بين رقة الحرف وجسارة القضية: الكاتبة الجزائرية كدومة إناس (نورس) في حوار عن الجراح الصامتة وأدب التشويق النفسي
إعداد الحوار: عطا درغام
تتجلّى في التجربة الأدبية للكاتبة والفاعلة الثقافية الجزائرية كدومة إناس، المعروفة أدبياً بلقب “الكاتبة نورس”، إشراقة إبداعية تجمع بين الحساسية النفسية المرهفة والالتزام الاجتماعي الصارم بقضايا المرأة والإنسان. تتخذ من أدب التشويق النفسي (السيكودراما) واللغة الوجدانية البسيطة مشرطاً رقيقاً لمداواة “الجراح غير المرئية”، مشكّلة عبر سلاسلها الأدبية – وفي مقدمتها “سلسلة صدى البشرية” وأعمالها: خلقت بقلب آمن، صدى الحلم، وأصوات البحر – صوتاً يستحضر الأمل ويكسر حواجز الصمت. وفي هذا الحوار الشامل، نفتح معها أوراق تجاربها ورؤاها الأدبية عبر محاورها الخمسة.
* كتاباتكِ تحمل انشغالًا عميقًا بالواقع الاجتماعي؛ كيف تختارين نقطة التماس بين الواقع المعيش والخيال الروائي في معالجة هذه القضايا؟:
– أؤمن أن الكاتب لا يستطيع أن ينعزل عن مجتمعه، لذلك أستلهم أفكاري من الواقع الذي نعيشه، ومن القصص الإنسانية التي نسمعها أو نراها من حولنا. لكنني لا أنقل الواقع كما هو، بل أعيد تشكيله داخل عمل روائي يمنحه مساحة أوسع للتأمل والتأثير. بالنسبة لي، الخيال ليس هروبًا من الواقع، بل وسيلة لفهمه وإعادة تقديمه برؤية أدبية تحمل بصمتي الخاصة. أحرص دائمًا على الموازنة بين الواقع والخيال، حتى يشعر القارئ أن ما يقرأه قريب من حياته، رغم أنه يعيش داخل عالم روائي.
* تركزين بشكل مكثف على قضايا المرأة، وتحديدًا “الجراح غير المرئية”؛ لماذا اخترتِ تسليط الضوء على الأثر النفسي واللفظي بدلًا من العنف المادي الظاهر؟
– اخترت تسليط الضوء على الأثر النفسي واللفظي، لأنني أؤمن أنه غالبًا ما يكون البداية الخفية لمعظم أشكال العنف الأخرى. فالكلمة الجارحة، والإهانة المستمرة، والاحتقار، قد تترك ندوبًا لا تُرى بالعين، لكنها تظل راسخة في النفس والذاكرة لسنوات طويلة.
هذه الجراح الصامتة قد تسلب المرأة ثقتها بنفسها، وتجعلها تخشى التعبير عن ألمها أو طلب المساعدة، حتى تعتاد الصمت وتظنه وسيلتها الوحيدة للنجاة. ومع مرور الوقت، قد تتحول تلك الجراح إلى عبء نفسي يطاردها كظلٍ لا يفارقها، ويعزلها عن ذاتها ومجتمعها، بل وقد يتطور إلى عنفٍ مادي يزيد من معاناتها.
لذلك رأيت أن من الضروري تسليط الضوء على هذا النوع من العنف، لأنه الأكثر انتشارًا والأقل ملاحظة، رغم أنه يترك أثرًا عميقًا في الإنسان. أردت أن أذكر القارئ بأن الجراح التي لا تُرى قد تكون أشد ألمًا من الجراح الظاهرة، وأن التعافي الحقيقي يبدأ بالاعتراف بها وعدم الاستهانة بها.
* في كتاب “خلقت بقلب آمن”، رفعتِ شعار كسر الصمت؛ هل ترين أن الأدب قادر بالفعل على تمكين المرأة ومنحها القوة لتغيير واقعها؟
– نعم، أؤمن بذلك بشدة، فالأدب ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو رسالة قادرة على ملامسة القلوب وإيقاظ الضمائر النائمة، وقد يغيّر حياة إنسان بأكملها.
عندما تقرأ امرأة قصةً عن امرأة عانت من العنف، وكيف تحررت من وجعها وانتصرت على ظروفها، ثم تقرؤها نساء أخريات عشن الوجع نفسه، فإنهن يشعرن أنهن لسن وحدهن، وأن هناك من يشاركهن الألم ويفهم معاناتهن. وقد تكون تلك الشرارة الأولى التي تدفعهن إلى التحرر، واستعادة كرامتهن وحقوقهن.
