فراس الحمداني .
أنا ومثلي الاخرين بمواقع مختلفة .. من ابناء بيئة شكلت فينا منذ الولادة مسلمات تبدو للكثيرين بانها بديهية لا تقبل النقاش وقد حملتني هذه البيئة إلى أقصى ما يمكن أن أذهب إليه من دون أن أغادرها حملتني إلى مساحة أستطيع فيها أن أرى الآخر من دون أن أتخلى عن نفسي وأظن أن هذه هي المساحة التي نحتاجها اليوم في العراق أكثر من أي وقت مضى ..
وانوه مقدما” بأني لا أدعو أحدا إلى التخلي عن مذهبه .. لا أطلب من السني أن يتخلى عن سنته ولا من الشيعي أن يتخلى عن شيعيته ولا من أي عراقي أن يتنكر لقناعته الدينية أو هويته الثقافية وإنما أدعو إلى أن نضع كل ذلك في مكانه الصحيح وأن ندرك أن ما يجمعنا بوصفنا عراقيين أكبر من كل ما يمكن أن يفرقنا بوصفنا أبناء مذاهب وانتماءات مختلفة .. فلقد دفع العراق ثمنا باهظا حين أصبحت الهويات الفرعية معيارا للنظر إلى الإنسان .. وحين صار المذهب يسبق المواطنة في تعريف العراقي .. وحين أصبح الاختلاف في العقيدة أو الرأي سببا للشك والابتعاد وربما للعداء .. مع أن العراقي الذي يختلف معي في مذهبه قد يكون أقرب الناس إلي في الوطن والمصير والحياة اليومية .
إن العراق ليس ملكا لمذهب دون آخر وليس وطنا لطائفة دون سواها بل هو وطن الجميع ومن حق كل عراقي أن يحتفظ بعقيدته وخصوصيته وانتمائه ولكن ليس من حق أي انتماء أن يجعل من العراقي الآخر غريبا في وطنه .
ما يجمعنا ليس قليلا كما نحاول أحيانا أن نتصور فنحن أبناء أرض واحدة وتاريخ واحد وذاكرة واحدة ومصير واحد تجمعنا البيوت والأسواق والمدارس والجامعات وأماكن العمل وتجمعنا أفراحنا وأحزاننا ومخاوفنا وآمالنا ويجمعنا قبل ذلك كله وطن لا يستطيع أحد منا أن يحمل مستقبله منفردا ..
فالمرض لا يسأل عن المذهب والفقر لا يعرف الطائفة والدم العراقي حين يسفك لا يختلف في حرمته باختلاف هوية صاحبه وحين يواجه العراقي خطرا لا يبحث عن مذهب من يقف إلى جانبه وإنما يبحث عن أخيه وصاحبه وشريكه في الوطن .
ومن هنا فإن تغليب عراقيتنا لا يعني إلغاء مذاهبنا بل يعني أن نعيد ترتيب الأولويات وأن ندرك أن المذهب جزء من هويتنا وليس كل هويتنا وأن العراق هو المساحة التي تتسع لكل هذه الهويات من دون أن تتحول إلى خنادق متقابلة .
نحن لا نحتاج إلى عراق بلا مذاهب بل نحتاج إلى عراق لا تتحول فيه المذاهب إلى خصومات .. ولا نحتاج إلى أن نتشابه حتى نتعايش بل نحتاج إلى أن نحترم اختلافنا وأن نؤمن بأن الوطن الذي يتسع للجميع أقوى من وطن لا يرى إلا لونا واحدا ..
ولعلنا اليوم بحاجة إلى أن نلتقي عند كلمة سواء لا تطلب من أحد أن يتنازل عن عقيدته ولا تجبر أحدا على مغادرة هويته وإنما تقول ببساطة إننا حين يتعلق الأمر بالعراق يجب أن تتقدم عراقيتنا على كل انتماء فرعي وأن يكون اختلافنا في المذهب والرأي والسياسة أقل شأنا من اتفاقنا على حماية وطن واحد وبناء مستقبل واحد ..
العراق لا يحتاج منا أن نتخلى عن قناعاتنا .. العراق يحتاج منا صحوة انسانية وطنية مفادها ان العراق عراق الجميع ..
وعندما نصل إلى هذه الحقيقة سنكتشف أن عراقيتنا ليست هوية إضافية نضعها إلى جانب هوياتنا بل هي البيت الكبير الذي تتسع تحته كل هوياتنا .. لان العراق اكبر .