ا . د . قاسم المندلاوي
تُعدّ مندلي من المدن الكوردية الحدودية العريقة في العراق ، وقد عانت لعقود طويلة من الإهمال والتهميش وغياب المشاريع التنموية الحقيقية ، رغم ما تتمتع به من موقع جغرافي مهم وثروات زراعية وحيوانية ومعدنية، فضلًا عن مكانتها التاريخية والتجارية والسياحية .
ومنذ العهد الملكي ، عانت مندلي من أزمة مياه مزمنة ، أثّرت بصورة مباشرة في حياة سكانها وفي بساتينها المثمرة ، ولا سيما بعد قيام الجانب الإيراني بتحويل مجرى نهر مندلي والاستفادة من مياهه لصالح أراضيه ومزارعه . واستمرت أزمة المياه دون حلول جذرية في العهود السياسية المتعاقبة ، حتى في عهد الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم ، ثم بعد الانقلاب عليه ووصول القوميين والبعثيين إلى السلطة .
وخلال تلك العقود ، ازدادت معاناة مندلي ، وخصوصًا في ظل سياسات التهميش والإهمال التي طالت المدينة وسكانها. وجاءت–لتضيف فصلًا جديدًا من المأساة ، إذ تعرضت المدينة خلال الحرب العراقية – الإيرانية ( 1980 الى 1988) لدمار واسع طال بنيتها التحتية ومرافقها العامة ومنازلها وأسواقها وبساتينها ، حتى أصبحت تُعرف في مرحلة من مراحلها بـ مدينة ( الجن ) إشارة إلى ما حلّ بها من خراب وفراغ سكاني .
ولم تتوقف مأساة مندلي عند آثار الحرب والدمار، فقد شهدت المدينة عام 1980 حملات التهجير القسري ، أو ما عُرف بـ ( التسفيرات )، التي نفذها نظام البعث بحق أعداد كبيرة من الكورد بحجة ( التبعية الإيرانية ) وأدت تلك السياسات إلى تفريغ المدينة من عدد كبير من سكانها ، وترك آثار اجتماعية واقتصادية وإنسانية عميقة لا تزال ماثلة حتى اليوم .
كان أهالي مندلي يأملون بأن تفتح صفحة جديدة ، بعد سقوط النظام السابق عام 2003 وان تبدأ عملية حقيقية لإعادة إعمار مدينتهم وتعويضها عن سنوات الحرب والتهجير والإهمال . إلا أن هذه الآمال لم تتحقق بالشكل المطلوب ، إذ لم تُنفذ مشاريع استراتيجية تتناسب مع حجم الدمار والحاجة ، وبقيت قطاعات عديدة ، من المدارس والدوائر الحكومية إلى المنازل والأسواق والبساتين ، تعاني من آثار الإهمال .
وهكذا، بقيت مندلي ، حتى يومنا هذا ، تنتظر من ينظر إلى قضيتها بجدية ومسؤولية ، رغم أنها كانت في يوم من الأيام من أجمل المدن الحدودية مع إيران ، ومركزًا مهمًا للتجارة والحركة الاقتصادية و السياحية ، وكانت تستقطب الزوار من مختلف مناطق العراق .
مطالب أهالي مندلي .. صرخة لم تعد تحتمل الانتظار
بعد انتخابات عام 2025 في البلاد وبعد سنوات طويلة من الانتظار والمطالبات ، نفد صبر أهالي قضاء مندلي ، فخرجوا مظاهرة سلمية كبيرة للتعبير عن مطالبهم والدعوة إلى وضع حد لحالة الإهمال التي تعاني منها مدينتهم ،
ووجّه الأهالي مطالبهم إلى الحكومة الإتحادية في بغداد ومجلس محافظة ديالى ، مؤكدين أن مندلي لا تطالب بما يفوق حقها ، وإنما تطالب بالإنصاف وبالخدمات الأساسية وبمشاريع تتناسب مع تاريخها وموقعها وأهميتها .
ويمكن تلخيص أبرز مطالب أهالي مندلي بما يأتي :
1 – تخصيص حصة عادلة من الموازنة لقضاء مندلي، بما يتيح إكمال المشاريع المتوقفة وتنفيذ المشاريع الخدمية الضرورية .