لا أزعم أن الأدب قادر على تغيير الواقع وحده، لكنه يستطيع أن يكون الشرارة الأولى والدافع نحو التغيير، وأن يمنح الإنسان الشجاعة والقوة للتحرر واستعادة كرامته.
* يظهر في أدبكِ انحياز واضح للإنسان الذي يواجه الإحباطات المجتمعية؛ كيف تصيغين معادلة “تحويل الوجع إلى انتصار” دون الوقوع في فخ المواعظ المباشرة؟

– أؤمن أن كل إنسانٍ نجح يملك قصةً خاصة، تألّم فيها، وسقط، وخُذل، حتى تغيّر إلى الأفضل وحقق النجاح. وهذا ما أحرص على تجسيده في رواياتي؛ فمن خلال الأحداث والشخصيات التي أرسمها، أجعل القارئ يرى البطل وهو يُخذل، وينكسر، ويتعثر، ثم ينهض من جديد، ويصنع قصته بنفسه حتى يصل إلى النجاح.
لأنني أدرك أن القارئ لا يتأثر بالمواعظ المباشرة، ولا بالخطابات التي تملي عليه ما يجب أن يفعله، وإنما يتأثر بالشخصيات التي تتغير وتتحول من الانكسار إلى الانتصار. فكل إنسان يتأثر بما يشعر به، وبما عاشه من تجارب، أكثر مما يتأثر بما يُقال له.
* تطرحين في عملكِ “صدى الحلم” صراع الفرد ضد كلام الناس وعواصف الشك؛ إلى أي مدى يعكس هذا العمل معركة الوعي التي تخوضها المرأة في مجتمعاتنا اليوم؟
– نعم، إلى حدٍّ كبير. أرى أن كثيرًا من النساء لا يحاربن الظروف فقط، بل يحاربن أيضًا نظرة المجتمع، وكلام الناس، والشك الذي يُزرع في داخلهن منذ الصغر. قد يكون حلم المرأة بسيطًا، لكن كثرة الانتقادات والتقليل من قدراتها تجعلها تتردد في اتخاذ أول خطوة.
من خلال “صدى الحلم” أردت أن أوصل رسالة مفادها أن أكبر معركة قد يخوضها الإنسان ليست مع المجتمع وحده، بل مع الخوف والشك اللذين يسكنان داخله. وعندما ينتصر على صوته الداخلي، يصبح أقرب إلى تحقيق حلمه مهما كانت التحديات والظروف التي تواجهه. فإن آمن بنفسه، واستمع إلى صوته الداخلي، استطاع تحقيق الكثير.
* رواية “أصوات البحر” تنتمي لأدب التشويق النفسي (السيكودراما)؛ ما الذي يجذبكِ ككاتبة في استكشاف الدوامات النفسية والهلوسات الإنسانية؟:
– اخترت أدب التشويق النفسي وعلم النفس لأنني أؤمن أن أكثر المعارك رعبًا ليست تلك التي تدور حول الإنسان، بل تلك التي تدور داخله، والتي قد ترهقه نفسيًا، وتدفعه إلى الغرق في دوامات الخوف والشك والصراعات الداخلية. لذلك أردت أن أوصل رسالتي النفسية لكل قارئ وقارئة من خلال هذا النوع الأدبي.كما لاحظت كثرة روايات الرعب التقليدية التي تعتمد على الأساليب نفسها، بينما كنت أرغب منذ بداية دخولي هذا المجال في أن أقدم تجربة مختلفة، تمزج بين التشويق النفسي والغوص في أعماق الشخصيات، بأسلوبي الخاص وبصمتي الأدبية، بعيدًا عن التكرار والمألوف.
أنا لا أكتب عن الجانب النفسي لمجرد الإثارة، بل لأن لدي رسالة أريد إيصالها للقارئ. وستتضح هذه الرسالة بصورة أعمق مع اكتمال الأجزاء الثلاثة من رواية “أصوات البحر”.
