حوار: عطا درغام
الشعرُ ولادةُ الروح.. والروايةُ ترويضُ المدى
ثمّة مبدعون لا يكتبون النص، بل يغرسونه في تربة الوجود لتنمو منه حقولٌ من دلالة. ومن طرابلس، تلك المدينة المثقلة بالتاريخ والتحولات، يفوح شذا تجربة إبداعية استثنائية، صاغتها الأديبة والروائية اللبنانية ياسمين عبد السلام هرموش. تجربة انطلقت من عتبة “الياسمين” الشاعرة لتعلن تلاحم الهوية بالقصيدة، ثم نضجت لتطرح “قطوفاً” عبرت الحدود والثقافات نحو الكورية والصينية، قبل أن تضيق القوافي بفيض رؤاها، فمخرت عباب السرد لتكتب “الريح” وتروض العاصفة في رواياتها.
تتنقل الكاتبة في مشروعها بين صرامة الأرقام التي تخصصت بها، وروحانية الفقه التي تشربتها، وحرية الكلمة التي انحازت إليها؛ صانعةً من المأساة والوجع الإنساني نصاً جميلاً يرفض التجميل الزائف، وينحاز لقضايا الوطن والعدالة. وفي هذا الحوار المعمق، نبحر معها في خمسة محاور تفتش في أسرار دواوينها، وتحولاتها الروائية، وتشكيلها الجمالي، وصولاً إلى شهادتها التاريخية حول المشهد الأدبي اللبناني المعاصر، وموقع الإبداع النسوي في زمن الانهيارات.
* حمل ديوانك الأول اسمك؛ هل كان “الياسمين” هنا مجرد عتبة نصية، أم إعلاناً مبكراً عن دمج الهوية الشخصية بالهوية الشعرية؟
– اخترت اسم “الياسمين” لأنه يحمل اسمي ورمزي معًا. لم يكن مجرد عنوان، بل تعبيرًا عن هويتي الأدبية والإنسانية. أردت أن يكون الديوان انعكاسًا لصوتي الحقيقي لا لقناع شعري. الياسمين بالنسبة لي رمز للنقاء والأمل والعطر الذي يبقى بعد الغياب. لذلك امتزجت هويتي الشخصية بهويتي الشعرية منذ البداية.
* البدايات الأولى غالباً ما تشهد تخبطاً، لكن “الياسمين” جاء بنبرة واثقة؛ ما الذي حذفتهِ من قصائدكِ قبل طباعة هذا الديوان لحماية نضجه؟
– قبل الطباعة حذفت قصائد شعرت أنها تبوح أكثر مما ينبغي، وأخرى لم تبلغ النضج الفني الذي أطمح إليه. كنت أؤمن أن الجودة أهم من كثرة النصوص. راجعت لغتي وصوري الشعرية أكثر من مرة. أردت أن يكون الديوان الأول خير تعريف بي أمام القارئ.
* الانتقال من المحاسبة والعلوم الشرعية إلى فيض “الياسمين” الشعري؛ كيف ضبطتِ التوازن بين صرامة الأرقام وروحانية الفقه وحرية القصيدة في ديوانك الأول؟
– المحاسبة علمتني الدقة والانضباط، والعلوم الشرعية منحتني عمقًا أخلاقيًا وروحيًا. أما الشعر فكان مساحة الحرية التي أتنفس فيها. لم أشعر بتعارض بينها، بل رأيتها عناصر متكاملة. لذلك جاءت قصائدي تجمع بين الفكر والإحساس والتنظيم.
* ما هي الصورة الشعرية في ديوان “الياسمين” التي ترين اليوم، بعد مرور سنوات، أنها كانت نبوءة مبكرة لمسيرتك الحالية؟
– هناك صور شعرية كثيرة تحدثت عن الصمود والبحث عن النور رغم العتمة. اليوم أراها وكأنها كانت تمهد لمسيرتي الأدبية. شعرت أن الكلمة ستكون طريقي مهما واجهت من تحديات. كانت القصيدة تؤمن بي قبل أن أؤمن أنا بما ينتظرني.
* كيف واجه ديوانك الأول النقد الثقافي في شمال لبنان، وهل أنصفكِ النقاد في قراءتهم الأولى لـ”الياسمين” بعيداً عن المجاملات؟
– استقبل الديوان بتشجيع جميل من القراء والمثقفين في شمال لبنان. تلقيت نقدًا بنّاءً ساعدني على التطور، إلى جانب كلمات تشجيع أعتز بها. لا أدعي أن الجميع اتفق على قراءته، وهذا أمر صحي. الأهم أن التجربة فتحت لي أبوابًا جديدة في المشهد الثقافي.
* في “قطوف الياسمين”، يظهر قطف الثمار بعد الغرس؛ ما هي المرجعية الجمالية التي تغيرت في وعيكِ الشعري بين الديوان الأول والثاني؟
– في “قطوف الياسمين” أصبحت أكثر هدوءًا ووعيًا بتجربتي. اتسعت رؤيتي للجمال ولم تعد القصيدة مجرد انفعال لحظي. صار البناء الفني أكثر حضورًا. حاولت أن أقطف ثمار التجربة الأولى وأقدم نصًا أكثر نضجًا.
