حوار: عطا درغام
في أروقة دمشق العتيقة، وبين رفوف مكتباتها الضخمة التي تفوح برائحة التاريخ والأدب، نبتت موهبة الأديبة والناقدة السورية عزيزة المبارك. تنتمي ضيفتنا إلى عائلة “آل المبارك” الدمشقية، تلك العائلة التي لطالما كانت منارةً للعلم والأدب، فكان من الطبيعي أن يكون الحرف هو بوصلتها الأولى، والكلمة هي وطنها الدائم.
لا تقف عزيزة المبارك عند حدود النقد الأكاديمي الصارم، بل تمزجه بروح شاعرة تدرك أن النص الأدبي كائن حي يتنفس؛ لذا نجدها تغوص في أبعاد النفس البشرية، متتبعةً خيوط القلق والخوف والإنسانية في كتابات الجيل الجديد والقديم على حد سواء. استطاعت عبر دراساتها ومقالاتها المنشورة في كبرى المنصات العربية أن تخلق لغةً خاصة، توازن فيها بذكاء بين صرامة العقل ودفق العاطفة، مكرسةً حضورها كباحثة لا تهاب تفكيك “تابوهات” النص أو مواجهة تحديات الرقمنة الثقافية. في هذا الحوار، نفتح مع الأديبة عزيزة المبارك نوافذ الفكر، لنستكشف إرث العائلة، وأدوات الناقد المعاصر، وواقع المبدعين في سوريا، ورؤيتها لمستقبل الأدب العربي في ظل التحولات الكبرى.

* تنتمين إلى عائلة “آل المبارك” الدمشقية العريقة في العلم والأدب؛ كيف شكلت هذه البيئة وعيك الثقافي الأول؟
– في الحقيقة أنا من مواليد مدينة حمص، نشأت هنا وترعرت في تلك المدينة الجميلة وربوعها الوادعة، في الحقيقة كنت مشغوفة بالكتابة منذ نعومة أظفاري لكن ابتعدت عنها لفترة ليست بقصيرة. وانتقلت لدمشق لإكمال دراستي الجامعية وحياتي، نعم في الحقيقة دمشق كان لها الأثر الأكبر والدافع الكبير لإكمال شغفي ومحبتي للكتابة ربما عدت لأجد ذاتي لأعود ليراعي.
* هل كان للمكتبة المنزلية أو مجالس العائلة الأثر الأكبر في توجيهك نحو النقد والأدب بدلاً من مجالات أخرى؟
– في الحقيقة أنا من بيئة بسيطة، لكن كانوا الراعي الأول؛ اهتمام أبي بدفعنا للتعلم وتشجيعنا له رحمه الله، لا أنسي مقولته الشهيرة “العلم يرفع بيوت لا عماد لها”، كنت كلما طغى اليأس روحي أستذكر تلك الكلمات لأعود لشحن روحي وأكمل.
* كيف تتعامل “عزيزة المبارك” مع إرث العائلة الأدبي؟ هل يمثل لكِ قوة دافعة أم مسؤولية وصية ثقيلة؟
– الداعم الأكبر والمشجع حالياً هم أخوتي، وبعض الأصدقاء ممن عرفتهم خلال عملي في جريدة الأسبوع الأدبي في اتحاد الكتاب العرب. في الحقيقة منهم من أراه نبراساً ومنارة، ومنهم من كان داعماً ومساعداً ومشجعاً، اسمحوا لي بهذه المناسبة توجيه كل التقدير والاحترام والامتنان والمحبة لهم.
* ما هي أولى القراءات التي شكلت ذائقتك الأدبية في مرحلة الطفولة والشباب؟
– أول قراءة تعلقت بها في طفولتي، كان رواية توم سوير في الادب الغربي، للكاتب مارك توين. ثم كانت دوواين نزار قباني، روايات نجيب محفوظ، وأحمد شوقي، الجواهري. في الأدب العربي.
* كيف ترين تطور المشهد الثقافي في دمشق بين الأمس واليوم من واقع تجربتك الشخصية؟
– في الحقيقة المشهد السوري حالياً ليس بالمستوى الذي يستحقه الأديب السوري، للأسف أقولها.