* في “أصوات البحر”، تعيش البطلة ميساء حيرة بين الحقيقة والوهم؛ كيف استطعتِ ضبط هذا الخيط الرفيع برواية سيكولوجية دون التضحية بالحبكة الروائية؟
– كان أكبر تحدٍّ بالنسبة لي أن أجعل القارئ يعيش حيرة ميساء، وخوفها، وألمها، دون أن أُضحي بتماسك الحبكة الروائية. لذلك، قبل أن أكتب هذا النوع من الحبكات، قرأت عنه كثيرًا، وشاهدت أعمالًا نجحت في تقديم هذا النوع من الحبكات.، حتى أفهم كيف يمكن للقارئ أن يعيش حيرة الشخصية دون أن يفقد خيوط الأحداث.
ولهذا حرصت على أن يكون لكل حدث سبب، ولكل تفصيل ولكل شخصية دور يخدم الحبكة. لم يكن هدفي أن أكتب عن اضطراب أو مشكلة نفسية وأمر عليها مرورًا عابرًا، بل أن أبني رواية متماسكة ومتوازنة، يكون فيها كل مجال أمزجه جزءًا من القصة، وله هدف ورسالة، ويسهم في تطور الأحداث، لا أن يكون مجرد إضافة.كما حاولت أن أسير بالقارئ خطواتٍ مدروسة؛ فما كتبته بقلمي، درستُه أولًا بعين القارئ قبل عين الكاتبة، حتى يبقى مشدودًا إلى الأحداث، ويعيش التجربة دون أن يفقد خيط الحبكة.
* الفقد وتأثير الصدمات يُعد محركاً أساسياً لشخصياتكِ؛ كيف تبنين الأبعاد النفسية لأبطالكِ لتظهر بهذا القدر من الواقعية التي تلامس القارئ؟
– قبل أن أشرع في كتابة أي شخصية، أبدأ أولًا برسم ماضيها وتجاربها السابقة. أسأل نفسي: ماذا فقدت؟ وكيف غيّرتها تلك التجربة القاسية؟
بالنسبة لي، الصدمة ليست مجرد حدث عابر، بل هي ما قد يصنع الإنسان أو يكسره، وهي التي تُشكّل كثيرًا من أفكاره ومعتقداته ومخاوفه الداخلية. لذلك أحرص على أن تكون تصرفات شخصياتي نابعة مما عاشته في الماضي، لا من رغبة سير الأحداث وحدها، حتى يشعر القارئ أنه أمام شخصيات واقعية تمثّل واقعنا، وليست شخصيات عابرة أو مثالية.
* لماذا تميلين إلى إبراز الجوانب المظلمة والمخاوف الداخلية للشخصيات، وما الأثر الذي تودين تركه في نفس القارئ بعد نهاية العمل؟
– أميل إلى إبراز الجوانب المظلمة والمخاوف الداخلية للشخصيات، لأنني أؤمن أن كل إنسان، مهما بدا قويًا أمام الجميع، يحمل داخله نقاط ضعف ومخاوف وصراعات قد لا يراها أحد. لذلك أحرص دائمًا على أن تكون شخصياتي إنسانية وواقعية؛ تخطئ، وتُخطئ في حق الآخرين، وتتألم، وتخاف، ثم تحاول النهوض من جديد. وأنا مدركة أن القارئ يتأثر بالشخصيات أكثر مما يتأثر بالأحداث؛ فقد ينسى بعض تفاصيل الرواية، لكنه لا ينسى الشخصية التي عاش معها ألمها، ومخاوفها، وصراعاتها، وشعر أنها تشبهه أو تشبه شخصًا يعرفه.
أما الأثر الذي أطمح إلى تركه، فهو ألا يخرج القارئ متذكرًا الأحداث فقط، بل أن تبقى الشخصيات ورسائلها عالقة في ذهنه وقلبه، وأن تدفعه إلى مواجهة مخاوفه، وفهم نفسه بصورة أعمق، بدلًا من الهروب منها. لأنني أؤمن أن لكل إنسان، مهما بدا قويًا، قصةً يحملها في قلبه، وصراعاتٍ لا يراها أحد.
* كيف توازنين في كتاباتكِ بين تقديم متعة التشويق والإثارة، وبين تشريح الأزمات النفسية المعقدة التي تمر بها البطلات؟

– لم يكن الوصول إلى هذا التوازن سهلًا بالنسبة لي، بل كان من أكبر التحديات أثناء كتابة الرواية. لذلك حرصت على القراءة والاطلاع، ومشاهدة أعمال نجحت في هذا النوع الأدبي، حتى أفهم كيف يمكن المزج بين التشويق والجانب النفسي دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وقد ساعدني ذلك على الوصول إلى التوازن الذي كنت أبحث عنه في “أصوات البحر”.وأحرص دائمًا على ألا يطغى جانب على الآخر، لأن طغيان أحدهما قد يضعف الرواية، ويجعل الأحداث غير مترابطة أو متسرعة أو تفقد توازنها. لذلك لا أجعل أي مجال، سواء كان نفسيًا أو غيره، يبطئ سير الأحداث أو يسرعها دون مبرر. بالنسبة لي، كلاهما يكمل الآخر، ولكل منهما دوره الخاص؛ فالتشويق يجذب القارئ إلى الاستمرار في القراءة ومتابعة الأحداث، بينما يمنح الجانب النفسي معنى وعمقًا لكل حدث ولكل شخصي.
