قيادة بارزاني وإدارة كوردستان في أصعب الظروف

شيركو حبيب

ليست قوة الحكومات في قدرتها على العمل عندما تكون الظروف سهلة، وإنما تظهر قوتها الحقيقية عندما تتراكم الأزمات، وتضيق الخيارات، وتصبح مسؤولية الحفاظ على الاستقرار واستمرار التنمية أكبر من الإمكانات المتاحة، ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة تجربة حكومة إقليم كوردستان خلال السنوات الماضية؛ تجربة لم تكن عادية، لأنها جاءت في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ومع ذلك استمرت مؤسسات الإقليم في العمل، ولم تتوقف عجلة البناء والتنمية.

الإرادة كانت دائماً أكبر من التحدي

منذ الكابينة الثامنة لحكومة إقليم كوردستان، واجه الإقليم سلسلة متلاحقة من الأزمات. فقد شكلت الخلافات المالية والسياسية مع الحكومة الاتحادية في بغداد تحدياً كبيراً، خصوصاً مع عدم انتظام المستحقات المالية وما نتج عن ذلك من ضغوط على الرواتب والموازنة والمشاريع والخدمات، وفي الوقت نفسه، لم تكن الأزمة الاقتصادية وحدها في مواجهة الحكومة. فمع صعود تنظيم داعش، دخلت كوردستان في مواجهة أمنية وعسكرية مباشرة مع خطر إرهابي هدد المنطقة بأكملها. وكانت قوات البيشمركة في الخطوط الأمامية، تخوض معارك صعبة دفاعاً عن أرض كوردستان وحماية السكان، الأمر الذي فرض أعباءً أمنية واقتصادية كبيرة على حكومة الإقليم ومؤسساتها.

وفي ظل هذه الظروف، جاءت الكابينة التاسعة برئاسة مسرور بارزاني، لتتسلم مسؤولية مرحلة مثقلة بالملفات والتحديات، قبل أن تضيف جائحة كورونا، منذ عام 2020، أزمة عالمية غير مسبوقة إلى المشهد. كان من الممكن أن تصبح هذه الظروف مبرراً للتراجع أو تأجيل المشاريع أو الاكتفاء بإدارة الأزمات اليومية، لكن حكومة الإقليم اختارت طريقاً آخر: الاستمرار في العمل، ومحاولة تحويل الأزمات إلى فرصة للإصلاح وإعادة تنظيم الأولويات.

وفي إحدى المحطات السياسية المهمة، أكد رئيس الوزراء مسرور بارزاني أمام برلمان كوردستان أن صعوبة الظروف لا ينبغي أن تكون سبباً لتعطيل العمل، بل حافزاً لمضاعفة الجهود. وهذه الفكرة تختصر جوهر التجربة: الإدارة في الظروف الطبيعية تختلف تماماً عن الإدارة عندما تكون الدولة أو الإقليم أمام أزمات متزامنة.

مسعود بارزاني… الرؤية والدعم السياسي
ولا يمكن قراءة هذه المرحلة بمعزل عن الدور السياسي والتاريخي للرئيس مسعود بارزاني، بما يمثله من ثقل وطني وسياسي في كوردستان. ففي المراحل الصعبة، تحتاج الحكومات إلى بيئة سياسية تساعدها على العمل، وإلى قيادة قادرة على قراءة التحولات وحماية المصالح العليا. وكان للرئيس مسعود بارزاني حضور واضح في دعم المسار العام للإقليم، والدفاع عن حقوق كوردستان، والتأكيد على أهمية وحدة الصف والاستقرار وعدم السماح للخلافات السياسية بأن تتحول إلى عامل يهدد المؤسسات.

إن دعم الرئيس مسعود بارزاني للحكومة لم يكن مجرد دعم سياسي لحكومة بعينها، بل جاء في إطار رؤية أوسع تقوم على حماية تجربة الإقليم ومؤسساته، والحفاظ على ما تحقق من مكتسبات، والاستمرار في مشروع البناء رغم الضغوط، وهنا تظهر أهمية تكامل الأدوار، فالقيادة السياسية تحتاج إلى حكومة قادرة على التنفيذ، والحكومة تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة تساعدها على تنفيذ برامجها، وكلاهما يحتاج إلى مؤسسات قوية تحمي الاستقرار والمصلحة العامة.

