اعداد: عدنان رحمن
انبرى العديد من الكتاب لاصدار موسوعة شاملة عن الابادة الجماعية التي تعرّض لها اخواتنا واخوتنا الإيزيديين، ومنها بالتسلسل ( 14) الذي كان لـ ( حسو هورمي) ومراجعة وتقديم ( خضر دوملي)، الذي كان بعنوان ( داعش والابادة الجماعية ضد الايزيديين) وكان بعنوان ( من الإبادة الى الذاكرة- مقالات في العدالة والإنسان)، وقد صدر بطبعته الاولى في العام 2026 في مطبعة خاني- دهوك- اقليم كوردستان العراق، وفي الكتاب مقدمة ومن ثم تمهيد نورده ادناه، الذي ورد فيه ما يدّل على الوفاء والعرفان لمن يُساهم في نشر الوعي والتآخي بين افراد المجتمع العراقي، وقد تمثل ذلك بما قدّمه الاستاذ حسو من كلمة شكربحق رئيس تحرير جريدة التآخي الغراء الاستاذ جواد ملكشاهي.
– ” التمهيد: في عالمٍ تزداد فيه المسافة بين الحقيقة والإنسان، وتعلو فيه ضوضاء الأحداث على صراخ الضحايا، تظل الكتابة واحدةً من أنبل الوسائل لاستعادة الذاكرة، وتوثيقها، ومواجهة النسيان. ومن هذا المنطلق وُلد هذا الكتاب، جامعًا بين دفتيه سلسلة مقالاتٍ نُشرت في جريدة “التآخي“( 1) في اصدارات بغداد خلال عام 2025، وهي ثمرة تأملٍ وبحثٍ ومتابعةٍ لموضوعٍ بالغ الحساسية والتعقيد: جرائم تنظيم داعش الإرهابي ضد الإيزيديين، وما انطوى عليه ذلك من أبعادٍ دينيةٍ واجتماعيةٍ وثقافيةٍ وإنسانيةٍ وقانونيةٍ. وقد أتاح نشر هذه المقالات تعاونٌ مهنيٌ وإنسانيٌ مثمرٌ مع رئيس تحرير الجريدة الأستاذ جواد ملكشاهي، الذي أدى انفتاحه الصحفي وتعاوُنه الإيجابي دورًا محوريًا في إتاحة المساحة لنشر هذه النصوص، إيمانًا منه بأهمية الكلمة الحرة والمسؤولة في كشف الحقائق والدفاع عن قضايا الضحايا، وتعزيز ثقافة الوعي والتوثيق في مواجهة الإرهاب والتطرف. وعكْس هذا التعاون حرص الجريدة ورئيس تحريرها على أداء دورهما الوطني والأخلاقي، انطلاقًا من إدراك أن الصحافة منبرٌ للحقيقة وذاكرةٌ حيةٌ للمجتمع. وجاءت هذه المقالات في سياقٍ وطنيٍ وإنسانيٍ يسعى إلى فهم ظاهرة التطرف والإرهاب، لا بوصفها حدثًا سياسيًا أو أمنيًا فحسب، بل تعبيرًا عن خللٍ عميقٍ في الوعي والقيم والعلاقات بين مكونات المجتمع. ومن هنا، فإن البحث في نشأة تنظيم داعش، وتسميته، وأهدافه، وتأثيره لم يكن مجرد استرجاعٍ لوقائع تاريخية، بل محاولةً لتفكيك منظومةٍ فكريةٍ أنتجت العنف، وللتساؤل حول أسباب تمدده، والسبل الممكنة لتجفيف منابعه فكريًا وثقافيًا. وفي المقابل، تأتي المقالات التي تناولت الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين لتؤكد أن ما جرى لم يكن حدثًا محليًا أو عابرًا، بل جريمةً كونيةً تهز الضمير الإنساني. فالحديث عن الإبادة التي تعرض لها الإيزيدية في سنجار (2) ليس مجرد توثيقٍ لتاريخ الألم، بل هو وقوفٌ عند حدود الأخلاق ذاتها: هل يمكن أن يُستعاد العدل بعد الإبادة؟ وهل يكفي أن يُعاقب الجناة إن بقيت ذاكرة الضحايا منسيةً أو مهمشةً؟من هنا انطلقت المقالات نحو قضايا جوهرية مثل: إشراك الضحايا في مسار العدالة، وتأسيس المتحف الوطني للإبادة الجماعية، ومنح الأقليات فرصًا تعليميةً عادلةً، وتوثيق شهادات الناجيات من داعش باعتبارها رواياتٍ لا تُقدّر بثمنٍ في مسيرة البحث عن الحقيقة والمصالحـة. كما امتدت المقاربة لتشمل مفهوم الإبادة الثقافية، أي محاولات طمس هوية الإيزيديين وإلغاء رموزهم الدينية والثقافية والفنية، وهو يُعدّ لا يقل خطورةً عن القتل المادي ذاته، لأنه يستهدف الوجود في عمقه الرمزي والمعنوي. وإيمانًا بأن العدالة لا تتحقق إلا حين تتجسّد في الوعي الجمعي، فقد أولت المقالات اهتمامًا خاصًا بدور الإعلام الحر والسينما والفن في ترسيخ الذاكرة ومقاومة محاولات التزييف والنسيان. فالفن هنا ليس ترفًا، بل وسيلةُ مقاومةٍ أخلاقيةٍ، تمنح المعاناة لغةً جماليةً تحفظها من الابتذال، وتحول الألم إلى طاقةٍ للفهم والتغيير. على المستوى الأكاديمي، يسعى هذا الكتاب إلى تقديم رؤيةٍ تحليليةٍ متعددة الأبعاد لظاهرة الإبادة الجماعية، تستند إلى مفاهيم القانون الدولي وحقوق الإنسان، وتتقاطع مع دراسات الهوية والعدالة الانتقالية. أما على المستوى الإنساني، فهو نداءٌ إلى الضمير العالمي ليبقى يقظًا أمام أي محاولةٍ لتكرار المأساة، ودعوةً إلى جعل الذاكرة فضاءً للحوار لا للانقسام، وللمسؤولية لا للانتقام. هذا العمل ليس تأريخًا جامدًا للماضي، بل هو حوارٌ مفتوحٌ مع الحاضر والمستقبل. فكل سطرٍ فيه هو شهادةٌ على أن الكتابة يمكن أن تكون جسرًا بين المعرفة والتضامن الانساني، وأن الدفاع عن الضحايا هو في جوهره دفاعٌ عن معنى الإنسان نفسه. إنني أقدّم هذا الكتاب بعد أن شعرت بأن المقالات التي نُشرت متفرقةً في الصحافة اليومية، رغم تفاعل القراء الواسع معها، تستحق أن تُجمع في مؤلَّفٍ واحدٍ يضمها في سياقٍ فكريٍ وإنسانيٍ متكاملٍ. تم تنسيق المقالات وتبويبها حسب أسبقية نشرها في جريدة التآخي خلال عام 2025، مع الحفاظ على تسلسلها الزمني والفكري بما يتيح للقارئ تتبع تطور الفكرة ومسار التحليل من مقالٍ إلى آخر.وهدفنا من ذلك هو تحويل هذه المقالات من فضاء اللحظة الصحفية إلى وثيقةٍ فكريةٍ وأخلاقيةٍ دائمةٍ تحفظ الذاكرة، وتخاطب وجدان القراء والباحثين، وتُسهم في ترسيخ الوعي الجمعي بخطورة الإبادة وأهمية مقاومة تكرارها. إن هذا الكتاب هو محاولةٌ لإشعال شمعةٍ في دربٍ طويلٍ نحو العدالة، وتذكيرٌ بأن الكتابة، حين تنبع من الإيمان بالإنسان، يمكن أن تكون فعلًا من أفعال الإنقاذ.
