أحمد مصطفى محمود الزهاوي.. فنان عراقي شامل يحمل ذاكرة خانقين في الخط والنحت والرسم

بغداد/ التآخي

في عالم الفن، هناك أسماء لا تكتفي بتخصص واحد، بل تحاول أن تجمع أكثر من لون إبداعي لتصنع لنفسها حضوراً مميزاً. ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان أحمد مصطفى محمود الزهاوي، ابن مدينة خانقين، الذي جمع بين الخط العربي والرسم والنحت، وواصل مسيرته الفنية والأكاديمية على مدى عقود، حاملاً معه ذاكرة المكان وتفاصيل الإنسان العراقي والكوردي.

ولد الزهاوي عام 1962 في منطقة مزرعة بمدينة خانقين، ونشأ محباً للفن، قبل أن ينتقل إلى الدراسة الأكاديمية المتخصصة، ويحصل عام 1988 على شهادة البكالوريوس من أكاديمية الفنون الجميلة، اختصاص النحت. ولم تتوقف رحلته عند الدراسة الجامعية، إذ حصل لاحقاً على شهادة الماجستير من جامعة صلاح الدين عام 2010، ليجمع بين الممارسة الفنية والتخصص الأكاديمي.

من الخط العربي إلى عالم النحت

لم يكن النحت وحده المجال الذي ترك فيه الزهاوي بصمته؛ فقد كان للخط العربي مكانة خاصة في مسيرته. ويذكر الفنان أن بداياته في هذا المجال ارتبطت بالخطاط العراقي الكبير الراحل الحاج خليل الزهاوي، الذي تعلم على يديه أصول الخط وفنونه، الأمر الذي ترك أثراً واضحاً في تجربته الفنية.

كما يحتفظ الزهاوي بذكرى تكريم من أحد كبار الخطاطين العراقيين، الراحل مهدي الجبوري، الذي منحه شهادة تقديرية خلال مشاركته في معرض للخط العربي في بغداد. ويبدو أن العلاقة بين الزهاوي والفن لم تكن علاقة مهنية عابرة، بل تحولت إلى أسلوب حياة، وهو ما يلخصه بقوله:

“النحت هو كل حياتي، وكما أن الطبيب يكتب وصفة لثلاث وجبات، فأنا أيضاً لدي ثلاث وجبات فنية.” وهي عبارة تختصر رؤيته للفن باعتباره ممارسة يومية متكاملة لا تقتصر على أداة أو مدرسة واحدة.

الطين والمواد الصناعية.. أدوات لصناعة الذاكرة

في أعماله النحتية، يستخدم الزهاوي الطين وبعض المواد الصناعية في تشكيل منحوتاته، محاولاً تحويل المادة الجامدة إلى ملامح إنسانية تحمل إحساساً وقصة.
وتتميز تجربته بتركيز واضح على الوجوه والتفاصيل الإنسانية؛ فالوجه بالنسبة إليه ليس مجرد ملامح، بل سجلّ تختزن فيه الحياة أفراح الإنسان وآلامه وتجربته. ومن يتأمل أعماله يجد اهتماماً خاصاً بالتجاعيد والخطوط وتفاصيل الوجوه، باعتبارها لغة أخرى يمكن من خلالها قراءة حكايات الناس والأمكنة والأزمنة.

وفي أجواء أربيل، وبالقرب من أسواقها الشعبية وقلعتها التاريخية الشهيرة، وجد الزهاوي مساحة واسعة للتفاعل مع الناس والموروث الشعبي، فكان يرصد بعينه الفنية الألوان والملامح والتفاصيل اليومية، ثم يعيد صياغتها من خلال النحت والرسم والخط.

مشاركات داخل العراق وخارجه

شارك الفنان أحمد الزهاوي في عدد من المعارض والمهرجانات الفنية داخل العراق وخارجه، وأقام ستة معارض شخصية في بغداد وأربيل وخانقين، كما شارك في فعاليات فنية متعددة، من أبرزها:

* معرض الواسطي في بغداد عام 1990.
* مهرجان الخط والزخرفة الإسلامية في بغداد عام 1994.
* معرض الفنانين الكورد في كركوك عام 2003.
* معرض فناني أربيل عام 2002.
* عدد من المعارض والمهرجانات الفنية الأخرى.
* حصوله على شهادات تقديرية عديدة تقديراً لمشاركاته الفنية.

ولم تتوقف أعماله عند حدود العراق، إذ توجد له أعمال في عدد من الدول العربية والأجنبية، ومنها ألمانيا وفرنسا وسوريا والأردن، وهو ما يعكس امتداد تجربته الفنية خارج البيئة المحلية.

