نبيل عبد الأمير الربيعي
يشهد إقليم كردستان العراق منذ سنوات سلسلة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة المنطلقة من الأراضي الإيرانية أو المنفذة بواسطة فصائل مسلحة مرتبطة بطهران، تحت ذريعة استهداف القواعد الأميركية أو مقار الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة. إلا أن الوقائع الميدانية تكشف أن نسبة كبيرة من هذه الهجمات طالت منشآت مدنية واقتصادية ومناطق مأهولة بالسكان، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية وسياسية حول مدى مشروعية هذه العمليات، ومدى انسجامها مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
لقد كرس ميثاق الأمم المتحدة، منذ اعتماده عام 1945، مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، ونص في المادة (2/1) على أن المنظمة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها، كما أكدت المادة (2/4) حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. ويعد هذا النص أحد أهم قواعد القانون الدولي الآمرة (Jus Cogens)، التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو الانتقاص منها.
وعليه، فإن أي عمل عسكري ينفذ داخل الأراضي العراقية من دون موافقة صريحة من الحكومة العراقية أو تفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي، يعد من حيث الأصل انتهاكاً لسيادة العراق، بصرف النظر عن الذرائع الأمنية أو السياسية التي تطرح لتبريره.
وتستند إيران في كثير من الأحيان إلى مفهوم (الدفاع عن النفس) المنصوص عليه في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، غير أن الفقه والقضاء الدوليين، ولا سيما اجتهادات محكمة العدل الدولية، يشترطان لقيام هذا الحق توافر معايير الضرورة والفورية والتناسب، وأن يكون الخطر وشيكاً ومحدداً، وأن يكون استخدام القوة هو الوسيلة الأخيرة بعد استنفاد البدائل السلمية. كما أن هذا الحق لا يمنح الدولة تفويضاً مفتوحاً لتكرار الضربات العسكرية داخل أراضي دولة أخرى بصورة دورية أو دائمة.
ومن هذا المنطلق، فإن استهداف المطارات المدنية، وحقول الغاز، والمنشآت الاقتصادية، والمناطق السكنية في إقليم كردستان لا ينسجم مع قواعد القانون الدولي الإنساني، التي تلزم أطراف أي نزاع بالتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية. فقد أكدت اتفاقيات جنيف لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، مبدأ التمييز، ومبدأ التناسب، وضرورة اتخاذ الاحتياطات الكافية لحماية المدنيين من آثار العمليات العسكرية.
إن الهجمات التي استهدفت البنية التحتية الاقتصادية للإقليم لا تقتصر آثارها على الخسائر المادية المباشرة، بل تمتد إلى زعزعة البيئة الاستثمارية، وتهديد أمن الطاقة، وإلحاق الضرر بمصالح ملايين المواطنين العراقيين. فالاعتداء على منشآت إنتاج الطاقة أو المطارات المدنية لا يمثل مجرد رسالة سياسية، بل يعد مساساً بحقوق السكان في الأمن والتنمية والاستقرار الاقتصادي.
وفي المقابل، تؤكد سلطات إقليم كردستان أنها سلّمت الحكومة الاتحادية في بغداد، خلال السنوات الماضية، معلومات وأدلة تتعلق بالجهات المنفذة لهذه الهجمات، إلا أن الاستجابة الرسمية بقيت محدودة، واقتصرت في أغلب الأحيان على تشكيل لجان تحقيق لم تفض إلى نتائج معلنة أو إجراءات قضائية رادعة. ويؤدي هذا الواقع إلى إضعاف مبدأ سيادة القانون، ويعزز ثقافة الإفلات من العقاب، بما ينعكس سلباً على هيبة الدولة العراقية داخلياً وخارجياً.
أما فيما يتعلق بالأحزاب الكُردية الإيرانية المعارضة الموجودة داخل الأراضي العراقية، فإن كثيراً من المراقبين يربطون استمرار استهدافها بمخاوف أمنية إيرانية. غير أن هذه الأحزاب أعلنت في مناسبات متعددة التزامها بعدم استخدام الأراضي العراقية لشن عمليات عسكرية ضد إيران، كما أن وجودها في العراق يمتد إلى ما يقارب أربعة عقود من دون انخراطها في مواجهة عسكرية مباشرة عبر الحدود، الأمر الذي يضعف الحجج التي تستخدم لتبرير الضربات العسكرية المتكررة.
إن استمرار العراق ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية يتعارض مع مبدأ حسن الجوار، الذي يشكل أحد المبادئ الأساسية في العلاقات الدولية، كما يتعارض مع إعلان مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار (2625) لعام 1970، والذي أكد امتناع الدول عن استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي للدول الأخرى.
ومن هنا، فإن حماية سيادة العراق لا ينبغي أن تخضع للاعتبارات السياسية أو الاصطفافات الإقليمية، بل يجب أن تكون التزاماً دستورياً ووطنياً. فسيادة الدولة لا تتجزأ بين بغداد وأربيل، وأي اعتداء على إقليم كردستان هو اعتداء على العراق بأكمله، كما أن أي تقاعس عن حماية الحدود والأجواء الوطنية يضعف مكانة الدولة في النظام الدولي.
إن العراق اليوم بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة، وإلى موقف وطني موحد يرفض تحويل أراضيه إلى ساحة للصراعات الإقليمية. كما أن المجتمع الدولي مطالب بالتمسك بقواعد القانون الدولي من دون ازدواجية في المعايير، لأن احترام السيادة، وحماية المدنيين، وصيانة الأمن الإقليمي، ليست شعارات سياسية، بل التزامات قانونية وأخلاقية نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وأكدتها قواعد القانون الدولي المعاصر.
المصادر:
– ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المواد (2/1)، (2/4)، و(51).
– اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.
– الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار رقم 2625 (إعلان مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول)، 1970.