حوار: عطا درغام
نادرًا ما تلتقي صرامة النصوص التشريعية بجلال الكلمة الشاعرية في آن واحد، لكنَّ ضيفنا اليوم استطاع أن يجمع بين يديه “الميزان والقلم”؛ فهو المحامي الذي يدافع عن الحق في ساحات المحاكم، والزجال الذي يدافع عن الجمال في فضاءات الأدب. الأستاذ رضا أبو الغيط، عضو اتحاد كتاب مصر والمحاضر المركزي، ليس مجرد مبدع صاغ ديوان “مع آخر ضوء” أو أنشد للقدس حمايتها، بل هو مثقف مؤسسي يؤمن بأن الأدب هو الوجه الآخر للعدالة، وأن القصيدة هي المرافعة الأرقى عن وجع الإنسان وأحلامه.
في هذا الحوار، نبحر مع الشاعر والمحامي رضا أبو الغيط في ثنائية المهنة والإبداع، ونستكشف معه واقع فن الزجل في زمن الرقمنة، ونتعرف على رؤيته لدور “المثقف التنويري” في صياغة الوعي الجمعي ومواجهة التحديات الثقافية الراهنة، لنكتشف كيف يضيء “الضوء الأخير” دروب الكلمة الصادقة.
* كيف يوازن رضا أبو الغيط بين صرامة القانون وجفاف النصوص التشريعية، وبين رقة الشعر وعاطفة قصيدة العامية؟
– رضا أبو الغيط المحامي هو ذاته رضا أبو الغيط الشاعر. وجهان لعملة واحدة اسمها “الكلمة”. في النهار أقف أمام المنصة، وسلاحي الحُجة والدليل والمادة والسوابق. أبحث عن ثغرة في النص تُنصف مظلومًا، وعن عبارة محكمة تُقيم حقًا. وجفاف القانون هنا ضرورة، لأن العدل لا يحتمل المجاز. وفي المساء أخلو إلى دفتري ، فأخلع عباءة المنطق وألبس ثوب الوجدان. فأكتب بالعامية التي يفهمها الناس، لأن الشعر مهمته أن يطرق باب القلب لا باب العقل.
فالمحامي والشاعر يصطادان الجواهر من بحور الألفاظ وما يراه المحامي من ظلم وقهر وناس غلابة داخل أروقة المحاكم، أُحوله كشاعر إلى صور وموسيقى تتعاطف معها القلوب. وصرامة القانون هي التي درّبتني على الدقة، فعلّمت الشاعر رضا أبو الغيط انضباط الوزن والقافية. فخرجت معظم قصائدي مباشرة، واضحة، بلا زخرفة زائدة… كما المذكرة التي لا تقبل التأويل. فالقانون هو العقل الذي يُنظم الحياة، والشعر هو القلب الذي يحكيها. وأحدهما يسند الآخر، فلا جفاف بلا نبض، ولا رقة بلا ميزان.
* هل ساعدتك مهنة المحاماة في الغوص داخل النفس البشرية واستلهام قصص واقعية لقصائدك؟
– نعم لقد ساعدتني مهنة المحاماة في الغوص داخل النفس البشرية لأن المحامي مثله مثل الطبيب الذي لا يخفي عليه المريض أي شئ ليعالجه فالموكل كذلك لا يخفي عن المحامي أي شئ فيكون كتابًا مفتوحًا أمامه حتى يستطيع المحامي الدفاع عنه والوقوف بجانبه. وفي كل قضية تجد قصة جديدة إن لم تكن قصص كثيرة ؛فأروقة المحاكم مليئة بالقصص التي اوظفها في شعري وعناوين قصائدي فترى لي قصيدة بعنوان( انذار طاعه ) – (قصيدة عقوق) -(في المحكمة)
* ميزان العدالة وقلم الشاعر.. أيهما أقرب إليك عندما تواجه موقفاً إنسانياً معقداً؟
– عندما أواجه موقفًا إنسانيًا معقدًا يكون أقرب لي ميزان العدالة، لأن بالعدل وحده تسقر الأمور وتهدأ النفوس وتعود الحقوق لأصحابها.
