د. عصام البرّام
يمثل الموروث الشعبي العراقي واحدًا من أكثر جوانب الثقافة العراقية غنى وتنوعًا، لأنه يحمل في داخله ذاكرة المجتمع وتجاربه وقيمه وصوره عن الحياة والموت والحب والعمل والانتماء. فمن الأغاني الشعبية والحكايات والأساطير والأمثال، إلى الأزياء والعادات والاحتفالات وطقوس الضيافة وفنون الحرف اليدوية، تتشكل لوحة واسعة تعكس تاريخ الإنسان العراقي وتفاعله مع بيئته ومجتمعه. ولهذا فإن الحديث عن الموروث الشعبي لا يعني الحديث عن الماضي وحده، وإنما عن حاضر ما زالت آثاره واضحة في اللغة والسلوك والعلاقات الاجتماعية والوجدان الجمعي.
غير أن الموروث الشعبي يطرح في الوقت نفسه سؤالًا ثقافيًا مهمًا: هل ينبغي أن ننظر إليه باعتباره مرآة صادقة للهوية يجب الحفاظ عليها، أم أنه قد يتحول أحيانًا إلى قيد يعرقل التغيير والتقدم؟ يبدو السؤال للوهلة الأولى وكأنه يضع الهوية في مواجهة الحداثة، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فالموروث ليس كتلة واحدة ثابتة، بل هو مجموعة من العناصر التي تختلف قيمتها ووظيفتها بحسب الزمن والسياق. هناك ما يستحق الحماية لأنه يمثل ذاكرة المجتمع وإبداعه، وهناك ما يحتاج إلى المراجعة عندما يتحول إلى مبرر للتمييز أو رفض التطور.
إن المجتمع الذي يفقد ذاكرته يفقد جزءًا مهمًا من قدرته على فهم نفسه. وفي المقابل، فإن المجتمع الذي يحول ماضيه إلى سلطة مطلقة قد يجد نفسه عاجزًا عن الاستجابة لمتغيرات العصر. وبين هذين الموقفين تتحدد علاقتنا بالموروث الشعبي العراقي.
الموروث الشعبي بوصفه ذاكرة المجتمع
يكتسب الموروث الشعبي أهميته من كونه نتاجًا حيًا لتجارب الناس العاديين، وليس مجرد تاريخ مكتوب في الكتب الرسمية. ففي الحكاية الشعبية، والأغنية، والمثل، والقصيدة، وحتى في تفاصيل الطعام والملابس وأساليب الاحتفال، نجد صورة عن الطريقة التي فهم بها العراقيون العالم من حولهم. ولذلك فإن الموروث الشعبي يقدم نوعًا من التاريخ الاجتماعي الذي يكشف ما قد لا تكشفه الوثائق السياسية.
وتتميز الثقافة العراقية بتعدد روافدها نتيجة الموقع الجغرافي والتاريخي للبلاد، وتعاقب الحضارات والجماعات والثقافات عليها. فقد تركت الحضارات القديمة، ثم المراحل الإسلامية المتنوعة، والعناصر العربية والكوردية والتركمانية والسريانية وغيرها، آثارًا متشابكة في الذاكرة الثقافية العراقية. وهذا التنوع لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تناقضًا، وإنما يمكن أن يكون دليلًا على قدرة الثقافة العراقية على استيعاب المؤثرات المختلفة وإعادة إنتاجها ضمن سياقها المحلي.
ولعل الحكايات الشعبية والأمثال من أكثر عناصر الموروث قدرة على البقاء. فالمثل الشعبي يختصر تجربة اجتماعية طويلة في عبارة قصيرة، والحكاية الشعبية تنقل القيم والمخاوف والأحلام من جيل إلى آخر. أما الأغنية الشعبية فتختزن المشاعر المرتبطة بالمكان والحنين والعمل والحب والفقدان. ولذلك فإن الحفاظ على هذه العناصر لا يمثل مجرد احتفاء بالماضي، بل هو حفاظ على جانب من الذاكرة الجماعية.
كما أن الموروث الشعبي يمنح الفرد شعورًا بالانتماء. ففي عالم سريع التغير، يشعر الإنسان أحيانًا بأنه يعيش في واقع منفصل عن الأجيال السابقة. وهنا تأتي الثقافة الشعبية لتربط الحاضر بالماضي، وتمنح المجتمع شعورًا بالاستمرارية. فالهوية لا تُبنى من الأفكار المجردة فقط، وإنما تتشكل أيضًا من التفاصيل اليومية التي تبدو بسيطة، لكنها تحمل معاني عميقة في الوجدان.
حين يتحول الموروث من ذاكرة إلى سلطة
على الرغم من أهمية الموروث الشعبي، فإن التعامل معه باعتباره مقدسًا أو صالحًا لكل زمان ومكان يمكن أن يخلق مشكلة حقيقية. فالموروث في النهاية نتاج ظروف تاريخية محددة، وبعض العادات التي كانت تؤدي وظيفة اجتماعية معينة في الماضي قد تصبح غير مناسبة في الحاضر. لذلك فإن احترام الموروث لا يعني بالضرورة الخضوع لكل ما ورثناه.
هناك فرق مهم بين الحفاظ على الموروث بوصفه قيمة ثقافية وبين تحويله إلى قاعدة تفرض نفسها على حياة الإنسان. فعندما يتحول التقليد إلى معيار للحكم على الناس، أو يصبح وسيلة لتقييد حرية الفرد، فإنه ينتقل من مجال الثقافة إلى مجال السلطة الاجتماعية. وهنا يمكن أن تظهر بعض الممارسات التي تكرس التمييز أو تحد من حرية الاختيار أو تعيق تطور العلاقات الاجتماعية.
