زەنون سلێڤاني – زاخو
تظل القضايا الوطنية الكبرى في تاريخ الشعوب والدول محطات مفصلية تختبر صلابة الإرادة السياسية، وقدرة الأنظمة والحكومات على إيجاد حلول جذرية وعادلة تضمن الاستقرار وترسّخ أسس التعايش السلمي. ومن بين أبرز هذه القضايا في تاريخ العراق المعاصر، تبرز المادة (140) من الدستور العراقي بوصفها إحدى أهم الآليات الدستورية والقانونية والسياسية لمعالجة تركة ثقيلة من سياسات التغيير الديموغرافي والإجراءات القسرية التي شهدتها مناطق واسعة من البلاد، وفي مقدمتها محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها.
الجذور التاريخية للمعاناة
لم تأتِ المادة (140) من فراغ، بل جاءت تتويجاً لمسار طويل من المعاناة والمظالم التي تعرض لها سكان تلك المناطق على مدى عقود. فقد شهدت هذه المناطق سياسات ممنهجة استهدفت تغيير واقعها الديموغرافي وطمس هويتها التاريخية، من خلال التهجير القسري، ومصادرة الأراضي والممتلكات، ونقل السكان وإعادة توزيعهم لأغراض سياسية، الأمر الذي أسهم في إحداث تغييرات عميقة في تركيبتها السكانية والاجتماعية.
وقد أفضت هذه السياسات إلى تراكم مشاعر المظلومية والاحتقان، وإلى استمرار حالة من عدم الاستقرار وعدم اليقين السياسي والاجتماعي، ما جعل معالجة آثارها بصورة عادلة ومنصفة ضرورة أساسية لبناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً، وترسيخ الثقة بين مختلف مكونات تلك المناطق.
فلسفة المادة وآليتها الدستورية
جاءت المادة (140) لتضع خارطة طريق دستورية لمعالجة هذه الإشكالية، من خلال ثلاث مراحل رئيسية ومترابطة، هي: التطبيع، والإحصاء، والاستفتاء. وتتمثل مرحلة التطبيع في معالجة الآثار المترتبة على سياسات التغيير السابقة، بما في ذلك إعادة المهجّرين والمرحلين إلى مناطقهم الأصلية، وتسوية أوضاعهم، وتعويض المتضررين وفقاً للقانون. أما مرحلة الإحصاء، فتتعلق بإجراء تعداد سكاني دقيق وشفاف، بهدف تحديد الواقع السكاني والإداري للمناطق المعنية بصورة واضحة وموثوقة. في حين تمثل مرحلة الاستفتاء الخطوة التي يُترك فيها لسكان تلك المناطق التعبير عن إرادتهم وتحديد وضعها الإداري والسياسي، وفقاً للآليات الديمقراطية التي نص عليها الدستور.
وقد صُممت هذه المراحل الثلاث لتشكّل مساراً متكاملاً يربط بين معالجة إرث الماضي وبناء مستقبل أكثر استقراراً، على أساس مبادئ العدالة، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون، وحق المواطنين في تقرير شؤون مناطقهم بالوسائل الديمقراطية.
تحديات التطبيق وعقبات التنفيذ
على الرغم من الأهمية الدستورية والسياسية للمادة (140)، وما تمثله من إطار لمعالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في العراق، فإن تنفيذها واجه، ولا يزال يواجه، جملة من التحديات السياسية والأمنية والإدارية. وقد أسهمت الخلافات السياسية والتجاذبات الحزبية، إلى جانب غياب التوافق المطلوب في مراحل مختلفة، في إعاقة استكمال الإجراءات المنصوص عليها، الأمر الذي أبقى ملف المناطق المتنازع عليها مفتوحاً، وألقى بظلاله على الواقع السياسي والاجتماعي والأمني فيها.
إن استمرار تعطيل هذا المسار لا يخدم مصلحة أي طرف، بل قد يفتح المجال أمام المزيد من التوترات والاستقطاب والتوظيف السياسي للقضايا القومية والمجتمعية، بما يهدد النسيج الاجتماعي المتنوع الذي تتميز به كركوك وغيرها من المناطق المشمولة بالمادة (140).
نحو إرادة سياسية حقيقية
إن تفعيل المادة (140) والالتزام بمراحل تنفيذها لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد استحقاق دستوري مؤجل، بل بوصفه جزءاً من مسؤولية وطنية أوسع تتصل باستقرار العراق وترسيخ وحدته وتعزيز التعايش بين مكوناته. فالعدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، والاستقرار المستدام لا يمكن أن يُبنى على تجاهل الحقوق أو تأجيل معالجة الأزمات. ومن هنا، فإن الوصول إلى حلول عادلة ودائمة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وحواراً مسؤولاً بين مختلف الأطراف، بعيداً عن الحسابات الحزبية والآنية.
ويتطلب الواقع العراقي اليوم من القوى السياسية الوطنية والمحلية تغليب المصلحة العامة، وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش السلمي، والاحتكام إلى الدستور والقانون، والعمل على معالجة الملفات العالقة بروح الشراكة والمسؤولية الوطنية. إن إنصاف المتضررين، ومعالجة آثار سياسات الماضي، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وضمان مشاركة جميع المكونات في إدارة شؤون مناطقها بحرية وكرامة، تمثل ركائز أساسية لبناء الثقة وإرساء الاستقرار.
وبهذا المعنى، فإن تنفيذ المادة (140) لا ينبغي أن يكون مدخلاً جديداً للصراع أو التنافس السياسي، بل فرصة لمعالجة إرث تاريخي معقد، وتحويل كركوك والمناطق المتنازع عليها من ساحات للتوتر والتجاذب إلى جسور للتعايش والسلام، ونماذج حقيقية للشراكة الوطنية القائمة على العدالة والمواطنة واحترام التنوع.
وفي نهاية المطاف، فإن قوة الدستور لا تُقاس فقط بما يتضمنه من نصوص، وإنما بمدى قدرة الدولة ومؤسساتها وقواها السياسية على تحويل تلك النصوص إلى واقع ملموس، وبناء حلول عادلة ومستدامة للقضايا الوطنية الكبرى.