نيجيرفان بارزاني… توازن سياسي ودبلوماسي

وفي الإطار نفسه، يبرز دور نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، الذي تولى رئاسة الإقليم في مرحلة شديدة الحساسية، بعد أن كان رئيساً للكابينة الثامنة، وعاش عن قرب التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي واجهت كوردستان، ومع انتقاله إلى رئاسة الإقليم، أصبح أمام مسؤولية مختلفة تتمثل في تمثيل كوردستان، والحفاظ على استقرارها السياسي، وتعزيز علاقاتها مع بغداد والدول الإقليمية والمجتمع الدولي، والتعامل مع الملفات التي تحتاج إلى الحوار والتفاهم والتوازن السياسي، وقد كان لهذا الدور أهمية خاصة في مرحلة كانت فيها العلاقة بين بغداد وأربيل تحتاج إلى استمرار الحوار، وفي وقت كانت فيه المنطقة تشهد تحولات سياسية وأمنية متسارعة، إن تجربة نيجيرفان بارزاني السياسية الطويلة، وقدرته على التواصل والحوار، وفرت لرئاسة الإقليم حضوراً سياسياً ودبلوماسياً مهماً، وأسهمت في دعم الاستقرار المؤسساتي، وفي إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع مختلف الأطراف. وهكذا يمكن فهم الصورة بصورة أكثر وضوحاً:

مسعود بارزاني يمثل ثقلاً سياسياً ووطنياً وتاريخياً، ونيجيرفان بارزاني يقود مؤسسة رئاسة الإقليم بما لها من أدوار سياسية ودستورية ودبلوماسية، ومسرور بارزاني يقود الحكومة والمسار التنفيذي والإصلاحي. إنها أدوار مختلفة، لكنها تلتقي عند هدف واحد: حماية كوردستان، والحفاظ على استقرارها، وبناء مؤسساتها ومستقبلها.

مسرور بارزاني… مسؤولية الإدارة في زمن الأزمات

في قلب هذه المنظومة، جاءت مسؤولية رئيس الوزراء مسرور بارزاني بشخصيته الكارزمية وتفهمه في إدارة الحكومة وتنفيذ برنامجها في ظروف لم تكن سهلة، فهو لم يتسلم حكومة في مرحلة مستقرة اقتصادياً وسياسياً، بل وجد أمامه ملفات مالية معقدة، وتحديات أمنية، وضغوطاً على الموازنة والخدمات، ثم جاءت جائحة كورونا لتضيف اختباراً جديداً إلى قدرات الحكومة، ومع ذلك، وضعت الحكومة مجموعة من الأولويات في مقدمتها الإصلاح الإداري والمالي، مكافحة الفساد، تطوير البنية التحتية، تحسين الخدمات، تعزيز الأمن والاستقرار، ودعم الاستثمار وتنويع الاقتصاد.

وهنا يجب أن يكون تقييم أي حكومة مرتبطاً بالظروف التي عملت فيها، وليس فقط بالنتائج التي كانت تتمنى الوصول إليها، فالحكومة التي تعمل في ظروف مستقرة تمتلك مساحة واسعة للحركة، أما الحكومة التي تعمل وسط أزمات مالية وأمنية وصحية متزامنة، فإن كل قرار فيها يصبح أكثر تعقيداً، وكل مشروع يحتاج إلى إرادة ومتابعة وقدرة على تجاوز العقبات.

مكافحة الفساد… الإصلاح يبدأ من الداخل

من أبرز الملفات التي ركزت عليها حكومة مسرور بارزاني ملف مكافحة الفساد والإصلاح الإداري والمالي، ومكافحة الفساد ليست مجرد شعار، بل عملية طويلة تتطلب إصلاح المؤسسات، وتطوير الأنظمة، وتعزيز الرقابة والشفافية، والانتقال من الأساليب التقليدية إلى الإدارة الحديثة، ولهذا ارتبط الإصلاح الحكومي أيضاً بالرقمنة وتطوير الخدمات الحكومية وتحديث آليات الإدارة، بهدف بناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة لحاجات المواطنين، وبطبيعة الحال، لا يمكن بناء مؤسسات حديثة خلال فترة قصيرة، كما أن الإصلاح الحقيقي لا ينتهي بقرار واحد، وإنما يحتاج إلى استمرارية وإرادة سياسية ومراجعة دائمة.

