المحامي عرفان الداوودي
الاختصاص الدستوري يحسم الجدل
في قرار قضائي يحمل دلالات قانونية ودستورية مهمة، ردّت المحكمة الاتحادية العليا في العراق خمس دعاوى قضائية أُقيمت ضد عدد من مسؤولي حكومة إقليم كوردستان، مؤكدة أن موضوع النزاع المطروح أمامها يخرج عن نطاق اختصاصها الدستوري والقانوني.
وبحسب المعلومات المنشورة، فإن أربعاً من هذه الدعاوى أقامها وزير المالية العراقي السابق، والمديران العامان لمصرفي الرافدين والرشيد، والمدير العام للشركة الوطنية للتأمين، ضد كل من رئاسة إقليم كوردستان ورئيس حكومة الإقليم ووزير العدل في حكومة الإقليم.
وتتعلق الدعاوى بقرار صادر عن حكومة إقليم كوردستان في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1992، والذي ترتب عليه نقل ملكية العقارات العائدة للحكومة العراقية والواقعة ضمن حدود الإقليم إلى وزارة المالية والاقتصاد في حكومة إقليم كوردستان.
الاختصاص قبل الموضوع
وتكمن الأهمية القانونية للقرار في أن المحكمة الاتحادية لم تدخل في جوهر النزاع المتعلق بملكية العقارات أو مدى صحة القرار الصادر عام 1992، وإنما حسمت المسألة من زاوية الاختصاص القضائي.
فمن المبادئ الأساسية في القضاء الدستوري أن المحكمة لا تنظر في أي نزاع إلا ضمن الحدود التي رسمها الدستور والقانون لاختصاصها. ولذلك، فإن رد الدعاوى لعدم الاختصاص لا يعني بالضرورة حسم أصل الحق المتنازع عليه لصالح أحد الأطراف، وإنما يعني أن المحكمة الاتحادية رأت أن هذا النوع من النزاع لا يدخل ضمن ولايتها القضائية.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين رد الدعوى لعدم الاختصاص وبين الحكم في موضوع الدعوى؛ فالأول يتعلق بحدود السلطة القضائية التي تنظر النزاع، أما الثاني فيتعلق بالحقوق والالتزامات وأصل الموضوع المتنازع عليه.
دلالة القرار على العلاقة بين بغداد وأربيل
ويكتسب القرار أهمية سياسية ودستورية أكبر، نظراً إلى أن ملف العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان لا يزال من أكثر الملفات تعقيداً في النظام الاتحادي العراقي، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالملكية والإدارة والصلاحيات والموارد والعقارات الواقعة ضمن حدود الإقليم.
ومن الناحية السياسية، يؤكد القرار أن معالجة الملفات العالقة بين بغداد وأربيل ينبغي أن تستند إلى الدستور والقوانين النافذة، وأن الخلافات السياسية والإدارية لا يمكن أن تتحول تلقائياً إلى نزاعات تدخل ضمن اختصاص المحكمة الاتحادية ما لم تتوافر الشروط الدستورية والقانونية لذلك.
كما أن القرار يسلط الضوء مجدداً على ضرورة معالجة الملفات التاريخية العالقة بين الطرفين من خلال المؤسسات الدستورية والقانونية المختصة، بعيداً عن التصعيد السياسي أو توظيف القضاء في الخلافات الإدارية والسياسية.
احترام الاختصاصات الدستورية
إن احترام قرارات القضاء واختصاصاته يمثل ركناً أساسياً في بناء الدولة الاتحادية وسيادة القانون. وفي المقابل، فإن تحديد الجهة القضائية أو الدستورية المختصة بأي نزاع يضمن عدم تجاوز المؤسسات لصلاحياتها، ويحافظ على التوازن بين السلطات.
وعليه، فإن رد المحكمة الاتحادية العليا لهذه الدعاوى الخمس لعدم الاختصاص يمثل قراراً مهماً من زاوية الاختصاص الدستوري، ويعيد التأكيد على قاعدة جوهرية في النظام القضائي: لا يكفي وجود نزاع حتى تتدخل المحكمة، بل يجب أن يكون النزاع داخلاً ضمن حدود الاختصاص التي رسمها الدستور والقانون.
ويبقى حسم أصل الخلاف، إن كان هناك حق يحتاج إلى حماية أو نزاع يحتاج إلى تسوية، مرتبطاً بالجهة القضائية أو القانونية التي منحها الدستور والقانون صلاحية النظر فيه، وبما يضمن حماية حقوق الدولة الاتحادية وإقليم كوردستان في آن واحد، وترسيخ مبدأ سيادة القانون والاحتكام إلى الدستور.
إن قرار المحكمة الاتحادية ليس مجرد رد لخمس دعاوى، بل رسالة قانونية واضحة بأن الاختصاص القضائي هو بوابة العدالة، وأن حل الخلافات بين بغداد وأربيل يجب أن يكون عبر الدستور والقانون والمؤسسات المختصة، لا عبر الضغوط السياسية أو المناكفات الإعلامية.