شباب العراق بين العبء الاقتصادي والفرصة الديموغرافية

محمود محمد الصميدعي

بينما تتسابق الاقتصادات العالمية نحو الاستثمار في المعرفة والابتكار والتكنولوجيا يقف العراق أمام تحدٍ يختلف في طبيعته عن كثير من الدول لكنه يحمل في الوقت نفسه فرصة تاريخية قد لا تتكرر. فشباب العراق يمثلون اليوم أكبر كتلة سكانية في البلاد وهي ميزة ديموغرافية كان يفترض أن تكون المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي غير أنها قد تتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي إذا استمرت الفجوة بين النمو السكاني وقدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل.

إن القضية لا تتعلق بارتفاع أعداد الشباب بحد ذاته وإنما بقدرة الاقتصاد على تحويل هذه الطاقة البشرية إلى قوة إنتاجية ترفع الناتج المحلي وتعزز الاستثمار وتدعم الاستقرار الاجتماعي. فكل شاب يمتلك مهارة ويجد فرصة عمل لائقة يضيف قيمة إلى الاقتصاد بينما يمثل تعطيل الطاقات البشرية خسارة مزدوجة تتمثل في انخفاض الإنتاجية وارتفاع كلفة الإعالة والإنفاق الاجتماعي.

ويُعد مفهوم الفرصة الديموغرافية من أهم المفاهيم الاقتصادية الحديثة ويشير إلى المرحلة التي ترتفع فيها نسبة السكان في سن العمل مقارنة بالفئات المعالة بما يتيح للدول تحقيق معدلات نمو مرتفعة إذا نجحت في الاستثمار في التعليم والتأهيل وسوق العمل. وقد شكلت هذه المرحلة نقطة تحول في تجارب اقتصادية عديدة لأن العنصر الحاسم لم يكن حجم السكان بل جودة السياسات التي أدارت هذه المرحلة.

ويعيش العراق اليوم هذه النافذة الديموغرافية إلا أن الاستفادة منها ما زالت محدودة بسبب اختلالات هيكلية في الاقتصاد وسوق العمل. فآلاف الخريجين ينضمون سنويًا إلى سوق العمل بينما لا تنمو القطاعات الإنتاجية بالمستوى الذي يسمح باستيعابهم الأمر الذي يؤدي إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب على الوظائف ويزيد من معدلات البطالة المقنعة ويؤخر دخول الشباب إلى دورة الإنتاج.

ويعود جزء كبير من هذه المشكلة إلى الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي حيث ظلت الإيرادات النفطية تمثل المصدر الرئيس لتمويل الإنفاق العام الأمر الذي جعل النشاط الاقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على الدولة بوصفها المشغل الأكبر. ومع مرور الوقت ترسخت ثقافة انتظار الوظيفة الحكومية في مقابل نمو بطيء للقطاع الخاص وتراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية في خلق فرص العمل. وأصبحت العلاقة بين التعليم وسوق العمل أكثر ضعفًا إذ تستمر المؤسسات التعليمية في تخريج تخصصات لا تنسجم دائمًا مع الاحتياجات الفعلية للاقتصاد بينما تواجه الشركات صعوبة في الحصول على الكفاءات التي تتطلبها عملياتها الإنتاجية.

ولا تقتصر آثار هذا الخلل على البطالة وحدها بل تمتد إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض إنتاجية العمل واستنزاف رأس المال البشري من خلال هجرة الكفاءات فضلًا عن زيادة الضغوط على الموازنة العامة نتيجة ارتفاع الإنفاق التشغيلي وتراجع قدرة الاقتصاد على توليد إيرادات متنوعة. وبذلك تتحول البطالة من مشكلة اجتماعية إلى تحدٍ اقتصادي يؤثر في القدرة التنافسية للدولة ومستقبلها التنموي.

وفي المقابل تثبت التجارب الدولية أن الدول التي أحسنت استثمار نافذتها الديموغرافية لم تعتمد على التوسع في التوظيف الحكومي بل ركزت على بناء اقتصاد منتج يقوده القطاع الخاص وربطت التعليم باحتياجات السوق ووسعت برامج التدريب العملي وشجعت الاستثمار الصناعي والتقني ووفرت بيئة أعمال مستقرة ومحفزة. وبهذه السياسات تحولت الزيادة السكانية إلى قوة دفعت النمو الاقتصادي ورفعت مستويات الدخل والإنتاجية.

ويمتلك العراق مقومات لا تقل أهمية عن تلك التي انطلقت منها كثير من التجارب الناجحة. فإلى جانب موارده الطبيعية يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي وسوق محلية كبيرة وشريحة شبابية تمتلك القدرة على التعلم والتكيف مع متطلبات الاقتصاد الحديث. غير أن هذه المقومات لن تحقق أثرها ما لم تتحول إلى مشروع اقتصادي وطني يضع الإنسان في مركز عملية التنمية.

ويتطلب ذلك إصلاحًا متدرجًا يبدأ بإعادة مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل من خلال مراجعة المناهج وتوسيع التعليم التقني والمهني وإشراك القطاع الخاص في تحديد المهارات المطلوبة. كما يتطلب بناء منظومة تدريب وطني تعتمد على التدريب داخل مواقع العمل بحيث يكتسب الشباب خبرات عملية قبل دخولهم سوق العمل بما يقلل الفجوة بين التأهيل النظري والواقع المهني.

ومن الضروري أيضًا تحفيز الشركات على تشغيل الشباب عبر حوافز ضريبية وتأمينية مرتبطة بالتوظيف والتدريب وتبسيط إجراءات تأسيس المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتوسيع أدوات التمويل الميسر لرواد الأعمال وتوجيه جزء أكبر من الاستثمارات العامة نحو القطاعات ذات الكثافة التشغيلية مثل الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي بما يحقق قيمة مضافة ويولد فرص عمل مستدامة بدلًا من الاعتماد على الوظائف الممولة من الموازنة العامة.

كما أن نجاح أي إصلاح يتطلب إنشاء آلية وطنية دائمة لمواءمة التعليم مع سوق العمل تضم الجهات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص وتتولى دراسة احتياجات الاقتصاد بصورة دورية وتوجيه سياسات القبول الجامعي والتدريب وفقًا لها بما يضمن أن تصبح مخرجات التعليم جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة.

إن مستقبل العراق لن تحدده الزيادة السكانية وحدها بل سيحدده مدى قدرته على إدارة هذه المرحلة التاريخية بحكمة. فالنافذة الديموغرافية ليست فرصة مفتوحة وإنما فترة زمنية محدودة وإذا أُهدرت فإن آثارها السلبية قد تمتد لعقود. أما إذا أُحسن استثمارها فإنها يمكن أن تشكل نقطة الانطلاق نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وإنتاجية واستدامة.

واليوم لا يحتاج العراق إلى المزيد من التشخيص بقدر ما يحتاج إلى قرار استراتيجي يجعل الاستثمار في الإنسان أولوية وطنية. فمستقبل الاقتصاد العراقي لن تحدده أسعار النفط وحدها بل سيحدده نجاحه في تحويل شبابه من باحثين عن فرصة إلى صناع للفرص ومن قوة معطلة إلى رأس مال بشري يقود التنمية ويؤسس لاقتصاد قادر على المنافسة في عالم سريع التغير.

قد يعجبك ايضا