* إذا نظرنا إلى “خلقت بقلب آمن”، “صدى الحلم”، و”أصوات البحر”؛ ما هو الخيط السري أو الروح المشتركة التي تجمع هذه الأعمال الثلاثة معاً؟
– لا توجد رابطة في الأحداث أو الشخصيات بين هذه الأعمال، لأن لكل كتاب قصته الخاصة ورسائله وأهدافه المستقلة. لكن إن كان هناك خيط يجمعها، فهو الأسلوب الإنساني الذي أتبناه في الكتابة؛ فجميع أعمالي تنطلق من الإنسان، من مشاعره وصراعاته وقضاياه، مهما اختلفت المواضيع التي أتناولها.
* كتاب “خلقت بقلب آمن” يضم ثلاثة فصول ممتدة؛ ما الفلسفة وراء اختيار هذا التقسيم الثلاثي لبناء رحلة الانتقال من الانكسار إلى النور؟
– اخترت هذا التقسيم لأن رحلة التعافي لا تحدث دفعة واحدة، بل تمر بمراحل متدرجة. فالوجع يبدأ بالألم، ثم بالصراع والصمت والخوف، وقد يصل إلى التهديد، قبل أن تبدأ رحلة التعافي واستعادة الأمان. لذلك حرصت على أن تكون الفصول مترابطة، بحيث يكمل كل فصل الآخر، ليعيش القارئ هذه الرحلة خطوة بخطوة دون تشتت، ويشعر بتطورها بصورة طبيعية ومتسلسلة.
* في كتابكِ “صدى الحلم”، اخترتِ لـ “سارة” حُلماً صغيراً يقاوم عواصف محيطها؛ هل ترين أن الأحلام الصغيرة هي الأكثر عرضة للكسر في واقعنا؟
– نعم، لأن الأحلام الصغيرة غالبًا ما يستهين بها الآخرون، ويظنون أنها لا تستحق السعي، بينما قد تكون بالنسبة لصاحبها أكبر حلم في حياته. فكثيرًا ما تُكسر هذه الأحلام بسبب كلام الناس، أو الخوف، أو قلة الدعم، وليس لأنها مستحيلة. ومن خلال “صدى الحلم” أردت أن أوصل رسالة مفادها أن قيمة الحلم لا تُقاس بحجمه، بل بإيمان صاحبه به وإصراره على تحقيقه مهما كانت العوائق والظروف التى تحاصره من كل الجهات
* وظّفتِ “البحر” كعنصر أساسي ومحرك للأحداث والأسرار في روايتكِ؛ كيف تحول البحر من مجرد مكان جغرافي إلى رمز للضياع والبحث عن الحقيقة؟
– في “أصوات البحر” لم يكن البحر مجرد مكان جغرافي تدور فيه الأحداث، بل يحمل دلالات ورموزًا ترتبط بالرواية. لكنني أفضل أن أترك للقارئ اكتشافها بنفسه مع تطور الأحداث، لأن الإجابة الكاملة قد تكشف جزءًا من أسرار الرواية.
* كتاباتكِ تُدرج تحت عنوان “سلسلة صدى البشرية”؛ ما الرسالة الفلسفية والإنسانية التي تودين إيصالها من خلال صياغة أعمالكِ في شكل سلاسل مترابطة؟
– صدى البشرية” ليست مجرد اسم للسلسلة، بل تحمل رسالة ومعنى سيكتشفه القارئ تدريجيًا مع صدور بقية الأعمال. أفضل أن أترك هذه الإجابة مفتوحة حتى لا أفقد السلسلة عنصر التشويق.