* هل يتدخل “المحامي” بداخلك أحياناً ليفرض شروطه على “الشاعر” أثناء كتابة القصيدة، أم أن لكل منهما ساحته المنفصلة؟
– أحيانًا كثيرة يتدخل المحامي، ولكن ليس ليفرض شروطه على الشاعر، ولكن ليفيده بخبرته في مجال فهم النفس البشرية وكيفية التعامل مع الواقع ليقنع قارئ القصيدة
* كيف ترى توظيف الثقافة القانونية في خدمة قضايا المجتمع من خلال منبر الأدب؟
– إن توظيف الثقافة القانونية من خلال منبر الأدب يمثل جسراً فريداً وعميق الأثر بين نصوص القانون الجافة وهموم الإنسان الحية. فالقانون ينظم سلوك المجتمع بقواعد ملزمة، بينما يغوص الأدب في الروح الإنسانية؛ ليعبر عن تطلعاتها نحو العدالة والحرية والكرامة. وحين يتقاطع الثنان، يتحول الأدب إلى أداة تنويرية قوية لخدمة قضايا المجتمع. ومن أبعاد توظيف الثقافة القانونية عبر الأدب:
صياغة القانون في قوالب درامية وشخصيات نابضة بالحياة، مما يكسر حاجز الخوف أو الجهل بالتشريعات. وتحويل المصطلحات القانونية المعقدة إلى حكايات يفهمها البسيط والمثقف على حد سواء.وتسليط الضوء على الحقوق المدنية والاجتماعية (كحقوق المرأة، الطفل، العمال، والفئات المهمشة) من خلال الرواية والقصة والشعر.وكذلك غرس ثقافة الاحتكام إلى القانون بدلاً من الأعراف الضارة أو أخذ الحق بالفردية والقوة
* كيف ترى واقع فن “الزجل” اليوم في ظل سيطرة الأشكال الغنائية
الحديثة؟
– يمر الزجل بتحدٍ كبير بسبب سرعة الإيقاع وتغير الذوق العام، لكنه يظل الفن الأقرب للوجدان الشعبي؛ فقوته تكمن في صدق التعبير وبساطته، وقدرته على التكيف والبقاء متى وجد المنصات التي تدعمه وتقدمه بشكل يليق بأصالته.
* ما الذي أردت إيصاله للمتلقي من خلال ديوانك “مع آخر ضوء”؟ وما هي الفكرة الفلسفية خلف هذا الاسم؟
سعيت لإيصال مشاعر التأمل والعمق الإنساني ولحظات التحول بين البدايات والنهايات. أما الفكرة الفلسفية للاسم ؛فتستلهم لحظة الغروب وما تحمله من أمل بأن النور لا ينتهي بل يتجدد، وهي دعوة للنظر إلى الحياة بعدسة الرضا والتأمل البصري والوجداني.
* أنشودة “حماة القدس” حققت صدى واسعاً، كيف ولدت فكرة هذا العمل الغنائي؟ وكيف كان التعاون مع الفنان سميح المدهون؟
– ولدت الفكرة من إيماني بعروبتي وقوميتي ،ومن إيمان راسخ بعدالة القضية الفلسطينية ورمزية الصمود في القدس. وقد تميز التعاون مع ابني الفنان سميح المدهون بالتناغم الروحي والإبداعي، حيث ترجم اللفظ واللحن نبض الكلمات بصدق وصل إلى وجدان المتلقي.
* هل تختلف طقوس وكتابة القصيدة بالعامية المصرية عن كتابة الأغنية الملحنة؟ وأيهما يمنحك حرية أكبر؟
– نعم، تختلف فالقصيدة بالعامية تعتمد على السرد والتكثيف العاطفي والحرية المطلقة في البناء دون قيود الإيقاع الموسيقي، بينما تتطلب الأغنية وزناً موسيقياً وقوافي ملائمة للتلحين والأداء. وتمنحني قصيدة العامية حرية أكبر، بينما تتطلب الأغنية تكثيفاً وطواعية خاصة. وفي الحقيقة تحتاج القصيدة العامية والأغنية شاعر متمكن من أدواته. وأعتقد أنها موهبة خص بها الله بعض البشر دون غيرهم.
* من هم رواد شعر العامية والزجل الذين تأثرت بهم وشكلوا وجدانك الأدبي في بداياتك؟
– تأثرت بكبار عمالقة الكلمة المصرية الذين خلدوا وجدان الأمة، وفي مقدمتهم بيرم التونسي، والخال عبدالرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم، وصلاح جاهين، وشاعر المدد إبراهيم رضوان وعبقري العامية ناجي عبدالمنعم.
* ما هي أبرز التحديات التي تواجه الثقافة الجماهيرية في الأقاليم والمحافظات حالياً؟
– من ابرز التحديات التي تواجه الثقافة الجماهرية هو ضعف التمويل والبنية التحتية لبعض القصور، إلى جانب زحف المنصات الرقمية ووسائل الترفيه السريع التي سحبت جزءاً كبيراً من اهتمام الشباب، مما يتطلب تجديد آليات الجذب الثقافي لجذب الشباب والأسر لقصور الثقافةمرة أخرى.