* تُرجمت نصوصك للغات كالصينية والكورية؛ كيف اختبرتِ قدرة مفردات “قطوف الياسمين” المحلية على العبور لثقافات لا تشبه بيئتنا العربية؟
– كنت مؤمنة بأن المشاعر الإنسانية تتجاوز حدود اللغة. عندما تُرجمت بعض النصوص، أدركت أن الصدق هو أكثر ما يعبر الثقافات. ربما تختلف المفردات، لكن الإحساس يبقى مفهومًا للجميع. وهذا منحني ثقة أكبر بقيمة الكلمة.
* هل جاءت “القطوف” كحالة تمرد على قالب ديوانك الأول، أم أنها امتداد وتطوير لهندسة القصيدة لديكِ؟
– لم يكن الديوان الثاني تمردًا على الأول، بل امتدادًا طبيعيًا له. حافظت على هويتي الشعرية مع تطوير أدواتي الفنية. كل تجربة أضافت طبقة جديدة إلى صوتي. لذلك أراه استمرارًا للنمو لا قطيعة مع البدايات.
* الموسيقى الداخلية في “قطوف الياسمين” تبدو أكثر هدوءاً وتأملاً؛ هل سكنت العاصفة العاطفية لصالح عمق الفكرة؟
– العاطفة لم تغب، لكنها أصبحت أكثر اتزانًا. مع مرور الوقت تعلمت أن الفكرة العميقة لا تحتاج إلى ضجيج كبير. أصبحت الموسيقى الداخلية أكثر هدوءًا وتأملًا. وهذا انعكس على لغة الديوان وإيقاعه.
* إذا كان ديوانك الأول هو “الولادة”، فما هي القضية الوجودية الكبرى التي يمثلها ديوان “قطوف الياسمين” في مشروعك؟
– إذا كان “الياسمين” يمثل الولادة، فإن “قطوف الياسمين” يمثل مرحلة النضج والحصاد. يتناول أسئلة الإنسان عن المعنى والأمل والصبر. إنه ديوان يبحث عن الثمرة بعد رحلة طويلة من الغرس. وأراه محطة مهمة في مشروعي الأدبي.
* الريح قاسم مشترك في عناوين رواياتك؛ هل السرد عندكِ حالة طائرة وغير مستقرة كالريح، أم أنه محاولة لترويض ما لا يمكن إمساكه؟
– الريح في عناوين رواياتي ليست رمزًا للاضطراب فقط، بل للحركة والتحول أيضًا. السرد عندي محاولة للإمساك بما يبدو عابرًا. الشخصيات تتغير كما تتغير الرياح، لكنها تبحث دائمًا عن جذورها. لذلك أصبحت الريح رمزًا دائمًا للحرية والتغيير في كتابتي.
* متى تضيق القصيدة بـ ياسمين هرموش حتى تضطر لفتح بوابات الرواية الممتدة؟ وما الذي تقوله الرواية وعجز عنه الشعر؟
– حين أشعر أن الفكرة أصبحت أوسع من حدود القصيدة، أتجه إلى الرواية. الشعر يلتقط اللحظة، أما الرواية فتمنح الشخصيات الزمن الكافي للنمو. هناك تفاصيل إنسانية لا يحتملها التكثيف الشعري. لذلك أرى أن الرواية تكمل الشعر ولا تنافسه.
* في “امرأة تكتب الريح”، هل كانت الكتابة هنا فعلاً للتحرر من قيود الواقع، أم لإعادة بناء واقع بديل موازٍ؟
– في امرأة تكتب الريح كانت الكتابة فعل تحرر وإعادة بناء في آنٍ واحد. لم أهرب من الواقع، بل واجهته عبر الخيال. الرواية منحتني مساحة لطرح الأسئلة دون قيود. إنها محاولة لرؤية العالم كما يمكن أن يكون.
* “حين همست الرياح باسمي” يحمل نبرة اعترافية وسيرة ذاتية مبطنة؛ أين تنتهي حدود شخصيتك الحقيقية وتبدأ حرية المتخيل الروائي؟
– لا تخلو أي رواية من ملامح كاتبها، لكن شخصياتي ليست نسخًا مني. أستعير بعض المشاعر والتجارب، ثم أترك للخيال أن يصنع عالمه. ما أكتبه هو حقيقة فنية لا سيرة ذاتية. وهذا ما يمنح الرواية حريتها.
* كيف تخلصتِ من “سطوة الشاعرة” ولغتها المجازية أثناء بناء الحوار والحدث الروائي لضمان واقعية السرد؟
– حرصت على أن تكون اللغة في خدمة الشخصيات لا في خدمة البلاغة. تركت لكل شخصية صوتها الخاص وطريقتها في التعبير. حافظت على الجمال اللغوي دون أن يطغى على الحدث. فالرواية تحتاج إلى التوازن بين الشعر والحياة.