* تتميز لغتكِ بأنها وجدانية وشاعرية جداً (مثل وصف القلوب المكسورة كقطع الزجاج)؛ كيف تطوعين هذه الشاعرية لخدمة قضايا اجتماعية واقعية وقاسية؟
– أؤمن أن اللغة ليست مجرد أسلوب سردي، بل هي وسيلة لنقل الشعور والإحساس والصدق. لذلك أستخدم الأسلوب الوجداني والشاعري حتى لا يقرأ القارئ القضية بعقله فقط ويمر عليها، بل يقرأها بقلبه ويشعر بها. فهدفي ليس تجميل الألم، بل تقريب الإحساس إلى القارئ حتى يعيش التجربة ويتأثر بها. كما أؤمن أن القارئ يتأثر بالأسلوب الوجداني، ويحبه، ويلامسه أكثر من أي أسلوب عادي.
* توظفين العبارات المفتاحية كشعارات داخل المتن الأدبي؛ كيف يسهم هذا الأسلوب في تثبيت الرسالة التوعوية للكتاب في أذهان القراء؟
– لأنني أؤمن أن بعض الكلمات والعبارات تبقى في ذاكرة القارئ ووجدانه أكثر من صفحات كاملة. لذلك أحرص على أن تكون لكل رسالة عبارة خاصة بها، تختصرها وتعبر عنها، وتبقى عالقة في أذهان القراء حتى بعد انتهائهم من القراءة.
* أسلوبكِ يتجنب الغموض النخبوي ويميل إلى الوضوح والتأثير المباشر؛ هل ترين أن الأدب الهادف يجب أن يتحدث بلغة بسيطة ومتاحة للجميع؟
– نعم، أؤمن أن الأدب الهادف يجب أن يصل إلى جميع القراء، لذلك أحب استخدام لغة بسيطة وسهلة يفهمها الجميع. بالنسبة لي، قوة النص ليست في تعقيد مفرداته ولا في صعوبة جمله، بل في قدرته على إيصال شعوره وصدقه وعفويته. لذلك أفضل اللغة السهلة والبسيطة، المليئة بالإحساس والصدق، على الكلمات المعقدة التي قد تبدو جميلة، لكنها تفتقر إلى المشاعر.
* كيف تستخدمين الرمزية وإسقاطات الطبيعة (كالغيوم، البحر، والوهج الذهبي) للتعبير عن التحولات الداخلية والوجدانية لأبطال رواياتكِ؟
– أحب توظيف عناصر الطبيعة لأنها تعبر عما تعجز الشخصيات عن قوله. لذلك فإن إضافتها في أعمالي ليست مجرد مكان أو خلفية للأحداث، وإنما هي لغة ورمز يعكسان الحالة النفسية للشخصيات، ويمنحان المشهد عمقًا وتأثيرًا أكبر.
* في أعمالكِ، نلاحظ تداخلاً بين السرد القصصي والتوثيق الحقيقي لشهادات النساء؛ كيف نجحتِ في دمج الأسلوب التوثيقي بالبناء الأدبي الإبداعي؟
– نعم، أستند إلى الواقع وأستلهم منه، لكنني لا أنقله كما هو، بل أعيد صياغته داخل بناء روائي يحافظ على الجانب الإنساني والفني، حتى تصل رسالتي إلى القراء دون أن يفقد النص هويته الأدبية
*تكتبين باسمك الحقيقي وتنشطين أدبيًا بلقب “الكاتبة نورس”؛ كيف يسهم هذا اللقب في التعبير عن هويتكِ ورسالتكِ كطائر يحلق فوق قضايا المجتمع؟
– اخترت لقب “نورس” لأنه يجسد هويتي في مجال الكتابة، ويعبر عن رسالتي التي تقول: «أحلّق في السماء وفي آفاقٍ أوسع مهما انكسرت أجنحتي.» ومع مرور الوقت، أصبح هذا الاسم يمثلني كإنسانة قبل أن يمثلني ككاتبة، وأصبح جزءًا من هويتي الأدبية، وليس مجرد اسم عابر. أشعر أنه يعبر عن رسالتي في كل مجال أنخرط فيه، ويسهم في إيصال رسالتي الأدبية والاستمرار في التحليق رغم كل الصعوبات.
* كمحررة في “مدونة أجنحة النصر” وفاعلة رقمية؛ كيف تخدم منصات النشر الرقمي الكاتب المعاصر في إيصال صوته بعيدًا عن كواليس النشر التقليدي؟
– أرى أن منصات النشر الرقمي أصبحت اليوم أكثر تطورًا ودعمًا للكتّاب مما كانت عليه في السابق، فقد فتحت أمامهم أبوابًا أوسع لتحقيق أهدافهم وإيصال رسائلهم إلى شريحة أكبر من القراء. كما منحت الكتّاب المبتدئين فرصة لإبراز مواهبهم والوصول إلى القراء دون انتظار فرص النشر التقليدية. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت في تقوية العلاقة بين الكاتب والقارئ، وجعلت التواصل بينهما أكثر قربًا وتفاعلًا، كما أتاحت لكثير من المواهب فرصة للظهور وإبراز أعمالهم المميزة.