* كيف تقيم جيل المبدعين الجدد في مجال شعر العامية من خلال ورشك الأدبية؟
– الأغلبية العظمى من جيل المبدعين الجدد هم جيل واعد يمتلك طاقة هائلة ووعياً لغوياً وفنياً متطوراً، ويتميز بالجرأة في تناول موضوعات جديدة، لكنه يحتاج غالباً إلى صقل أدواته بالتراث والقراءة المستمرة لتجنب التكرار. والأهم من ذلك احترام الرواد.
* ما هي أهم المحاور أو الرسائل التي تركز على إيصالها للمواهب الشابة خلال محاضراتك؟
– أهم هذه المحاور هو التركيز على صدق التجربة، الأصالة الفنية، احترام الوزن والقافية واللغة، وأهمية القراءة الواسعة، مع التأكيد على أن الأدب رسالة إنسانية واجتماعية، وليست مجرد كلمات مقعرة.
* هل نجحت نوادي الأدب وقصور الثقافة في استعادة دورها كمنارة تنويرية ضد الأفكار الهدامة؟
– نوادي الأدب قطعت شوطاً كبيراً ومحموداً في مواجهة الجمود الفكري، لكنها ما زالت بحاجة إلى مزيد من الانفتاح والوصول الميداني للقرى والجامعات لتوسيع دائرة التأثير. وكان لي تجربة فريده في نادي أدب قصر ثقافة منيا القمح حيث خرجنا إلى القرى والكفور ووسعنا من دائرة محبي الشعر.
* كيف يمكن للمحاضر الثقافي أن يجذب الجمهور العادي ليتذوق الشعر والزجل في عصر السوشيال ميديا؟
– أعبر بتبسيط الطرح، وربط الشعر بهموم الناس اليومية، واستخدام الفيديوهات القصيرة والمنصات الرقمية بذكاء لتقديم مقاطع شعرية قوية وسريعة تخاطب الوجدان مباشرة.
* كيف تخدم عضوية اتحاد كتاب مصر الأديب بشكل فعلي؟ وما الذي يحتاجه الكاتب المصري من الاتحاد اليوم؟
– الخدمة الفعلية الذي يسعى إليها معظم الكتاب هي توفير الرعاية الصحية، الدعم الاجتماعي، والمظلة القانونية والمهنية المعترف بها. أما عن الاحتياجات الحالية: تطوير آليات الدعم المادي، تفعيل دور النشر التابع للاتحاد لتوزيع الأعمال، وتوفير منصات تسويق رقمية تواكب العصر. إلى جانب العدالة في النشر والقضاء عن الشللية في الوسط الأدبي.
* هل تعتقد أن العمل النقابي والمؤسسي داخل الاتحاد يدعم الإبداع أم أنه قد يستهلك وقت المبدع وطاقته؟
– العمل النقابي هو سلاح ذو حدين؛ فإذا اقتصر على البيروقراطية والصراعات الانتخابية، فإنه يستهلك طاقة المبدع، ويحرمه من مشروعه الأدبي ،أما إذا ركز على الخدمة النقابية وحماية الحقوق فإنه يوفر بيئة آمنة تدعم الإبداع وتريحه من الأعباء المعيشية.
* ما هي رؤيتك لآليات حماية حقوق الملكية الفكرية للكتاب والشعراء في ظل القرصنة الرقمية المنتشرة؟
– عن طريق تسجيل الاعمال الادبية في الجهات المختصة او نشرها في دواوين شعرية أو مجموعات قصصية والعمل على تشكيل وحدة قانونية متخصصة داخل الاتحاد لملاحقة مواقع القرصنة. وكذلك التعاون مع وزارة الثقافة ومؤسسات الدولة لتغليظ عقوبات السرقة الرقمية.والعمل على إطلاق منصة رقمية رسمية تابعة للاتحاد تتيح الكتب بمقابل مادي رمزي يحفظ حقوق المؤلف.
* كيف ترى حركة النقد الحالية داخل أروقة الاتحاد؟ وهل تنصف المبدعين أم أنها تعيش في برج عاجي؟
– تعاني غالباً من الجمود والانعزالية، وتميل أحياناً للنخبويّة أو المجاملات، مما يجعلها بحاجة ماسة للانفتاح على الأجيال الجديدة والمدارس النقدية الحديثة لتكون منصفة وفعالة.
