القاهرة وكوردستان.. جسور من التعاون والثقافة والإعلام

رضوى السيسي

تأتي الذكرى الثمانون لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، في السادس عشر من أغسطس، لتفتح مجدداً مساحة للتأمل في تاريخ طويل من النضال السياسي والثقافي، وفي العلاقات التي جمعت الشعب الكوردي بمصر، تلك العلاقات التي لم تكن يوماً محصورة في الإطار السياسي، وإنما امتدت إلى الثقافة والإعلام والتواصل الإنساني، لتصنع جسوراً راسخة بين شعبين يجمعهما تاريخ عريق واحترام متبادل.

وتحظى العلاقات المصرية الكوردية بأهمية خاصة، في ظل المكانة التي تمثلها مصر في الوعي الكوردي، والمكانة التي تحتلها القضية والثقافة الكوردية في المشهد الإقليمي. ولعل من أبرز صفحات هذا التاريخ استقبال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للزعيم الكوردي ملا مصطفى بارزاني في القاهرة عام 1958، في محطة تاريخية عكست اهتمام مصر بقضايا المنطقة وشعوبها، ورسخت أحد أوجه التواصل بين القاهرة والحركة الكوردية.

وفي تقديري، فإن تعزيز العلاقات بين مصر وكوردستان لا ينبغي أن يتوقف عند حدود العلاقات الرسمية، بل يحتاج دائماً إلى مساحات أوسع من التواصل الشعبي والثقافي والإعلامي، لأن الثقافة والمعرفة المتبادلة تمثلان أساساً حقيقياً لأي علاقة مستدامة بين الشعوب. ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يقوم به مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني في القاهرة، باعتباره جسراً للتواصل والحوار والتعريف بالمجتمع والثقافة والتاريخ الكوردي لدى المصريين، وفي الوقت نفسه تعزيز معرفة الشعب الكوردي بمصر ودورها ومكانتها.

وقد استطاع المكتب، من خلال نشاطه وتواصله مع المؤسسات الإعلامية والثقافية والشخصيات العامة، أن يخلق مساحات للحوار والتقارب، وأن يجعل من القاهرة منصة مهمة للتعريف بالقضية الكوردية وثقافة الشعب الكوردي، بعيداً عن الصور النمطية أو التناول السياسي الضيق.

وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن جهود المكتب في القاهرة دون الإشادة بالدور الذي يقوم به الأستاذ شيركو حبيب، الذي يمثل نموذجاً مهماً للدبلوماسية الثقافية والإعلامية، من خلال حرصه المستمر على بناء جسور التواصل بين المصريين والكورد، وفتح أبواب الحوار أمام الإعلاميين والمثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن الكوردي.

لقد أدرك شيركو حبيب أن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط عبر اللقاءات الرسمية، وإنما عبر الإنسان والثقافة والكلمة والإعلام. ولذلك كان حاضراً في العديد من الفعاليات والمناسبات التي أسهمت في تعريف المجتمع المصري بالثقافة والتاريخ الكوردي، وفي تقريب المسافات بين الصحفيين والإعلاميين المصريين ونظرائهم الكورد.

وأرى أن ما يقوم به شيركو حبيب يتجاوز الدور التقليدي للمسؤول السياسي أو الحزبي، ليأخذ بعداً إنسانياً وثقافياً وإعلامياً مهماً؛ فهو حريص على أن تكون القاهرة مساحة للتلاقي، وأن يتحول الاختلاف الجغرافي والثقافي إلى فرصة للتعرف والتقارب وليس إلى حاجز يفصل بين الشعوب.

ومن أجمل التجارب التي عززت لديّ هذا الشعور بعمق العلاقة بين مصر وكوردستان، زيارتي إلى أربيل خلال الاحتفال باختيارها عاصمة السياحة العربية. كانت الزيارة فرصة لاكتشاف وجه آخر من جمال كوردستان، بعيداً عن الصورة التي قد تنقلها الأخبار والسياسة. رأيت أربيل وما حولها وكأنها جنة من جنان الله على الأرض؛ بطبيعتها الساحرة، وجبالها الشامخة، وثلوجها التي تمنح المكان سحراً خاصاً، إلى جانب دفء أهلها وكرمهم وأصالتهم. وكانت تلك الزيارة بالنسبة لي تجربة إنسانية وثقافية لا تُنسى، أكدت لي أن كوردستان تمتلك مقومات سياحية وثقافية هائلة، وأن تعريف المصريين والعرب بهذا الجمال يمكن أن يكون جسراً جديداً من جسور التعاون والتقارب بين الشعوب.

كما أن اهتمام شيركو حبيب بالإعلام والصحافة يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية الكلمة في بناء العلاقات. فالصحفي يستطيع أن يكون جسراً بين المجتمعات، وأن يقدم للآخر صورة أكثر صدقاً وموضوعية عن شعبه وثقافته وقضاياه. ومن هنا تأتي أهمية دعم التواصل بين الصحافة المصرية والكوردية، وخلق فرص أكبر للتعاون وتبادل الخبرات والزيارات والفعاليات المشتركة.

وأغتنم هذه المناسبة لأعبر عن خالص شكري وتقديري للأستاذ شيركو حبيب على تكريمه لي بمناسبة عيد الصحافة الكوردية، وهو تكريم أعتز به كثيراً، ليس فقط لأنه يمثل تقديراً شخصياً، وإنما لأنه يعكس قيمة التواصل بين الصحافة المصرية والكوردية، ويؤكد أن الإعلام يمكن أن يكون جسراً حقيقياً للصداقة والتفاهم بين الشعوب.

وأعتبر هذا التكريم رسالة تقدير متبادلة بين صحفيين يؤمنون بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، وإنما مسؤولية ورسالة، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تفتح أبواباً للحوار قد تعجز السياسة أحياناً عن فتحها.

وفي الحقيقة، فإن تقديري لشيركو حبيب لا يرتبط فقط بهذا التكريم، وإنما بما لمسته طوال فترة التواصل معه من اهتمام حقيقي بتعزيز العلاقات المصرية الكوردية، وحرص على مد جسور التعاون مع الإعلام والثقافة والمجتمع المصري. وهذه الجهود تستحق الإشادة، لأنها تسهم بهدوء وثبات في بناء صورة أكثر قرباً وتفهماً بين الشعبين.

كل التقدير لشيركو حبيب على جهوده، وكل الأمنيات بأن تظل الكلمة جسراً يجمع القاهرة بكوردستان، وأن تظل الثقافة والإعلام عنواناً للصداقة والتعاون بين الشعبين.

قد يعجبك ايضا