كاظم الساهر في ضوء علم اجتماع الفن

إبراهيم السعدي / باريس

عندما نتحدث عن كاظم الساهر، قد لا يكفي اختزاله في صورة المغني أو الملحن او المؤلف الموسيقي لفهم مكانته في الثقافة العربية المعاصرة. فبعد مسيرة امتدت عقودًا، أصبح اسمه مركزًا لمشروع تتقاطع فيه القصيدة والموسيقى والأداء المسرحي والإنتاج الإعلامي والجمهور. ومن منظور علم اجتماع الفن، يمكن النظر إليه بوصفه مؤسسة فنية رمزية، لا بالمعنى القانوني أو الإداري، بل باعتباره محورًا لشبكة واسعة من العلاقات والممارسات والقيم الثقافية.
تساعدنا أفكار عالم الاجتماع الأميركي هوارد بيكر، ولا سيما مفهومه عن عوالم الفن، على فهم هذه الظاهرة. فبيكر يرى أن العمل الفني لا يصنعه فرد منعزل، مهما بلغت موهبته، وإنما ينشأ من تعاون عدد كبير من المشاركين: الشاعر والملحن والموزع والعازفون ومهندسو الصوت وشركات الإنتاج ومنظمو الحفلات ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، إضافة إلى الجمهور.
وفق هذا التصور، ليست الأغنية الساهرية نتاج صوت منفرد، بل حصيلة سلسلة من العمليات الجماعية تبدأ باختيار النص، وتدقيقه ومراجعته من قبل الفنان ، ثم تلحينه وتوزيعه وتسجيله، وتنتهي بنشره وأدائه وتلقيه. ومع ذلك، لا يحتل الساهر موقعًا عاديًا داخل هذه الشبكة؛ فقد استطاع، بصفته مغنيًا وملحنًا وصاحب رؤية فنية، أن يكون مركزها التنظيمي والرمزي، وأن يمنح العناصر المشاركة فيها هوية يمكن للجمهور تمييزها.
تتجلى هذه الهوية في عدد من السمات المتكررة، أبرزها مركزية الشعر، والعناية بالعلاقة بين الكلمة واللحن، والحضور القوي للقصيدة الفصحى، والتوزيع الأوركسترالي، والأداء العاطفي على المسرح. وقد أتاح هذا الأسلوب تقديم نصوص شعرية إلى جمهور واسع من دون تجريدها تمامًا من لغتها وجمالياتها. وهكذا تحولت القصيدة المغناة، في تجربته، من لون يُنظر إليه أحيانًا بوصفه نخبويًا إلى جزء من الثقافة الجماهيرية العربية.
ولا يعمل عالم الفن في فراغ أو انسجام كامل؛ إذ يخضع لمفاوضات مستمرة بين الرؤية الجمالية ومتطلبات السوق، وبين طموح الفنان وتوقعات الجمهور وشروط المنتجين ومنظمي الحفلات. ويمكن قراءة استمرارية الساهر باعتبارها نتيجة قدرته على إدارة هذا التوازن: المحافظة على سمات مشروعه الفني، مع الاستجابة بدرجات مختلفة لمقتضيات الانتشار والإنتاج والحضور الجماهيري.
كما أسهم انتقاله بين مدن عربية وعالمية في توسيع المجال الاجتماعي لمشروعه. فقد حمل معه عناصر من الذاكرة الموسيقية العراقية، وانفتح على شبكات إنتاج وتوزيع عربية أوسع، ثم وصل إلى جمهور عربي في المهجر. وبذلك تجاوزت أغنيته الحدود المحلية، وأصبح صوته عند شرائح من المستمعين مرتبطًا بمعاني الحب والوطن والحنين والاغتراب.
ومن هنا تبرز أهمية الجمهور في صناعة مكانته. فالجمهور، في علم اجتماع الفن، ليس مستهلكًا سلبيًا؛ إنه يشارك في إنتاج القيمة الاجتماعية للعمل من خلال الاستماع والحضور والتداول والتذكر وإعادة التفسير. وعندما ترتبط أغنية بمرحلة من حياة المستمع أو بذكرى حب أو سفر أو فراق، فإنها تتحول من مادة موسيقية إلى وعاء للذاكرة الشخصية. ومع تكرار هذه التجربة لدى جمهور واسع، تصبح الأغاني جزءًا من ذاكرة عاطفية جمعية.
وتتضح هذه العلاقة في الحفلات، حيث لا يقف الفنان منفردًا أمام الجمهور، بل يظهر ضمن منظومة تضم الفرقة الموسيقية وتقنيات الصوت والإضاءة والإدارة والتنظيم والإعلام. أما الجمهور، فيستقبل الفنان محمّلًا بتاريخ سابق من الأغاني والصور والذكريات. ويمكن استكمال رؤية بيكر بأفكار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو عن «الحقل الفني» و«رأس المال الرمزي». فإذا كان بيكر يوضح كيف يُنتَج الفن من خلال التعاون، فإن بورديو يلفت إلى المنافسة داخل المجال الثقافي على الاعتراف والشرعية وتحديد ما يُعد فنًا ذا قيمة. ومن هذه الزاوية، راكم القيصر كاظم الساهر عبر مسيرته رصيدًا من الشهرة والتقدير والثقة الجماهيرية، منحه قدرًا كبيرًا من الاستقلال في اختيار نصوصه وصياغة صورته الفنية.

قد يعجبك ايضا