البنية التحتية… حين يصبح البناء جزءاً من مواجهة الأزمة

رغم الضغوط الاقتصادية، بقيت البنية التحتية إحدى القضايا الأساسية في مسار حكومة الإقليم، فالطرق والجسور والمطارات ومشاريع الطاقة والمياه والخدمات ليست مجرد مشاريع إنشائية، وإنما هي استثمار في الاقتصاد وفي حياة المواطن وفي مستقبل الأجيال القادمة، فكوردستان التي يريدها المواطن ليست فقط كوردستان الآمنة، وإنما كوردستان الحديثة، التي تمتلك بنية تحتية قادرة على دعم الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار، وتنشيط السياحة، وتوفير بيئة أفضل للأعمال والحياة، ولهذا فإن الاستمرار في مشاريع البنية التحتية، رغم الظروف الصعبة، يعكس محاولة الانتقال من مجرد إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل.

الأمن والاستقرار… الأساس الذي لا يمكن التفريط به

من أهم ما يمكن التوقف عنده في تجربة الإقليم خلال هذه السنوات مسألة الأمن والاستقرار، فكوردستان تقع في منطقة مضطربة، شهدت حروباً وصراعات وأزمات متتالية، ومع ذلك استطاعت الحفاظ على مستوى مرتفع من الأمن والاستقرار مقارنة بالعديد من مناطق المنطقة. وهذا الاستقرار لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تضافر دور قوات البيشمركة والمؤسسات الأمنية، إلى جانب القرار السياسي والإدارة الحكومية التي أدركت أن التنمية لا يمكن أن تنجح من دون أمن.

فالاستثمار والسياحة والخدمات والتعليم والصحة والاقتصاد كلها تحتاج إلى بيئة مستقرة، ولهذا فإن حماية الأمن ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما هي جزء من مشروع بناء الدولة والمؤسسات.

كورونا… الاختبار الذي لم يكن في الحسبان

ثم جاءت جائحة كورونا لتضع حكومة إقليم كوردستان أمام اختبار استثنائي، كان العالم كله يواجه أزمة غير مسبوقة، وكانت الاقتصادات الكبرى تعاني من آثار الوباء، فيما كانت الأنظمة الصحية تحت ضغط هائل. وفي الوقت نفسه، كان إقليم كوردستان يواجه الجائحة في ظل تحديات اقتصادية ومالية قائمة أصلاً، ومع ذلك، استمرت مؤسسات الإقليم في العمل، واتُخذت إجراءات صحية واحترازية للتعامل مع الأزمة وحماية المواطنين والحد من آثارها، لقد أثبتت تلك المرحلة أن قوة الإدارة لا تقاس فقط بحجم الموارد، وإنما بقدرتها على اتخاذ القرارات والتعامل مع الظروف الطارئة والاستمرار في أداء مسؤولياتها.

كوردستان اليوم… ماذا تغيّر؟

عندما ننظر إلى كوردستان اليوم، لا يمكن تجاهل حجم المسافة التي قطعتها خلال السنوات الماضية، نعم، ما زالت هناك مشاكل، وما زالت هناك ملفات تحتاج إلى حلول، وما زال المواطن يطالب بالمزيد من الخدمات وفرص العمل والتنمية، وهذا حق طبيعي ومشروع. لكن وجود التحديات لا يلغي الإنجازات.
فكوردستان تتمتع اليوم بدرجة عالية من الأمن والاستقرار، وتمتلك بنية تحتية أكثر تطوراً، وتتحرك نحو تحديث الإدارة والخدمات، وتسعى إلى جذب الاستثمار وتنويع اقتصادها، في الوقت الذي تحافظ فيه على حضور سياسي ودبلوماسي مهم في المنطقة. والأهم أن هذه المسيرة لم تحدث في ظروف طبيعية، بل جاءت وسط أزمات مالية وأمنية وسياسية وصحية متلاحقة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل كانت هناك تحديات؟

فالجواب واضح. السؤال الأهم هو: كيف استطاعت كوردستان أن تستمر رغم كل هذه التحديات؟ والإجابة أيضاً واضحة: بالإرادة، الإرادة أقوى من الظروف
في السياسة والإدارة، قد لا تستطيع الحكومة التحكم بكل الظروف المحيطة بها، لكنها تستطيع أن تختار طريقة التعامل معها.

