عرفان الداوودي
من المفارقات التي تستحق أن يتوقف عندها كل عراقي، أن ساسون حسقيل ، العراقي اليهودي، كان أول وزير مالية في المملكة العراقية، وتولى وزارة المالية بين عامي 1921 و1925، وأسهم في وضع أسس النظام المالي للدولة العراقية الحديثة وتنظيم ميزانيتها ومواردها.
لم يكن ساسون بحاجة إلى أن يرفع شعاراً دينياً حتى يثبت وطنيته، ولم يكن بحاجة إلى أن يتحدث باسم الإسلام حتى يحافظ على المال العام. كان يعرف أن مال الدولة ليس مال الوزير، وأن خزينة العراق ليست غنيمة سياسية، وأن المسؤول موظف عند الشعب وليس سيداً عليه. وتذكر المصادر مواقف له في التشدد بحماية المال العام ومحاسبة المسؤولين، حتى ارتبط اسمه في الذاكرة العراقية بفكرة التدقيق والمحاسبة.
وهنا تبدأ المقارنة المؤلمة. بعد عقود، وصل إلى السلطة في العراق سياسيون رفع بعضهم راية الإسلام، وتحدثوا باسم الدين والفضيلة والأمانة، ووعدوا العراقيين بدولة عادلة ونظيفة. لكن ماذا كانت النتيجة؟ فساد، محاصصة، هدر للمال العام، مؤسسات مترهلة، خدمات متراجعة، وفقر وبطالة، بينما تتضخم امتيازات الطبقة السياسية. ولا بد من قول الحقيقة بوضوح: الإسلام ليس هو المشكلة. المشكلة في الذين سرقوا باسم الإسلام، وتسلطوا باسم الإسلام، واستغلوا ثقة الناس بالدين للوصول إلى السلطة ثم خانوا الأمانة.
الإسلام يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ويقول: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ويقول النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فكيف يستقيم أن يتحدث مسؤول عن الدين والفضيلة، ثم يُترك المال العام نهباً للفساد والمحسوبية؟ كيف يمكن لمن يرفع راية الإسلام أن يبرر سرقة أموال الناس؟ كيف يمكن لمسؤول أن يطلب من المواطن الصبر، بينما هو وأتباعه يعيشون في الامتيازات والرواتب والمنافع؟
الدين لا يعطي أحداً حصانة من الحساب. والعمامة لا تمنع المحاسبة. والحزب الإسلامي لا يعني أن كل أعضائه ملائكة. والانتساب إلى مذهب أو تيار ديني لا يحوّل الفاسد إلى رجل صالح. بل إن أخطر أنواع الفساد هو الفساد الذي يحتمي بالمقدس؛ لأن الفاسد هنا لا يسرق المال فقط، بل يسرق ثقة الناس بالدين نفسه. ولهذا فإن حسقيل يقدم لنا درساً عراقياً بالغ الأهمية: قد يكون المسؤول يهودياً، لكنه أمين على خزينة العراق؛ وقد يكون المسؤول مسلماً، لكنه يسيء إلى الإسلام عندما يخون الأمانة.
المعيار الحقيقي ليس الاسم ولا الطائفة ولا المذهب ولا الحزب. المعيار هو الأمانة. العراق لا يحتاج إلى مسؤول يكثر من الحديث عن الدين، وإنما يحتاج إلى مسؤول يطبق أبسط ما جاء به الدين: العدل، والأمانة، والصدق، ومحاسبة الفاسد.وحين نقول إن الإسلاميين أضاعوا العراق، فنحن لا نقصد المسلمين، ولا الإسلام، ولا كل من ينتمي إلى تيار إسلامي. نحن نقصد الإسلام السياسي الفاسد الذي اتخذ من الدين واجهة، ومن الدولة غنيمة، ومن الطائفة حصانة، ومن المال العام مصدراً للثراء والنفوذ.
هؤلاء يجب أن يُحاسَبوا باسم القانون، لا أن يُحموا باسم الدين. ساسون… وزير مالية عراقي يهودي، ترك لنا درساً في أن الوطن لا يسأل المسؤول عن دينه قبل أن يسأله: ماذا فعلت بأمانة العراق؟ أما من سرق العراق ودمر مؤسساته وأفقر شعبه ثم احتمى بالدين، فنقول له: لقد أسأت إلى العراق، وخنت الأمانة، وشوّهت صورة الدين الذي تدّعي أنك تمثله. العراق أكبر من الأحزاب، وأكبر من الطوائف، وأكبر من تجار الدين والسياسة. العراق وطن وماله أمانة ومن خان الأمانة يجب أن يحاسب، مهما كان اسمه أو مذهبه أو حزبه .