مجلة كوردستان صوت الضمير الحر في زمن الاستقطاب

الباحثة السياسية جيهان علو

​في زمن تتزاحم فيه الأجندات الضيقة وتتوارى فيه الحقيقة خلف حجاب الاستقطاب الأيديولوجي والحزبي، تبرز بعض التجارب الإعلامية والفكرية كنوافذ ناصعة يطل منها الضمير الإنساني الحر في أنقى صورة. ومن قلب هذا الفضاء الفكري السامي، تتألق مجلة “كردستان” الصادرة عن مركز الخليج للدراسات الإيرانية عبر امتدادها الميداني والمعرفي في لندن والقاهرة، لتشكل ظاهرة صحفية واستثنائية تجسد مفهوم الإعلام الملتزم بقضايا الكرامة والحق. لم تكن هذه الدورية يوماً مجرد مطبوعة تنضاف إلى الأرفف الثقافية، بل ولدت كرسالة إنسانية وصوت جهير يتردد بألم وأمل من أجل الشعوب المقهورة التي طالما واجهت التهميش والنسيان. إذ أنَّ البوصلة الحقيقية التي تحرك إدارة المجلة تتجسد في نزاهة الطرح والتجرد الكامل من الانتماءات الحزبية الضيقة، مما منحها مصداقية استثنائية وجعلها ملاذاً تحليلياً ونقدياً محايداً يقف على مسافة واحدة من الجميع، منتصراً للإنسان وحده، ولحقوقه المشروعة دون مواربة. ويظهر هذا الالتزام الأخلاقي جلياً في الرصد الميداني والتوثيق الحقوقي الدقيق للانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الكردي وم مختلف المكونات في أجزاء كردستان كافة، حيث تفتح المجلة صفحاتها لترسم خريطة حية للمأساة والصمود؛ متتبعة المعاناة اليومية والضغوطات في باكور، ورصد التحولات والتحديات الميدانية في روجآفا، وتوثيق قمع الحريات والتضييق في روجهلات، ومتابعة المسار الاجتماعي والأمني والسياسي في باشور. إن هذا الشمول الجغرافي لا يعبر عن مجرد تغطية إعلامية موسعة، بل يعكس إيمانا عميقاً بوحدة المصير الكردستاني وضرورة لم شمل الرؤى والأطراف كافة تحت مظلة التضامن والوعي المشترك. ولكي تصل هذه الرسالة الإنسانية السامية إلى كافة أطياف المجتمع الدولي والإقليمي، لم تتطوق المجلة بلغة واحدة، بل اتسعت رؤيتها لتصدر بأربع لغات عالمية حية هي العربية والكردية والإنكليزية والفارسية. إن هذا المزيج اللغوي الفريد يشكل جسراً حضارياً يخاطب المكون العربي لبناء التفاهم المتبادل، وينبض باللغة الكردية ليحافظ على أصالة الهوية، وينقل المأساة والتحليل العلمي بالإنكليزية إلى المنظمات والمحافل الدولية، بينما ينفذ باللغة الفارسية إلى عمق الشارع الإيراني لتفكيك السرديات الزائفة وعرض حقائق الشعوب بشفافية. وفي إطار سعيها الدؤوب لتعزيز القرب الميداني والالتحام المباشر بنبض الشارع والجامعات والمؤسسات الثقافية، تبدي إدارة المجلة انفتاحاً كبيراً وشفافية مطلقة لنشر وتوزيع هذا المنبر الفكري في مدينة أربيل وبقية المدن الكردستانية، مؤكدة أن الوصول إلى قارئ حقيقي يبحث عن المعرفة المجردة والحقيقة الناصعة هو الغاية الأسمى. وهكذا تستمر مجلة “كردستان” من خلال مركز الخليج للدراسات الإيرانية في رسم معالم إعلام إنساني راقٍ يخاطب العقل ويدافع عن المظلومين، متجاوزاً الانقسامات ليبقى صرخـة نبلٍ بوجه الظلم وشعاع أمل لنيل الحرية والعدالة.

قد يعجبك ايضا