* يتداخل في كتاباتك الأسلوب النثري الشاعري مع الصرامة النقدية؛ كيف توازنين بين لغة العاطفة ولغة العقل؟
– في الواقع أجد متعة في قراءة النص، وتداخلاته، استشعر وقع كل لفظة، وكل شعور تحمله حروفه، بعقلي تارة، ثم انتقل لأتعايش الحالة بقلبي، كأنني أعيش ضمنها، لم أقصد أبدا الفصل بين المجرد والمحسوس؛ بين العقل والقلب، لكن اكتب ما اشعر.
* يصفك البعض أحياناً بالشاعرة نظراً لجمالية لغتك، بينما أنتِ ناقدة وباحثة؛ هل يزعجك هذا الخلط أم يسعدك؟
– والله أنا أعتبر نفسي مجرد عاشقة للنقد، لازلت في بداية الطريق، فكل ما يقال أشكرهم عليه، بالتأكيد لن يزعجني أي رأي، حتى لو كان نقداً اتقبله بكل رحابة صدر.. فلا يزعجني أي تسمية في الحقيقة.
* ما الذي جذبك إلى عالم النقد الأدبي تحديداً، وهو مجال يوصف غالباً بأنه “مجهد” مقارنة بالإبداع الخالص؟
– يجذبني النقد، ربما لأني أشعر بالحرية والانطلاق بعيداً عن قيود القافية، وقيود الحبكة، هنا أستطيع الإبحار كيفما اشتهت سفينتي.
* هل تعتقدين أن الناقد يحتاج إلى “روح شاعر” ليفهم النص، أم أن الحياد الأكاديمي الصارم هو الأساس؟
– برأيي النقد يحتاج لروح تستشف المعاني، وقلب يستشعر الإيحاءات، وشغف. طبعا بالإضافة إلى الاطلاع الكثير والقراءة والتعمق.
* كيف تولد فكرة المقال أو الدراسة النقدية عندك؟ هل تبدأ من إعجاب بالنص أم من رغبة في تفكيكه؟
– يجب أن تعجبني وتأثر بي فكرة النص، رغبتي في تحليله الفكرة تبدأ انطلاقاً من إحساسي أن هناك روح دفينه ضمنه تستحق أن تتحرر.
* تميل قراءاتك إلى التركيز على الأبعاد النفسية والإنسانية كالقلق والخوف؛ لماذا تستهويكِ هذه الثيمات تحديداً؟
– تركيزي على الأبعاد النفسية والاجتماعية بكل تفاصيلها؛ لأنني اعتقد أنها المحرك الأساسي لأي فعل. وفي الحقيقة لم أتعمد انتقاء هذه الحالة الشعورية، لكن ربما هو الشعور السائد حالياً بناء على الجو العام المحيط بما أقرأ.
* قرأتِ وكتبتِ عن تجارب شعرية معاصرة (مثل الشاعرة ليلاس زرزور)؛ ما الذي تبحثين عنه في قصيدة الجيل الجديد؟
– قراءتي لنمط الشعر الحديث أو الشبابي، ربما لأنني أعاصره، واشعر أن هذا النمط من الكتابة تعطي حرية أكثر في البحث ويحتمل الكتير من الإيحاءات التي تطلق لي العنان، بلا قيود. أستطيع التكثيف والتوسع والانطلاق بكل حرية وتمرد.
* كيف تقيمين حركة النقد الأدبي السوري والعربي اليوم في ظل انتشار الصحافة الإلكترونية؟
– الوضع الأدبي حالياً سواء العربي أو المحلي على حد سيان، أراه متراجعاً وليس بالمستوى المطلوب في الحقيقة.
* يرى البعض أن النقد المعاصر أصبح مجاملاً أو “إخوانياً” على حساب الجودة؛ ما تعليقكِ على هذه التهمة؟
– النقد لاهوية له أراه تائهاً، ولست ممن يقيمه، أنا مجرد كاتبة أكتب لأنه أهوي هذا النوع، لست أتخذه عملا، هو شغف ولست بصدد تقييمه، بصراحة لا أريد إضاعة طاقتي وحيوية ما أفعل في الدخول بمتاهات التعقيد التحليل للواقع.
* ما هي المعايير والشروط التي يجب توفرها في النص الأدبي (رواية أو شعر) لتختاره عزيزة المبارك للدراسة؟
– الروح ومدى شعوري بالنص: أن يتضمن روح الإبداع واسشعرها ضمنه، ليقع اختياري عليه.
