمير التجربة الكُردية من الداخل بصورة كاملة.
القرار المر لانقاذ أربيل
يُقدَّم صيف عام ١٩٩٦ بوصفه الفصل الأكثر ظلاماً ومأساوية في تلك الحقبة؛ فبعد أشهر من المعارك والوساطات الفاشلة أقدم الاتحاد الوطني الكُردستاني؛ وبدعم لوجستي وعسكري مباشر وكبير من الحرس الثوري الإيراني على شن هجوم واسع النطاق؛ بهدف السيطرة الكاملة على طريق هاملتون الاستراتيجي الممتد بين العاصمة أربيل ومنفذ حاج عمران الحدودي مع إيران وإسقاط الحكومة الشرعية؛ نجح الهجوم للأسف ووقع الانقلاب العسكري الذي استهدف الشرعية
في إقليم كُردستان بعد السيطرة على أربيل من قبل الاتحاد الوطني الكُردستاني
نهاية عام ١٩٩٤
ويُشار كذلك إلى أن هذا الهجوم الذي قام به الاتحاد بدعم لوجستي وعسكري من قبل الحرس الثوري الإيراني أدى إلى إزاحة الحزب الديمقراطي عن المشهد وحصره في مساحة صغيرة من الإقليم؛ موجّهًا أقسى ضربة لتجربة الإقليم الفتية؛ وبذلك تحوّلت العاصمة التي كانت رمزًا لوحدة كُردستان إلى غنيمة حرب كما عُدّ الهجوم المدعوم بقوة من الجارة الشرقية بمثابة إعلان وفاة للتجربة الديمقراطية؛ وانقلاب عسكري واضح المعالم ضد إرادة الشعب الكُردي؛ وهنا لم يعد الأمر مجرد خلاف حزبي بل بات صراعًا على هوية ومستقبل كُردستان، ترى هل ستكون دولة مؤسسات مستقلة أم ستتحوّل إلى مجرد ساحة تابعة لنفوذ دول الجوار؟.
في تلك اللحظة المصيرية وبعد أنْ سُدت كل الأبواب في وجهه، وبعد أنْ وجد الحزب الديمقراطي الكُردستاني نفسه وحيدًا في مواجهة هذا التحالف؛ الذي يُقدَّم بوصفه خطيرًا ويهدد بابتلاع كُردستان بأكملها اتخذ مسعود البارزاني قرارًا وصف بأنه الأصعب والأقسى والأكثر مرارة، ليس في حياته السياسية فحسب؛ بل في تاريخ الحركة الكُردية كلها؛ تمثَّل القرار في الاستعانة المحدودة والمشروطة والمؤقتة بالجيش العراقي؛ لتحقيق هدف واحد وواضح طرد القوات المهاجمة من العاصمة أربيل ودفع الأفسد بالفاسد وإعادة الحكومة الشرعية إليها.
ويؤكد هذا الطرح أنَّ القرار لم يكن نابعًا من أي حُب أو ثقة بنظام بغداد الذي يُوصف بأنه العدو الأزلي للكُرد؛ بل انطلق من مبدأ الضرورات تبيح المحظورات ومن قاعدة اختيار أهون الشرّين؛ إذ رأت قيادة الحزب أنَّ بقاء العاصمة تحت نفوذ أجنبي يعني موتًا محققًا للمشروع الكُردي؛ بينما استعادتها ولو بثمن تكتيكي باهظ ومؤلم؛ يبقي الباب مفتوحًا لإمكانية إنقاذ التجربة لاحقًا، وقد وُصفت العملية بأنها جراحية مؤلمة وخطيرة؛ ونُفذت بسرعة خاطفة وبمجرد تحقيق هدفها المتمثَّل في دخول أربيل وتأمينها، وعودة مؤسساتها الشرعية انتهى كل شيء، وعاد الوضع إلى
١٣١
ما كان عليه؛ وتم إنقاذ أربيل من سطوة سلطات معتمة مارست التعسف ضد سكان العاصمة طوال عامين .