“البيشمركة”.. عمل نحتي يحمل دلالة المكان

ومن الأعمال التي ارتبطت باسم الزهاوي نصب نحتي يجسد البيشمركة، أي المقاتل الكوردي، أقيم في بارك المنارة بأربيل عام 2004. ويمثل هذا العمل جانباً مهماً من تجربة الفنان في التعامل مع الشخصيات والرموز ذات الدلالة التاريخية والاجتماعية، وتحويلها من فكرة ذهنية إلى عمل فني مجسم يمكن أن يبقى شاهداً في المكان.

عضوية في المؤسسات الفنية

ينتمي الزهاوي إلى عدد من المؤسسات الفنية العراقية والكردستانية، فهو:

* عضو جمعية الخطاطين العراقيين.
* عضو اتحاد فناني كوردستان.
* عضو نقابة الفنانين العراقيين.

كما يعمل حالياً مدرساً مساعداً في كلية الفنون الجميلة بجامعة صلاح الدين، الأمر الذي جعله يجمع بين التجربة الفنية الميدانية والعمل الأكاديمي، ونقل خبرته إلى الأجيال الجديدة من طلبة الفن.

تكريمات وشهادات تقدير

خلال مسيرته، حظي الزهاوي بعدد من شهادات التقدير والتكريم، ومن بين الشخصيات التي كرّمته يحيى مرجان، أحد رواد أربيل، وذلك خلال مهرجان تشكيلي لفناني الكورد أقيم في قاعة شاندر بأربيل. كما تلقى تكريمات من عدد من رؤساء جامعة صلاح الدين في أربيل، ومنهم الدكتور محمد خوشناو، والدكتور أحمد دزيي، والدكتور جوهر فتاح، إضافة إلى شخصيات أكاديمية وفنية أخرى.

وتكشف هذه التكريمات عن حضور الزهاوي ليس بوصفه فناناً فقط، وإنما باعتباره شخصية فنية وأكاديمية أسهمت في النشاط التشكيلي والتعليم الفني.

الإعلام يتابع التجربة

حظيت تجربة الزهاوي باهتمام عدد من وسائل الإعلام، حيث أجريت معه لقاءات تناولت أعماله الفنية ومشاركاته في المعارض والمؤتمرات، ومن بينها لقاءات مع قناة وار، وقناة الفرات العراقية، وقناة الشرقية، تحدث خلالها عن تجربته الفنية ومسيرته في الخط والرسم والنحت.

كما قدم خلال مسيرته الدراسية والأكاديمية عدداً من المحاضرات الفنية في كلية الفنون الجميلة، وأسهم في النشاطات الثقافية والفنية المرتبطة بالمؤسسة الأكاديمية.

فنان بثلاثة ألوان

ما يميز تجربة أحمد الزهاوي أنه لم يتعامل مع الخط والرسم والنحت باعتبارها عوالم منفصلة، وإنما حاول أن يجعل بينها جسراً مشتركاً. فالخط منحه دقة التعامل مع التفاصيل، والرسم منحه مساحة للتعبير عن اللون والشكل، أما النحت فأتاح له تحويل الفكرة إلى كتلة وحضور ملموس.

ومن هنا يمكن قراءة تجربته باعتبارها محاولة مستمرة للإجابة عن سؤال: كيف يمكن للفنان أن يحفظ ذاكرة الإنسان والمكان من خلال العمل الفني؟ ففي وجوه منحوتاته حكايات، وفي خطوطه ذاكرة، وفي لوحاته ألوان تنتمي إلى البيئة التي عاش فيها وتفاعل معها.

خانقين.. البداية التي بقيت حاضرة

ورغم انتقال الزهاوي إلى فضاءات أكاديمية وفنية واسعة في بغداد وأربيل وغيرها، فإن خانقين بقيت حاضرة في ذاكرته وتجربته. فالمدينة التي ولد فيها عام 1962 لم تكن مجرد مكان للولادة، بل كانت البيئة الأولى التي تشكلت فيها رؤيته للإنسان والمكان والتنوع الثقافي والجمالي.

وبين خانقين وأربيل وبغداد، امتدت رحلة الفنان من الخط إلى الرسم ومن الرسم إلى النحت، ومن قاعات المعارض إلى الجامعة، حاملاً معه تجربة تجاوزت أربعة عقود من العمل والتعلم والمشاركة.

خاتمة

إن تجربة الفنان أحمد مصطفى محمود الزهاوي تستحق التوثيق والقراءة، ليس لأنه جمع بين الخط والرسم والنحت فحسب، بل لأنه جعل من الفن وسيلة لحفظ الذاكرة الإنسانية وتسجيل تفاصيل المجتمع. وبين أصابع الفنان والمادة التي يشكلها، تتحول الوجوه إلى حكايات، والخطوط إلى ذاكرة، والطين إلى تاريخ صامت.

وهكذا يواصل ابن خانقين رحلته الفنية، مؤمناً بأن الفن ليس ترفاً، وإنما ذاكرة الشعوب ولغة الإنسان التي تبقى حين تصمت الكلمات.

قد يعجبك ايضا