قصيدة «سأقاوم» لشاعر الغضب الثوري سميح القاسم

غدير حميدان الزبون

 

 

سيمياء الرفض وبناء الذات بين الفقد والمقاومة والعودة في قصيدة «سأقاوم» لشاعر الغضب الثوري “هوميروس فلسطين” سميح القاسم

ربما أفقد ماشئت، معاشي

ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي

ربما أعمل حجّارا.. وعتّالا.. وكنّاسَ شوارع ..

ربما أبحث، في روثِ المواشي، عن حبوب

ربما أخمد.. عريانا.. وجائع ..

يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم ..

وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!

ربما تسلبني آخرَ شبرٍ من ترابي

ربما تطعمُ للسجن شبابي

ربما تسطو على ميراث جدي ..

من أثاث.. وأوان.. وخراب ..

ربما تُحرقُ أشعاري وكتبي

ربما تُطعم لحمي للكلابِ

ربما تبقى على قريتنا كابوسَ رعب

يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم ..

وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!

ربما تطفئ في ليليَ شعلة

ربما أُحرم من أمي قبلة

ربما يشتمُ شعبي وأبي، طفل وطفلة

ربما تغنم من ناطور أحزاني غفلة

ربما زيّفَ تاريخي جبانٌ، وخرافيٌ مؤُله

ربما تحرمُ أطفالي يوم العيد بدلة

ربما تخدع أصحابي بوجهٍ مستعار

ربما ترفع من حولي جداراً وجدار

ربما تصلب أيامي على رؤيا مذلة

يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم

وإلى آخر نبض في عرقي.. سأقاوم!

يا عدوّ الشمس ..

في الميناء زينات، وتلويحُ بشائر ..

وزغاريد، وبهجة

وهتافات، وضجة

والأناشيدُ الحماسية وهجٌ في الحناجر

وعلى الأفقِ شراع ..

يتحدى الريح.. واللج.. ويجتاز المخاطر ..

إنها عودة يُوليسيز

من بحر الضياع ..

عودةُ الشمس، وإنساني المهاجر

ولعينيها، وعينيه.. يمينا.. لن أساوم ..

وإلى آخر نبضٍ في عروقي ..

سأقاوم!

سأقاوم!

سأقاوم!” *سميح القاسم

كان ذلك قبل عامٍ تقريبًا في إحدى الفعاليات المدرسية، إذْ كنت أقف بين طلابٍ إحدى المدارس الحكومية في مشهد يبدو ظاهره بسيطًا في محتواه المكوّن من منصة مدرسية، وطلاب ينتظرون دورهم، وأصوات تتناوب على إلقاء أبيات من الشعر الفلسطيني.

غير أنّ ما كان يحدث أمامي فاق النشاط الأدبي العابر، فقد كانت الكلمات الخارجة من أفواه الطلاب المشاركين تسترد شيئًا من معناها الأول، وكانت القصيدة الساكنة في صفحات الكتاب قد وجدت أخيرًا جسدًا وصوتًا وملامح.

وأذكر طالبًا صغيرًا وقف يومها أمام زملائه محاولا في اللحظات الأولى أنْ يخفي ارتباكه، وهو يضمّ يديه مرة، ثم يفتحهما، وينظر إلى الأرض قبل أنْ يرفع عينيه إلى الجمهور.

كانت ملامحه تقول إنه يعرف أنّ وراء الكلمات شيئًا أكبر من الحفظ.

وعندما بدأ الإلقاء تغيّر صوته تدريجيًا، وأخذ يكتسب نبرة أكثر ثباتًا، وأخذت الكلمات تمنحه الشجاعة.

وفي اللحظة التي وصل فيها إلى بيت يتصل بالأرض والمقاومة رفع رأسه، واتسعت عيناه، وتقدّم نصف خطوة إلى الأمام.

في تلك اللحظة تحديدًا رأيت طفلًا يكتشف أنّ صوته يمكن أنْ يحمل ذاكرة جماعة كاملة.

كان زملاؤه يصغون إليه على نحو مختلف أيضًا، فبعضهم يردد الكلمات معه بصوت خافت، وبعضهم يبتسم، وبعضهم يرفع رأسه متيقّنًا أنّه يستمع إلى شيء يعرفه قبل أن يسمعه.

وفي نهاية الإلقاء كان في المشهد شيء من الاعتزاز، وشيء من الحنين، وشيء من الحزن، وشيء من الرغبة في أنْ تقول هذه الأجيال الصغيرة: نحن هنا، وما زلنا نتذكر، وسنصفّق بحرارة لأجل هذه الأرض.

ومنذ ذلك المشهد أخذت أتأمل السؤال الذي يتجاوز حدود النشاط المدرسي، وهو ماذا يحدث عندما يصدح صوت الطالب الفلسطيني بشعر المقاومة داخل المدرسة؟

هل يبقى الشعر عند حدود المقرر الدراسي؟ أم أنه يعبر الصفحة إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى بناء الهوية؟

إنّ المدرسة ليست فضاءً محايدًا للمعرفة فقط؛ إنها كذلك فضاء تتشكل فيه علاقة الطفل بلغته، وتاريخه، ومكانه، وذاكرته الجمعية.

وعندما يقرأ الطالب قصيدة فلسطينية، ثم يحفظها، ثم يقف بها أمام الآخرين، فإنّ العملية لا تنتهي عند الفهم اللغوي أو التذوق الجمالي؛ إذ تتحول القصيدة إلى فعل أدائي يعيد إنتاج المعنى داخل الجماعة، ويصبح الصوت حاملًا للذاكرة، ويصبح الجسد الذي يقف على المنصة جزءًا من العلامة، وتتحول الكلمات من مادة مكتوبة إلى تجربة حية.

ومن هنا تبدو أهمية حضور الشعر الفلسطيني في المناهج التعليمية الفلسطينية؛ فالنص الأدبي المقاوم يستطيع أنْ يصل إلى الطالب من الطريق الذي لا تصل منه المعلومة المجردة، فهو يصل إلى طريق الشعور والصورة والإيقاع والذاكرة.

ولا سيما حينما يكون الشاعر جزءًا من تاريخ القضية الفلسطينية ووجدانها الثقافي، كما هو الحال مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، والذي ارتبط شعره بالأرض والهوية والصمود والمواجهة، واحتل حضورًا في الثقافة الأدبية الفلسطينية والعربية.

وقد ارتبطت نصوصه أيضًا بالسياق التعليمي الفلسطيني، ومن أبرزها قصيدة “تقدموا” التي عُرفت في سياق شعر المقاومة والانتفاضة.

قد يعجبك ايضا