في الختام: نقطتان مهمتان:
اولا: عن تنظيم داعش الإرهابي: يُعد تنظيم داعش الإرهابي من أخطر التنظيمات المتطرفة في العصر الحديث، إذ تعود جذوره إلى تنظيم القاعدة في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي عام 2003. وفي عام 2013 أعلن أبو بكر البغدادي تأسيس ما سُمّي بـ«الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، متبنيًا أيديولوجيةً متشددةً تقوم على العنف ورفض الحدود الوطنية والسعي لإقامة ما يسميه «الخلافة الإسلامية». اعتمد التنظيم على مصادر تمويلٍ متعددة، أبرزها تهريب النفط والغاز، وفرض الإتاوات والضرائب، ونهب البنوك، وتهريب الآثار، والحصول على الفديات، إضافةً إلى استغلال الموارد الزراعية. كما استخدم وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لنشر دعايته المتطرفة وتجنيد آلاف المقاتلين من مختلف الجنسيات.ارتكب داعش جرائم واسعة النطاق شملت القتل الجماعي والاستعباد والتطهير العرقي، وكان من أبشعها الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون في سنجار في 3 آب 2014. كما نفذ هجماتٍ إرهابيةً في دولٍ عديدة، مما دفع المجتمع الدولي إلى تشكيل تحالفٍ عسكريٍ لمواجهته. ورغم خسارته معظم الأراضي التي سيطر عليها، لا يزال خطر التنظيم قائمًا عبر خلاياه النائمة وأفكاره المتطرفة. لذلك، تتطلب مواجهته استراتيجيةً شاملةً تجمع بين الجهود الأمنية والعسكرية من جهة، ومكافحة التطرف عبر التعليم والإعلام والتنمية وتعزيز قيم التعايش من جهة أخرى.
ثانيا: هل يعتبر ما ارتكبه تنظيم داعش ضد الإيزيديين جريمة إبادة جماعية؟: تُعرّف اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والنظام المحكمة الجنائية الدولية الإبادة الجماعية بأنها أفعالٌ تُرتكب بقصد تدمير جماعةٍ قوميةٍ أو إثنيةٍ أو عرقيةٍ أو دينيةٍ كليًا أو جزئيًا، وتشمل القتل، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي، وفرض ظروفٍ معيشيةٍ مدمرة، ومنع الإنجاب، والنقل القسري للأطفال. وبالاستناد إلى هذه المعايير، فإن الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش بحق الإيزيديين في سنجار بتاريخ 3 آب 2014 تُصنّف قانونيًا كجريمة إبادة جماعية. فقد تعرّض الإيزيديون لعمليات قتلٍ ممنهجة، واستعبادٍ جنسي، وتعذيبٍ وانتهاكاتٍ جسيمةٍ طالت النساء والأطفال، فضلًا عن حصار آلاف المدنيين في جبل سنجار وحرمانهم من مقومات الحياة الأساسية. كما فُصل الأطفال قسرًا عن عائلاتهم بهدف تغيير هويتهم الدينية والثقافية. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة والعديد من البرلمانات والحكومات الدولية أن هذه الجرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. وقد تبع ذلك صدور أحكامٍ قضائيةٍ في ألمانيا والسويد ودول أوروبيةٍ أخرى أدانت عناصر من داعش بجرائم إبادةٍ جماعيةٍ وجرائم ضد الإنسانية بحق الإيزيديين. إن استخدام التسمية الدقيقة «جريمة الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين» ليس مجرد توصيفٍ قانوني، بل يمثل خطوةً أساسيةً لتحقيق العدالة، وإنصاف الضحايا والناجين، ومحاسبة الجناة، وضمان عدم تكرار هذه الجرائم مستقبلًا“.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- جريدة التآخي: لسان حال الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وهي احدى أبرز الصحف العربية الصادرة في بغداد، التي تهتم بالشأن الكوردي وقضايا التعايش السلمي في العراق. تأسست عام 1967. عُرفت بدورها في تغطية القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية، ومساهمتها في تعزيز الحوار العربي-الكوردي ضمن الإطار الوطني العراقي..
2- سنجار (بالكوردية: شنگال، Şingal) هي مدينة عراقية ومركز قضاء تقع في غرب محافظة نينوى شمال العراق يحدها من الشمال ناحية ربيعة ومن الشرق قضاء تلعفر وغربها الحدود السورية ومن الجنوب قضاء بعاج على جبل سنجار وتبعد عن مدينة الموصل 80 كم، يسكنها أغلبية من الايزيديين وأقلية من العرب، يبلغ عدد سكانها أكثر من 84 ألف نسمة بحسب إحصاء عام 2014.