*من خلال تفاعلكِ الرقمي، تشرفين على مسابقات أدبية لدعم المواهب؛ ما الذي يضيفه هذا الاحتكاك بالأقلام الناشئة لشخصيتكِ الإبداعية؟
– الاحتكاك بالمواهب الشابة والناشئة جعلني أكتشف تنوع الأساليب والأفكار واختلاف التجارب الأدبية، كما أدركت أن لكل كاتب صوته الخاص ولمسته الأدبية التي تميزه. وعلمني أيضًا أن الإبداع لا يرتبط بالعمر ولا بالشهرة، بل بالشغف والاجتهاد والصبر. لذلك زاد هذا الاحتكاك من رغبتي في التعرف إلى هذه المواهب ودعمها وتشجيعها على الاستمرار وتقديم الأفضل، لأنني أؤمن أن النجاح يتسع للجميع، وليس حكرًا على شخص واحد، وأن دعم الآخرين لا ينقص من نجاحنا ولا من قيمتنا. كما أؤمن أن النجاح يتسع للجميع، وليس حكرًا على شخص واحد، وأن دعم الآخرين لا ينقص من نجاحنا ولا من قيمتنا. فأنا أؤمن أن النجاح الذي نحققه اليوم هو رزق من الله، والله هو من كتبه لنا، فلماذا نحرم غيرنا من فرصة النجاح؟ بل يجب أن نكون سببًا في نجاحهم لا عائقًا أمامهم، وأن نتمنى لهم الخير من قلوبنا، وأن نكون قدوة حسنة في النجاح، لا العكس. فما نزرعه اليوم من خير سنحصد ثماره غدًا
* تشاركين في مبادرات ثقافية وطنية؛ كيف تقيّمين حضور الأدباء الشباب اليوم في الندوات والوسط الثقافي الجزائري؟
– أرى أن شباب اليوم مبدعون، وأصبح حضورهم وإبداعهم أكثر وضوحًا مما كان عليه في السابق. ففي الماضي لم تكن الفرص متاحة لهم بالشكل الذي نراه اليوم، أما الآن فأصبحوا يشاركون في المسابقات الأدبية، ويكتبون ويؤلفون الكتب، وهذا شيء يسعدني كثيرًا، لأنه يدل على أن لدينا شبابًا يحملون رسائل هادفة يسعون إلى إيصالها للقارئ.
وأنا أدعمهم وأشجع كل موهبة تستحق الفرصة، لكنني أرى أنهم ما زالوا بحاجة إلى مزيد من الدعم، وإلى إنشاء نوادٍ وورشات أدبية خاصة بهم، مع إتاحة الفرص للمشاركة في الفعاليات الثقافية، حتى يتمكنوا من إبراز مواهبهم أكثر والوصول إلى شريحة أوسع من القراء.
* كيف تقيسين صدى أعمالكِ وتفاعل القراء مع قضاياكِ من خلال الفضاء الرقمي، وهل يؤثر هذا التفاعل المباشر على طريقة كتابتكِ وصياغتكِ للنصوص؟
– أقيس صدى أعمالي من خلال تفاعل القراء مع الشخصيات والرسائل وتأثيرها فيهم، أكثر من عدد القراء فقط. فعندما يخبرني أحد القراء أن شخصية أثرت فيه، أو أن رسالة من رسائلي جعلته يعيد التفكير في نفسه أو في نظرته إلى الحياة، أشعر حينها أن عملي حقق هدفه، وهذا هو النجاح الحقيقي بالنسبة لي. أما تفاعل القراء، فأنا أقدّره كثيرًا، وأستفيد من النقد البنّاء الذي يساعدني على التطور والتقدم نحو الأفضل، لكنه لا يدفعني إلى تغيير هويتي الأدبية أو أسلوبي من أجل إرضاء الجميع، لأنني راضية عن أسلوبي، وأؤمن أن لكل كاتب بصمته الخاصة، وليس من الواجب أن نكتب لإرضاء جميع القراء، بل أن نكون صادقين مع رسالتنا الأدبية.