* تنشرين كتاباتك في منصات إلكترونية ومجلات عربية بارزة؛ كيف ترين دور الفضاء الرقمي في خدمة الأدب؟
الفضاء الرقمي حاليا هو المسيطر، وأنا اخترته لأنني أقوم بالنشر في أماكن ومن خلال أشخاص لا تربطني بهم سوى العلاقة الإبداعية، بعيداً عن المزاودات والشللية، لذلك اخترته.
* هل تعتقدين أن المقال الثقافي الإلكتروني السريع ظلم عمق الدراسات النقدية الأكاديمية؟
– المقال الالكتروني في الحقيقة له افضلية من حيث الانتشار، بسبب العقلية السائدة وعصر السرعة واستسهال الأمور، ونعم هناك ظلم للنقاد الأكاديميين بسبب الرغبة في البساطة والاستستهال. مع أنني في الحقيقة أحبذ النقد الأكاديمي أحيانا.
* تشاركين بنشاط في إدارة الندوات والأمسيات بالمراكز الثقافية؛ ما أهمية المواجهة المباشرة مع الجمهور اليوم؟
– الوقوف أمام الجمهور ليس بالسهل، لكني في الحقيقة أحاول ألا أراهم جمهور، أقف أعتبرهم مرآة لا أرى سوى ذاتي. أستطيع مواجهة ذاتي لأنني قادرة وواثقة في ذلك.
* كيف ترين واقع المبدعين الشباب في سوريا، وما هي أبرز العقبات التي تواجههم في النشر والتوزيع؟
– يتعرض أدب الشباب بشكل عام لغبن كبير، في سوريا ربما بسبب الوضع السائد، حيث فقدت المراكز الثقافية والاتحادات الكتبية البوصلة حالياً، أهملت الرعاية والدعم. نعم، المبدعون الشباب في أزمة حقيقية الآن.
* هل ساهمت الأزمات المتلاحقة في المنطقة في ولادة “أدب جديد” يعبر عن الواقع، أم أنها شتتت الجهود الإبداعية؟
– الأزمات باعتقادي شتت الواقع الثقافي، رغم أنه كان يتوجب برأيي استغلال تلك الأزمات لتكوين ” أدب جديد” معبر منبثق من قلب الحدث، لكن للأسف حصل العكس. الموقف الثقافي العربي الحالي تائه، وهو بحد ذاته يعاني من أزمة حقيقية.
* هل سنرى للأديبة عزيزة المبارك قريباً كتاباً نقدياً جامعاً لدراساتك، أم تفضلين بقاء المقالات في فضاء الصحافة؟
– لم أضع خطة في الحقيقة لذلك حالياً، لكن ربما إذا توافرت الشروط والظروف التي أطمح بها، ممكن أن أفكر في الأمر.
* هل تراودكِ فكرة خوض تجربة الكتابة الإبداعية الخالصة (كرواية أو مجموعة قصصية) مستقبلاً؟
– كل الاحتمالات مطروحة، لكن ما زلت اعتبر الكتابة متنفس لروحي، وعشق وشغف اتعلق بحبائل نزواته متى داعب قلبي أي نص، لذلك للآن لم أضع خطة أو رؤى مستقبلية تقيد أو ترسم هذا الحلم.
* لو أتيحت لكِ الفرصة لإعادة قراءة وتقديم نتاج أديب عربي كلاسيكي من منظور حديث، من تختارين؟
– لو أتيحت لي الفرصة؛ أو ربما قد أتيحها لنفسي بنفسي أعيد قراءة تجربة محمد مهدي الجواهري رغم أنه يُعد آخر الأدباء الكلاسيكيين.
* ما هي النصيحة التي تقدمينها لطلاب النقد والأدب في الجامعات السورية اليوم؟
– أنا أعتبر نفسي طالبة مثلهم، ولا أملك التنظير أو النصح لأتفضل به على غيري، لكن أقول لهم كونوا أنتم، واتبعوا وحي قلوبكم وأرواحكم، واعشقوا واقتنعوا بكل ما أنتم عازمون على القيام به.
* أخيراً.. ما هي الرسالة أو الفكرة التي تسعى عزة مبارك لترسيخها في المشهد الثقافي العربي؟
– كل ما أتمناه وأرجوه أن يعود المشهد الثقافي العربي ليتبوأ مكانته الحقيقة التي كانت في الماضي، وأن يتكرر زمن أحمد شوقي ونجيب محفوظ وطه حسين، ليكون الواقع الثقافي العربي مصدر عز وفخار لكل أديب عربي على حد سيان.