في محراب العشق

دلزار اسماعيل رسول

الجزء الثامن و الثلاثون
ترنيمة الفجر الأخير

تحوّلت تلك الليلة إلى محرابٍ من السكون، حيث خلعت العتمةُ رداءها الهادئ فوق المدى، واستحال الأرقُ في عينيّ إلى ترنيمة سرية بين القلب والنجم… لم تكن وحشة الليل تكبلني، بل كان طيفها ينساب كعبقِ زهرٍ عابر، يمسح على خاطري بلطفٍ ويستلّ من الروحِ كل نبرةِ عتاب، ليغرس مكانها حنيناً عذباً لا يتقن إلا الصفح والسلام…

أمسكتُ بقلمي، لا لأشكو جفاءً، بل لأدوّن على حواشي العمر كيف ينسكب الشوقُ في العروقِ شهداً، وكيف يُصبح الغيابُ ذاته مساحةً خضراء لتجدد العشق… كانت الساعة تشير إلى هزيع الفجر الأخير، وحين يغفو العالم في سُباته، تنامى في داخلي حافزٌ طفوليٌّ ساحر؛ أردتُ أن أبتكر من العدم جسراً يمتدّ نحوها… بأصابعَ يملؤها الشغف…

إنّ القلوب التي تنبض بالوفاء لا تعرف الفرقة، وإن ابتعدت الخُطى يظل الحنين هو الجسر الذي لا ينهدم… ومع اقتراب الفجر، وتحت وهجِ مصباحي الدافئ، لمستُ أوراقاً بيضاء متناثرة على طاولتي، فتسلل إلى وجداني هاتفٌ من السحر؛ بأصابعَ يملؤها الشغف، طويتُ تلك الأوراق بعنايةٍ لأصنع منها زهرةَ لوتسٍ ورقيه تحمل في طيّاتها أنفاس المحبة، ونقشتُ على بتلاتها الناعمة سرّاً لا يقرؤه إلا قلبها…

وحين أطلت تباشيرُ الصباح الأولى وتسلل الضياءُ هادئاً من خلف الستائر، كانت اللوتس الصغيرة ترقد في راحة كفّي كأنها تحرس أحلامي. أغلقْتُ جفنيّ على سكونٍ تام، متوسداً أمل اللقاء، ومستسلماً لنومٍ رغيد تخالط فيه أنفاسي نداء الفجر السامق…

قد يعجبك ايضا