وتزداد المشكلة عندما تختلط العادة بالتقاليد الأخلاقية أو الدينية، فيصعب على المجتمع التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير. فكثير من العادات الاجتماعية اكتسبت مع مرور الزمن نوعًا من القداسة، رغم أنها في الأصل نتاج ظروف اقتصادية أو اجتماعية معينة. وعندما يحاول أحد أفراد المجتمع مساءلتها، قد يُتهم بأنه يرفض هويته أو يتخلى عن أصالته.
لكن الثقافة الحية لا تخاف من السؤال. فالتراث الذي يحتاج إلى الحماية هو التراث الذي يستطيع أن يعيش في الوعي النقدي، لا التراث الذي يحتاج إلى منع النقاش حوله. وإذا كانت الهوية قوية فعلًا، فإنها لا تنهار أمام المراجعة، بل تصبح أكثر نضجًا وقدرة على التكيف.
إن التقدم لا يعني أن يتحول المجتمع إلى نسخة من مجتمعات أخرى، كما أن المحافظة على الموروث لا تعني رفض العلوم والتكنولوجيا والتغير الاجتماعي. المشكلة تظهر فقط عندما يُستخدم الموروث كذريعة لإغلاق أبواب المستقبل. فالمجتمع يستطيع أن يحتفظ بأغانيه وحكاياته وأمثاله وفنونه، وفي الوقت نفسه يطور تعليمه واقتصاده ومؤسساته ونظرته إلى الإنسان.
نحو علاقة جديدة بين التراث والحداثة
المطلوب اليوم ليس الاختيار بين الموروث والتقدم، وإنما إعادة بناء العلاقة بينهما. فالموروث يمكن أن يكون مصدرًا للإبداع إذا تعاملنا معه باعتباره مادة قابلة لإعادة القراءة والتأويل. ويمكن للفنان والكاتب والموسيقي والمخرج أن يستعيد عناصر من الثقافة الشعبية ويمنحها معنى جديدًا يتناسب مع أسئلة الإنسان المعاصر.
وهذا ما يجعل الثقافة الشعبية قادرة على الاستمرار. فالموروث الذي يبقى محبوسًا في الماضي يتحول تدريجيًا إلى قطعة متحفية، أما الموروث الذي يدخل في حوار مع الحاضر فإنه يستمر في إنتاج المعنى. ويمكن للأغنية الشعبية، على سبيل المثال، أن تتحول إلى مادة موسيقية معاصرة، كما يمكن للحكاية القديمة أن تصبح رواية أو فيلمًا أو مسرحية تناقش قضايا الإنسان الحديث.
ومن المهم أيضًا أن تتحول عملية الحفاظ على الموروث إلى مشروع ثقافي مؤسسي. فالكثير من عناصر الثقافة الشعبية مهددة بالاختفاء بسبب تغير أنماط الحياة وتسارع المدن وانتشار الثقافة الرقمية. وقد تختفي بعض الحرف أو اللهجات أو الأغاني أو الطقوس مع رحيل الأجيال التي حملتها. ولذلك فإن توثيقها ودراستها وتعريف الأجيال الجديدة بها يمثل جزءًا من حماية الذاكرة الثقافية.
غير أن التوثيق وحده لا يكفي. فالثقافة لا تعيش في الأرشيف فقط، وإنما تعيش عندما يجد الإنسان المعاصر علاقة شخصية معها. ولذلك ينبغي تقديم الموروث للأجيال الجديدة بطريقة تتجاوز التلقين، وتجعله مجالًا للاكتشاف والإبداع. فالشاب العراقي لا يحتاج إلى أن يختار بين موروثه وهاتفه الذكي، وبين ثقافته المحلية والعالم الرقمي، بل يمكنه أن يستخدم أدوات العصر لإعادة تقديم ثقافته بصورة جديدة.
إن الهوية الثقافية لا تعني الجمود، بل تعني القدرة على الاستمرار مع التغير. وكل ثقافة حية تعيد إنتاج نفسها باستمرار، فتحتفظ ببعض عناصرها، وتتخلى عن عناصر أخرى، وتستوعب مؤثرات جديدة. ومن هنا يمكن النظر إلى الموروث الشعبي العراقي باعتباره مادة مفتوحة وليست نصًا مغلقًا.
لذا، لا يمكن اعتبار الموروث الشعبي العراقي مرآة للهوية أو قيدًا للتقدم بصورة مطلقة، لأنه يستطيع أن يكون الأمرين معًا بحسب الطريقة التي نتعامل بها معه. عندما نحفظه ونفهمه ونطوره، يصبح مرآة تعكس تاريخ المجتمع وتمنحه جذورًا ثقافية عميقة. وعندما نقدسه ونمنحه سلطة مطلقة على الحاضر، يمكن أن يتحول إلى قيد يمنع الإنسان من التغيير.
إن التحدي الحقيقي أمام الثقافة العراقية ليس في التخلص من الموروث، وإنما في تحريره من الجمود. فالعراقي الذي يعرف جذوره لا يحتاج إلى الخوف من المستقبل، والمجتمع الذي يعتز بذاكرته يستطيع أن يكون أكثر انفتاحًا على العالم. وبين الماضي والمستقبل يمكن أن تتشكل علاقة جديدة تجعل من الموروث مصدرًا للإبداع لا عائقًا أمامه، ومن الهوية نقطة انطلاق نحو التقدم لا جدارًا يفصل المجتمع عن العصر.