2 – تقديم دعم وتعويضات مالية للعوائل التي أُجبرت على الهجرة والتهجير خلال فترة النظام السابق، لتعويض جزء من خسائرها وتشجيعها على العودة والاستقرار، وضمان حياة كريمة لها .
3 – تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي بما يشمل مندلي وقزانية، وإنهاء حالة عدم الوضوح الإداري والقانوني التي تعاني منها المنطقة .
4 – اكمال مشروع مستشفى مندلي المتعثر منذ سنوات ، ووضع حد لمعاناة الأهالي في الحصول على الخدمات الطبية الأساسية
4 – انشاء مستشفيات ومستوصفات ومراكز صحية في مركز القضاء والقرى والأرياف التابعة له، نظرًا للحاجة الماسة إلى الخدمات الصحية، ولا سيما أن مندلي تمثل منفذًا حدوديًا مهمًا تمر عبره حركة الزوار والبضائع .
6 – اكمال مشروع سد مندلي ، باعتباره من المشاريع الحيوية لمعالجة أزمة المياه ودعم القطاع الزراعي وتأمين مصادر المياه للمنطقة .
7 – تنفيذ مشاريع متكاملة ومستدامة لمياه الشرب والكهرباء، باعتبارهما من أبسط مقومات الحياة والاستقرار
8 – انشاء الطريق الثاني (السايد الثاني) بين مندلي وبلدروز ، بما يسهم في تحسين البنية التحتية وتسهيل حركة المواطنين والبضائع وتعزيز النشاط الاقتصادي و السياحي .
9 – اعادة بناء سوق مندلي الكبير وفق تصميم هندسي حديث يحافظ في الوقت نفسه على طابعه التراثي والتاريخي ، مع تخصيص المحال لأهالي المدينة بأسعار إيجار رمزية، دعمًا للحركة التجارية وتشجيعًا لأبناء المدينة على العودة إلى ممارسة أعمالهم .
10 – نعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، والاستعانة بالقوات المختصة من البيشمركة ضمن الأطر القانونية والدستورية ، بما يضمن حماية الأهالي وتأمين المنطقة من خطر الجماعات الإرهابية .
مندلي لا تريد وعودًا .. بل تريد مشروعًا حقيقيًا
إن قضية مندلي ليست قضية خدمات فقط، ولا يمكن اختزالها في طريق أو مستشفى أو مشروع ماء وكهرباء. إنها قضية مدينة عانت من الحرب والتهجير والدمار والإهمال لعقود طويلة، ومن حق أهلها اليوم أن يروا تعويضًا حقيقيًا عن سنوات المعاناة.
إن إعادة إعمار مندلي ليست ترفًا ولا مطلبًا ثانويًا، بل هي مسؤولية حكومية وأخلاقية ووطنية، خصوصًا أن المدينة تمتلك مقومات مهمة تؤهلها لتكون مركزًا اقتصاديًا وزراعيًا وتجاريًا وسياحيًا على الحدود.
فمندلي تمتلك ثروات زراعية وحيوانية ومعدنية، وتمتاز بموقع جغرافي وتجاري مهم، ويمكن أن تكون بوابة اقتصادية وحضارية للعراق إذا ما توفرت لها الإرادة السياسية والخطة التنموية المناسبة.
مندلي لا تطلب المستحيل ؛ إنها تطالب بحقوقها وبفرصة عادلة للنهوض
لقد طال الانتظار، وكثرت الوعود، وتراكمت المعاناة. واليوم، المطلوب ليس المزيد من الوعود، وإنما خطة واضحة، وموازنة عادلة، ومشاريع تُنفذ على أرض الواقع، ومتابعة حقيقية من الحكومة المركزية والجهات المحلية
إنصاف مندلي يعني إعادة الحياة إلى مدينة عريقة، وإعادة الأمل إلى أهلها، وفتح الطريق أمام أبنائها للعودة والاستقرار وبناء مستقبلهم
مندلي تستحق أن تعود كما كانت.. مدينة عامرة بالحياة ، مزدهرة بالتجارة والزراعة ، وآمنة لأهلها ، ومتصلة بماضيها ومستعدة لصناعة مستقبلها .