بنيامين حدّاد… سيرة لغويٍ حمل السريانية بين الذاكرة والبحث

محمد علي محيي الدين

في مدينة القوش العراقية، حيث تمتزج الجبال بذاكرة الأديرة القديمة وتتشابك اللغات في نسيجٍ حضاري عريق، وُلد بنيامين بن ميخا حدّاد عام 1931، ليكون واحدًا من أبرز الأسماء التي كرّست حياتها لخدمة اللغة السريانية بحثًا وتعليمًا وتوثيقًا. ينحدر من أسرة موصلية الجذور، عُرفت بالاهتمام بالعلم الكنسي واللغة والتراث، الأمر الذي ترك أثره المبكر في تكوينه الثقافي واللغوي، ودفعه نحو دراسة اللغات الشرقية بوصفها مفتاحًا لفهم التاريخ الديني والحضاري للمنطقة.
أكمل دراسته في دار المعلمين ببغداد، وتخرج فيها عام 1955، ثم دخل ميدان التعليم ليحمل رسالة اللغة إلى المدارس العراقية، حيث لم يكن التدريس بالنسبة له وظيفة فحسب، بل امتدادًا لمشروع معرفي يرى في اللغة السريانية جزءًا حيًا من هوية العراق الثقافية. ومع مرور السنوات، اتسعت تجربته العلمية ليصبح محاضرًا في معهد شمعون الصفا الكهنوتي، ثم في كلية بابل الحبرية للفلسفة واللاهوت، متخصصًا في تدريس اللغة السريانية وآدابها.

Screenshot

ارتبط اسمه لاحقًا بـالمجمع العلمي العراقي، حيث نشر أكثر من خمسة وعشرين بحثًا في قسم اللغة السريانية، وأسهم في تطوير الدراسات المقارنة بين السريانية والعربية، جامعًا بين الدقة الأكاديمية وروح الباحث الذي ينظر إلى اللغة بوصفها كائنًا حيًا يتطور ولا يموت. وقد تجاوز نتاجه العلمي، المنشور منذ ستينيات القرن الماضي، مئات الأعمال بين بحث ودراسة ومقالة وترجمة وإبداع أدبي، ليشكّل مكتبة فكرية متكاملة في مجاله.
لم يكن بنيامين حدّاد لغويًا صرفًا، بل كان أيضًا مؤرخًا للثقافة الشعبية، ودارسًا للفولكلور، ومهتمًا بالنقد والفن، يكتب بالعربية والسريانية معًا، ويترجم بينهما وبين الإنجليزية، في محاولة دؤوبة لمدّ الجسور بين الثقافات لا لتقويضها. كما كتب قصصًا قصيرة وقصائد تحمل حسًّا إنسانيًا واضحًا، يعكس إيمانه بأن اللغة ليست أداة علمية فقط، بل مساحة وجدانية أيضًا.
شغل موقع مسؤول شعبة تدريس اللغة السريانية في وزارة التربية العراقية، وأسهم في إعداد مناهجها وتطوير أساليب تدريسها، كما كان عضوًا فاعلًا في الهيئات الثقافية المتخصصة باللغة السريانية، وخبيرًا في قضاياها داخل الأوساط الأكاديمية. وقد امتدت خدمته التعليمية قرابة ثلاثة عقود، ترك خلالها أثرًا واضحًا في أجيال من الطلبة والباحثين.
من أبرز مؤلفاته التي شكّلت علامات في الدراسات السريانية: “رأي في نشأة الأرقام وتطورها”، و“بين السريانية والآرامية المندائية”، و“الميزان: معجم الفعل السرياني المقارن”، وهي أعمال تعكس اهتمامه العميق بالبنية اللغوية وبالعلاقات التاريخية بين اللغات السامية، وسعيه إلى بناء منهج مقارن يستند إلى الأصول لا إلى الانطباعات.
كان يرى في اللغة العربية والسريانية وبقية اللغات السامية امتدادًا لجذرٍ واحد، وفي هذا التداخل اللغوي دليلًا على وحدة الأصل الإنساني والثقافي، مع إيمانه بأن العربية تمتلك ثراءً معجميًا واسعًا وقربًا خاصًا من البنية السامية الأولى. ولم تكن هذه الرؤية عنده نظرية لغوية فحسب، بل امتدادًا لفكرة أوسع عن وحدة الإنسان العراقي، وتعدد مكوناته في إطار وطن واحد يتسع للجميع من شماله إلى جنوبه.
رحل بنيامين حدّاد بعد مسيرة علمية طويلة امتدت لعقود، في السابع عشر من حزيران عام 2024، تاركًا وراءه إرثًا لغويًا ومعرفيًا غنيًا، وذاكرة علمية ما تزال حاضرة في الدرس السرياني الحديث، بوصفه أحد الذين حافظوا على هذا التراث، لا بوصفه ماضيًا منغلقًا، بل لغةً حيّة تستحق أن تُدرس وتُفهم وتستمر.

قد يعجبك ايضا