دلزار اسماعيل رسول
الجزء التاسع و الثلاثون
شغف الانتظار …
ما أروع هذه النوافذ المفتوحة للنور… أعشق هذا الضياء الدافق والموسيقى الرقيقة القادمة من قلبكِ، وكأنها نغمٌ من عالمٍ ساحر لا يزول… وهذه الأغنية الجميلة التي اخترتها لي، أحتفظ بها كأغلى درّة، وأعيش مع كل نوتة فيها لحظات عمري ببهجة وأمل…
أُغلقُ عينيّ على شعاعٍ دافئٍ ينسلُّ من أفقِ ذكراكِ، فترتدُّ الموسيقى القادمة من بعيدٍ لا كغر يبٍ يداهمُ صمتي، بل كأنها ترتيمةُ أملٍ تهدهدُ الروح…كلُّ نغمةٍ شهدتْ على لقائنا، لم تزل تُحيي في داخلي شغفاً جديداً، وتهمسُ لي أنَّ اللحظةَ التي جمعتنا لم تكن مجردَ مصادفةٍ عابرة، بل كانت بدايةَ ميلادٍ ثانٍ لقلبي…
أحببتُ كل أثرٍ ليديكِ في أركان المكان؛ تلك النسمات التي تُزهر في الغرفة، وذلك العطر الدافئ الذي يهمس برقتكِ… عينان عاشقتان تتأملان التفاصيل لتجدا فيها بصماتكِ اللطيفة؛ ابتسامتكِ الناعمة، وذوقكِ الرفيع الذي يضفي على أيامي جمالاً لا يُنسى…
أتأمَّلُ تفاصيلَ يومي، فلا أجدُ شكوى من قسوةِ غيابٍ، ولا عتباً يُثقلُ كاهلَ المشتاق؛ فكلُّ أثرٍ تركتِهِ في حياتي بات ملاذاً آَمِناً… تلك الحواراتُ الأولى التي كشفتْ لي عن سرِّ دفئِكِ، وكيف احتضنْتِ ضعفي برجاحةِ عاطفتِكِ، جعلتني أدركُ أنَّ الحبَّ يكمنُ في العطاءِ لا في الخوف، وفي البقاءِ الروحيّ الذي لا يمحوهُ اغتراب… لقد أعدتِ ترتيبَ نظرتي للحياة، وغرستِ في أروقةِ نفسي ألواناً من البهجة لم أعهدها من قبل…
أنتِ تلك الإنسانة الاستثنائية جداً في حياتي… الغالية التي رسمت لي طريق الفرح منذ أول لحظة جمعتنا… تحاورينني برقة وعاطفة صادقة، وتفهمين نقاط ضعفي فتحتضنينها برفقٍ ولين، دون أن تجرحي رجولتي… علّمتِني كيف يكون الحب أماناً ودفئاً، وكيف أرى العالم بعيونٍ أكثر إشراقاً وأملاً…
واليوم، إذ يمتدُّ بي الصمت، لا أرى في البعدِ جفاءً يُمزّقُ الرغبة، ولا احتواءً يخنقُ الأنفاس، بل أراهُ مساحةً لتجلّي هذا الشوقِ النبيل… أنتِ لم تأخذي مني شيئاً لتتركيني فراغاً، بل أهديتِني ذكراكِ لتكون لي زاداً وضيّاً… سأظلُّ أترقّبُ إشراقةَ حضورِكِ بذاتِ اللهفةِ الأولى، مستبشراً بما سيأتيكِ به الغد، فمن عرفَ دفءَ روحِكِ… لم يزدْهُ الانتظارُ إلا يقيناً بجمالِ اللقاء…
وحتى وإن غبتِ عني برهةً أو أخذتكِ الظروف بعيداً، فإنني لا أعتب عليكِ إلا بعتب المشتاق الذي يرجو قربكِ… لا أرى في غيابكِ جفاءً، بل لحظات انتظارٍ تزيد قلبي شغفاً بكِ… تبقين في خاطري أنثى رقيقة، معلّمة للحب والوفاء، وأظل في انتظار أثر خطواتكِ الدافئة التي تعيد لروحي الحياة والسكون…