ياسين الحديدي
كنتُ في الفاو في كانون الثاني عام 1983، وكانت زيارتي إلى هذه المنطقة الجنوبية النائية فرصة للتعرّف عن قرب على واحدة من أكثر المناطق العراقية تميّزًا من الناحيتين الجغرافية والتاريخية.
تُعدّ رأس البيشة آخر نقطة عراقية تلامس مياه الخليج العربي، وتقع في أقصى جنوب شبه جزيرة الفاو، عند نهاية الجرف القاري للعراق، وتبعد نحو خمسة كيلومترات عن مركز قضاء الفاو. كما تُعدّ أقرب نقطة عراقية إلى الأراضي الإيرانية، وتقابلها جزيرة بوبيان الكويتية، وتقع بالقرب من مصب شط العرب في الخليج العربي، وهي من أقصى المناطق البرية العراقية امتدادًا داخل مياه الخليج.
ورأس البيشة منطقة تابعة لقضاء الفاو، تطل على ملتقى شط العرب بالخليج العربي، وتواجه مدينة المحمرة، ويفصل بينهما شط العرب بعرض يتراوح تقريبًا بين 700 و1000 متر.
كانت المنطقة في ذلك الوقت كثيفة بأشجار النخيل ونبات الحنّاء، وتبدو أشبه بغابة طبيعية تتخللها جداول مائية تتفرع من شط العرب. وكانت حركة السيارات فيها شبه معدومة، إذ لم تكن تصل إليها المركبات إلا نادرًا، فيما كانت الحياة الطبيعية هي الحاضرة بقوة؛ من الطيور المتنوعة إلى بعض الحيوانات البرية.
ومن أكثر المشاهد التي أثارت إعجابي في رأس البيشة حركة المد والجزر اليومية؛ حيث يندفع الماء ويتراجع بصورة منتظمة، في مشهد طبيعي بديع تتغير معه ملامح المكان على مدار اليوم، ولا سيما في ساعات الصباح الباكر، والظهيرة، وعند الغروب. وتزداد حركة المياه وضوحًا في منتصف الشهر القمري ونهايته، في ظاهرة طبيعية تذكّر الإنسان بعظمة الخالق سبحانه وتعالى.
رأس البيشة ومسيرة الأربعين
أصبحت رأس البيشة اليوم معروفة على نطاق واسع بوصفها نقطة انطلاق مسيرة الأربعين، إذ ينطلق منها آلاف الزوار سنويًا سيرًا على الأقدام باتجاه كربلاء لإحياء ذكرى أربعين الإمام الحسين.
وتُقدّر المسافة من رأس البيشة إلى كربلاء بنحو 615 إلى 681 كيلومترًا، وتستغرق الرحلة عادةً ما بين 15 و20 يومًا سيرًا على الأقدام، تحت شعار: «من البحر إلى النحر».
ومن المراسم التي يحرص عليها الزائرون عند الانطلاق أن يتوضؤوا بمياه الخليج العربي، في إشارة رمزية إلى بدء المسيرة من أقصى حدود العراق الجنوبية، والانطلاق من البحر باتجاه كربلاء.
رأس البيشة في ذاكرة الحرب
أما عسكريًا، فقد ارتبط اسم الفاو ورأس البيشة بواحدة من أبرز صفحات الحرب العراقية ـ الإيرانية. ففي شباط عام 1986، تمكنت القوات الإيرانية من احتلال شبه جزيرة الفاو، وصولًا إلى منطقة رأس البيشة، في هجوم شكّل تطورًا عسكريًا بالغ الأهمية في مسار الحرب.
وبعد أكثر من عامين، تمكن الجيش العراقي من استعادة الفاو خلال عملية عسكرية واسعة بدأت في 17 نيسان 1988، وانتهت بتحرير شبه الجزيرة خلال فترة زمنية قصيرة، قُدّرت بنحو 35 إلى 37 ساعة.
وهكذا بقيت الفاو ورأس البيشة حاضرتين في الذاكرة العراقية، ليس بوصفهما مجرد بقعة جغرافية تقع عند أقصى الجنوب، بل باعتبارهما مكانًا يجمع بين جمال الطبيعة، وخصوصية الموقع الجغرافي، وذاكرة الحرب، وحركة الزائرين في مسيرة الأربعين؛ لتظل المنطقة شاهدة على صفحات متعددة من تاريخ العراق.