* تكتبين العمودي والحر والنثر؛ كيف تقررين شكل القصيدة؟ وهل ترين أن الصراعات الشكلية القديمة بين المذاهب الشعرية ما زالت مجدية اليوم؟
– أنا لا أختار شكل القصيدة مسبقًا، بل النص هو الذي يفرض شكله. قد تأتي عمودية أو حرة أو نثرية بحسب الفكرة والإيقاع الداخلي. لا أؤمن بالصراع بين الأشكال الشعرية. الأهم هو جودة النص وصدقه.
* قضايا الوطن والعدالة حاضرة في شعرك؛ كيف ينجو النص عندك من السقوط في فخ “الشعارات السياسية المباشرة” ليحافظ على قيمته الفنية؟
– أحرص على أن يكون الإنسان هو محور القصيدة، لا الشعار. عندما تنبع الفكرة من تجربة إنسانية صادقة، تبقى قيمتها الفنية حاضرة. الشعر ليس بيانًا سياسيًا. إنه شهادة وجدانية على الزمن.
* تقيمين في طرابلس، المدينة المثقلة بالتحولات؛ كيف انعكس جرح المدينة الإنساني والاقتصادي على جماليات الهوية والعدالة في قصيدتك؟
– طرابلس مدينة غنية بالثقافة رغم أوجاعها. انعكست هذه التناقضات في نصوصي بين الألم والأمل. حاولت أن أكتب عن الإنسان قبل المكان. فالمدينة بالنسبة لي ذاكرة وهوية ومسؤولية.
* المزاوجة بين قضايا الجمال الإنساني وقضايا الألم؛ كيف تصنعين من المأساة نصاً جميلاً دون تجميل زائف للواقع؟
– لا أجمل المأساة، بل أبحث عن الضوء الكامن فيها. الجمال في الأدب لا يعني إنكار الألم، وإنما منحه معنى إنسانيًا. أحاول أن أكتب الحقيقة بلغة تلامس القلب. وهنا يولد الأثر الفني.
* الصمت غياب، لكنه في الشعر موقف؛ ما هي المساحة التي يفسحها شعركِ للمسكوت عنه أو الفراغات التي تتركينها للقارئ لكي يملأها؟
– أؤمن أن الصمت جزء من النص. أترك مساحات للقارئ كي يشارك في بناء المعنى. ليست كل الأسئلة بحاجة إلى إجابات مباشرة. أحيانًا يكون ما لم يُكتب أبلغ مما كُتب.
* المشهد الأدبي اللبناني يعيش حالة تفكك وتباعد بعد الأزمات الأخيرة؛ بصفتكِ شاهدة من الشمال، كيف يرمم الأدب اليوم ما هدمته السياسة والمؤسسات؟
– الأدب قادر على حفظ الذاكرة حين تعجز السياسة عن ذلك. الكلمة تجمع ما فرقته الأزمات. نحن بحاجة إلى أدب يعيد الثقة بالإنسان وبالوطن. فالثقافة تبقى أحد أهم جسور التعافي.
* يُطلق مصطلح “الأدب النسوي” كنوع من التصنيف؛ هل ترين هذا المصطلح إنصافاً لخصوصية تجربة المرأة، أم حصاراً نقدياً يفرز الأدب على أساس جندري؟
– أحترم مصطلح الأدب النسوي عندما يصف تجربة إنسانية خاصة، لكنني لا أحب أن يكون قيدًا نقديًا. الأدب الحقيقي يُقاس بقيمته الفنية لا بجنس كاتبه. الإبداع يتجاوز التصنيفات الضيقة.
* كيف تقرئين نتاج الكاتبات اللبنانيات الشابات حالياً؟ هل تخلصن من عقدة “البكائية والضحية” إلى مرحلة الندية والمواجهة الفكرية؟
أرى أن كثيرًا من الكاتبات الشابات أصبحن أكثر جرأة ووعيًا. لم يعد حضور المرأة قائمًا على دور الضحية فقط. هناك أصوات تناقش الفكر والهوية والمجتمع بثقة. وهذا تطور إيجابي للمشهد الأدبي.
* عاصرتِ المشهد الثقافي في بيروت وطرابلس؛ هل ما زالت بيروت هي المركز الثقافي الذي يصنع الاعتراف بالأديب، أم أن الأطراف الرقمية ألغت هذه المركزية؟
– تبقى بيروت مدينة ذات تاريخ ثقافي كبير، لكنها لم تعد البوابة الوحيدة للاعتراف. المنصات الرقمية فتحت المجال أمام المبدعين في كل المناطق. اليوم يستطيع الكاتب أن يصل إلى العالم من أي مدينة. المهم أن يحمل نصًا يستحق القراءة.
* ما هي الشهادة التاريخية التي تودين تدوينها عن جيلك الأدبي الحالي الذي يكتب وينتج وسط انهيارات غير مسبوقة يعيشها لبنان؟
– أود أن أسجل أن جيلي كتب في أصعب الظروف ولم يتخلَّ عن الأمل. قاومنا الانهيارات بالكلمة والإبداع. آمنّا بأن الثقافة ليست ترفًا، بل وسيلة لحماية الذاكرة والهوية. وأتمنى أن يُذكر هذا الجيل بأنه اختار الكتابة حين كان الصمت أسهل.