لا تستطيع التحكم بأسعار النفط العالمية، ولا بكل قرارات بغداد، ولا بالأزمات الإقليمية، ولا بالأوبئة العالمية، لكنها تستطيع أن تقرر هل تستسلم للظروف أم تواجهها، وهنا تكمن قيمة التجربة. لم تكن الطريق خالية من الأخطاء، ولم تُحل جميع الملفات، ولم تتحول كوردستان إلى نموذج مكتمل في يوم وليلة، لكن الأهم أن عجلة العمل لم تتوقف، وأن الإرادة بقيت حاضرة، وهذا هو الفرق بين إدارة الأزمة والاستسلام لها.

كوردستان لم تصل إلى ما وصلت إليه لأن الطريق كان سهلاً، وإنما لأنها تعلمت كيف تتحرك في الطرق الصعبة.

المستقبل يحتاج إلى الإرادة نفسها

اليوم، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا حققت حكومة إقليم كوردستان؟ بل يجب أن يكون السؤال الأهم: ماذا نريد من كوردستان في السنوات القادمة؟ فالتحديات لم تنتهِ. الاقتصاد يحتاج إلى مزيد من التنويع، والإدارة تحتاج إلى مزيد من الإصلاح، والخدمات تحتاج إلى تطوير مستمر، والعلاقة مع بغداد تحتاج إلى حلول دستورية مستقرة، والمنطقة نفسها تدخل مرحلة جديدة من التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية، لكن كوردستان تمتلك عناصر مهمة لبناء المستقبل: الأمن، والاستقرار، والمؤسسات، والموارد البشرية، والموقع الجغرافي، وإرادة شعب أثبت عبر عقود أنه قادر على تجاوز أصعب المراحل، ولهذا فإن الحفاظ على ما تحقق لا يقل أهمية عن تحقيق إنجازات جديدة، لأن بناء المستقبل يحتاج إلى الاستقرار بقدر حاجته إلى المشاريع.

الإرادة أكبر من التحدي

إن تجربة السنوات الماضية تقدم درساً مهماً في الإدارة والسياسة: التحديات لا تصنع الهزيمة عندما تكون الإرادة أقوى منها. واجهت كوردستان أزمات مالية وأمنية وسياسية، وخاضت حرباً شرسة ضد الإرهاب، ثم واجهت جائحة عالمية، ومع ذلك لم تتوقف مسيرة المؤسسات والمشاريع والتنمية، وفي هذه المسيرة، تكاملت أدوار القيادة السياسية ورئاسة الإقليم والحكومة، فكان للرئيس مسعود بارزاني ثقله السياسي والوطني، وللرئيس الاقيم نيجيرفان بارزاني دوره في رئاسة الإقليم والحوار السياسي والدبلوماسي، بينما حمل رئيس الوزراء مسرور بارزاني مسؤولية الإدارة والتنفيذ والإصلاح.

قد تختلف الآراء حول السياسات والقرارات، وهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية، لكن الإنصاف يقتضي أن تُقرأ التجربة في سياقها الكامل، وأن تُقاس الإنجازات في ضوء حجم التحديات التي واجهتها، فالحكومات تتغير، والكابينات تتبدل، والظروف تتغير، لكن ما يبقى هو قدرة المجتمع والقيادة والمؤسسات على تحويل الأزمات إلى فرص، والتحديات إلى دوافع، والطموح إلى مشاريع على الأرض.

وكوردستان التي تجاوزت الكثير من أزمات الأمس، تستطيع أن تواجه تحديات الغد، شرط أن تبقى المصلحة الوطنية فوق الخلافات، والإرادة أقوى من الظروف، والعمل مستمراً نحو بناء مؤسسات أكثر قوة، واقتصاد أكثر استدامة، ومجتمع أكثر أمناً واستقراراً. وهنا يصبح عنوان هذه التجربة أكثر من مجرد عبارة: الإرادة أكبر من التحدي. «فالتاريخ لا يتذكر من استسلم للظروف، بل يتذكر من امتلك الإرادة ليصنع من أصعب التحديات فرصة لبناء المستقبل. »

قد يعجبك ايضا