* كيف يسهم اتحاد الكتاب في مد جسور التواصل بين الأدباء المصريين والحركة الثقافية العربية والعالمية؟
– يمكن فعل ذلك عبر تفعيل البروتوكولات المشتركة مع الاتحادات العربية والدولية.،تنظيم المؤتمرات والمهرجانات وتبادل الوفود الثقافية.الترجمة الفعالة للأعمال المتميزة لنشرها في المحافل الدولية، وتوسيع دائرة تأثير الأدب المصري.
* كتبت للوطن وللقدس، كيف يرى الشاعر رضا أبو الغيط دور الأديب في قيادة الوعي القومي والعربي خلال الأزمات؟
– الأديب الحقيقي ليس مجرد ناظم للكلمات، بل هو ضمير أمته الصادق ولسان حالها في السراء والضراء. وفي أوقات الأزمات، يتضاعف هذا الدور ليصبح الأديب منارةً تقود الوعي القومي والعربي نحو بوصلته الصحيحة. فالكلمة الصادقة قادرة على إيقاظ الهمم، وترميم الروح الوطنية، وتثبيت الهوية في وجه محاولات الطمس والتطبيع . لقد كانت القدس ولا تزال نبضًا في وجدان كل عربي حر، وواجبنا كأدباء أن نبقي هذه القضية حيةً مشتعلة في قلوب الأجيال القادمة عبر الفن والشعر الذي يرفض الانكسار.
* ما هي ملامح مشروعك الأدبي القادم؟ هل هناك ديوان جديد أو عمل غنائي يلوح في الأفق؟
– العمل لا يتوقف، فالقرائح المفعمة بحب الوطن والناس لا تعرف الراحة. أعمل حالياً على وضع اللمسات الأخيرة لعدة قصائد جديدة تمزج بين أصالة الشعر واللون الغنائي الهادف، إلى جانب التخطيط لأعمال ترتبط بالبث الإذاعي وقريبًا على أثير إذاعة القاهرة الكبرى. كما أن هناك دائماً طموحاً لجمع هذه الأعمال في إصدارات جديدة، لتكون وثيقة تنطق بهموم المجتمع وطموحاته وتصل إلى كل ذوق فني اصيل. واسعى جاهدا لنشر كل حرف كتبته لانه تاريخ يجب توثيقه
* لو أتيحت لك الفرصة لتعديل بند واحد في “قانون الثقافة والإبداع” بمصر، ما هو هذا البند؟
– لعل أهم ما يمكن التركيز عليه هو تعزيز آليات دعم ورعاية المواهب الحقيقية في الأقاليم والقرى، وليس فقط في العواصم الثقافية الكبرى. أتمنى تعديل أو إضافة بنود تضمن تأسيس منصات ورعاية مؤسسية فعلية تضمن وصول الإبداع الأصيل إلى الجمهور مباشرة، وتوفير المظلة الاجتماعية والمادية للمبدعين الحقيقيين الذين يحملون رسالة تنويرية هادفة تخدم المجتمع والوطن. وان يخصل المبدع الحقيقي على التكريم اللائق به في حياته ليرى ثمرة كفاحه
* ما هي النصيحة الذهبية التي توجهها لكل موهبة شابة تخطو خطواتها الأولى في عالم الزجل والشعر؟
– النصيحة الأهم هي: “اصدق نفسك يصدقك الناس”. الشعر والزجل ليس مجرد وزن وقافية، بل هو صدق إحساس وتجربة. أنصح كل شاب مبدع بالقراءة المستمرة، والتشبع بتراثنا الشعري العظيم، وأن يكتب من محراب قلبه لا من باب التقليد. الكلمة النابعة من عمق الوجدان هي وحدها التي تخترق القلوب وتبقى خالدة عبر الزمن.
* أخيراً.. كيف يحب رضا أبو الغيط أن يتذكره الناس؛ كمحامٍ دافع عن الحق، أم كشاعر لمس قلوبهم بكلماته؟
– الحقيقة أنني لا أرى تعارضاً بينهما، بل أراهما وجهين لعملة واحدة. فالمحامي يدافع عن الحق والعدل في ساحات القضاء، والشاعر يدافع عن الحق والجمال والإنسانية في محراب الوجدان. إذا كان لابد من الاختيار، فيكفيني أن يتذكرني الناس إنساناً سعى طوال حياته لنصرة المظلوم، وترك في قلوبهم أثراً جميلاً، وكلمة طيبة تخفف عنهم، أو لحناً يلامس أرواحهم. فالإنسان الحقيقي يبقي ذكراه الطيبة حية بغض النظر عن الألقاب.