آسيا توفيق وهبي.. رائدة الحركة النسوية وصوت المرأة العراقية في القرن العشرين

محمد علي محيي الدين
تحتل آسيا توفيق وهبي مكانة بارزة في تاريخ النهضة النسوية في العراق، بوصفها واحدة من أوائل النساء اللواتي حملن على عاتقهن مهمة الدفاع عن حقوق المرأة وإرساء أسس العمل الاجتماعي النسوي في مرحلة كانت فيها المرأة العراقية تخطو خطواتها الأولى نحو المشاركة الفاعلة في الحياة العامة. فقد امتدت مسيرتها لعقود طويلة، اتسمت بالنشاط الفكري والاجتماعي والتنظيمي، لتصبح إحدى الرموز المؤسسة للحركة النسوية العراقية الحديثة.

Screenshot

وُلدت آسيا توفيق وهبي في بغداد عام 1901، في مرحلة كانت المدينة فيها تشهد بدايات تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، انعكست لاحقاً على وعيها المبكر بأهمية التعليم والتغيير الاجتماعي. وقد نشأت في بيئة مكنتها من الاطلاع على قضايا مجتمعها عن قرب، فكانت منذ سنواتها الأولى شديدة الحساسية تجاه قضايا المرأة والطفل والأسرة، وهي القضايا التي ستصبح لاحقاً محور نشاطها الفكري والاجتماعي.
مع اتساع تجربتها الثقافية والاجتماعية، انخرطت في العمل الأهلي النسوي، وأسهمت في تأسيس عدد من الجمعيات الاجتماعية التي هدفت إلى تعزيز دور المرأة في المجتمع وتطوير وعيها الحقوقي والثقافي. وقد تميزت بقدرتها على التنظيم والعمل المؤسسي، مما جعلها واحدة من الشخصيات القيادية في هذا المجال.
تولت رئاسة الاتحاد النسائي العراقي بين عامي 1945 و1958، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ الحركة النسوية في العراق، حيث شهدت جهوداً حثيثة لتوحيد نشاط الجمعيات النسائية وتنسيق عملها. وقد عملت خلال هذه الفترة على توثيق الروابط بين هذه الجمعيات داخل العراق، كما سعت إلى مد جسور التعاون مع الحركات النسوية في العالم العربي وخارجه، إيماناً منها بأن قضايا المرأة لا يمكن أن تُعالج بمعزل عن السياق الإنساني العالمي.
وكانت آسيا توفيق وهبي من الأصوات الجريئة التي نادت بإصلاحات اجتماعية وتشريعية تمس حياة المرأة والأسرة. فقد دعت إلى تمكين المرأة من حق التملك بعد إلغاء نظام الوقف الذري، وطالبت بمنحها حقوقها السياسية والانتخابية، مؤكدة أن المرأة شريك كامل في بناء المجتمع وليست تابعاً له. كما أثارت قضايا اجتماعية حساسة مثل المهور وأحكام الطلاق وشؤون الأسرة، داعية إلى مقاربات أكثر عدالة وإنصافاً تراعي كرامة المرأة وحقوق الطفل في آن واحد.
وفي سياق اهتمامها بالطفولة، ترأست الفرع النسائي لجمعية حماية الأطفال عام 1945، كما كانت عضواً مؤسساً في جمعية مكافحة العلل الاجتماعية، وعضواً في جمعية الهلال الأحمر، مما يعكس شمولية رؤيتها للعمل الاجتماعي، واهتمامها المتكامل بقضايا الإنسان، نساءً وأطفالاً ومجتمعاً.
ولم يقتصر نشاطها على العمل الميداني والتنظيمي، بل امتد إلى المجال الإعلامي والثقافي، إذ أصدرت مجلة «الاتحاد النسائي» عام 1949، وكانت أول مجلة نسوية عراقية تهدف إلى نشر الوعي الحقوقي والثقافي بين النساء، واستمرت في الصدور لمدة أربع سنوات، شكلت خلالها منصة فكرية مهمة للحركة النسوية في البلاد، قبل أن تتوقف لاحقاً لأسباب متعددة.
وقد مثلت آسيا توفيق وهبي المرأة العراقية في عدد من المؤتمرات المحلية والدولية، فكانت صوتاً فاعلاً في المحافل النسوية العالمية. شاركت في المؤتمر العالمي للمرأة في لاهور عام 1952، وفي مؤتمر مكاتب الاتحادات النسائية العربية الذي عقد في بغداد في العام ذاته، كما شاركت في مؤتمرات نسائية في بيروت عام 1955 ودمشق عام 1957، حيث ناقشت مع نظيراتها من مختلف الدول قضايا المرأة وسبل تمكينها اجتماعياً وسياسياً وثقافياً.
وقد حظيت خلال مسيرتها بعدد من الأوسمة والأنواط الفضية والذهبية تقديراً لجهودها في خدمة قضايا المرأة والمجتمع، وهو تكريم يعكس حجم تأثيرها ومكانتها في الوعي العام العراقي والعربي.
وعلى الصعيد الشخصي، ارتبطت بالكاتب والضابط العراقي الكردي والمفكر توفيق وهبي، أحد أبرز اللغويين والباحثين في اللغة الكردية، وهو ارتباط جمع بين شخصيتين ثقافيتين بارزتين أسهمتا في الحياة الفكرية العراقية من زوايا متعددة.
وإلى جانب نشاطها التنظيمي والاجتماعي، كتبت آسيا توفيق وهبي العديد من الدراسات والبحوث التي نشرت في الصحف والمجلات العراقية، وركزت فيها على قضايا المرأة وحقوقها، مسهمة في ترسيخ خطاب فكري نسوي كان في بدايات تشكله داخل المجتمع العراقي.
لقد مثلت آسيا توفيق وهبي نموذجاً للمرأة الرائدة التي لم تكتف بالمطالبة بالحقوق، بل عملت على تأسيس البنى التنظيمية التي تضمن استمرارية هذا النضال. فقد جمعت بين الفكر والعمل، وبين النشاط المحلي والانفتاح العالمي، وبين الحس الإنساني العميق والرؤية الإصلاحية الواعية.
وفي عام 1980، أسدل الستار على حياة هذه الرائدة التي كرست عمرها لخدمة قضايا المرأة والمجتمع، غير أن أثرها بقي حياً في الذاكرة النسوية العراقية، وفي المؤسسات التي ساهمت في تأسيسها، وفي الأجيال التي واصلت الطريق الذي مهدت له.
لقد كانت آسيا توفيق وهبي أكثر من ناشطة نسوية؛ كانت مشروعاً فكرياً واجتماعياً متكاملاً، أسهم في تحويل قضية المرأة من مطلب فردي إلى قضية مجتمع، ومن صوت معزول إلى حركة منظمة ذات امتداد وطني وعربي ودولي.

قد يعجبك ايضا