منصات المشاهدة المفتوحة وصناعة الذوق العام العالمي

 

 إعداد ـ التآخي

منصات المشاهدة المفتوحة (الرقمية / حسب الطلب)، هي التطبيقات والشبكات التي تتيح بث المحتوى البصري عبر الإنترنت من دون قيود جغرافية أو زمنية تقليدية، مثل منصات “البث التدفقي” العالمية، التي تعتمد على خوارزميات توجيه دقيقة.  والذوق العام العالمي، أصبح ذوقا ليس نابعا من تفاعل محلي، بل هو نمط استهلاكي وثقافي مُعاد إنتاجه وتصديره، يميل نحو توحيد الأنماط البصرية، والسلوكيات، والمظاهر الجمالية عبر القارات. والتدفق العابر للحدود يعني تجاوز المحتوى للبنى السياسية والثقافية المحلية متخطيا الحواجز اللغوية والرقابية التقليدية ليخترق الفضاءات الخاصة للأسر والأفراد.

 فكيف تعمل خوارزميات التوصية على تحليل سلوك المشاهد عالميا وإعادة تغذيته بمحتويات مشابهة؟

 يجري تحويل الاستهلاك إلى نمط متكرر، فيبرز دور المنصات في خلق “تريندات” (Trends) آنية يشترك في متابعتها مئات الملايين في اللحظة ذاتها بغض النظر عن تفاوت بيئاتهم الاجتماعية. فتتحقق هيمنة القوالب الدرامية والسينمائية الغربية أو ذات النمط الموحد على عادات التفكير والتعبير لدى الفئات الناشئة، وتغدو اللغة البصرية والرموز والأزياء، وأنماط الحياة، وطرق المعيشة المعروضة على الشاشات هدفا استهلاكيا ومعيارا لتقويم “الحداثة” أو “التطور” في المجتمعات النامية.

ويتراجع الإنتاج الدرامي والثقافي المحلي لصالح الإنتاج الضخم العابر للحدود ذي القدرة التمويلية والتسويقية الهائلة، ويؤثر ذلك على الملاكات المحلية ومؤسسات الإنتاج الثقافي في المجتمعات التي تجد صعوبة في منافسة “الإبهار البصري” الرقمي. فيجري التشظي مقابل التوحيد، ففي حين تسهم المنصات في “توحيد” الأذواق السطحية (كالاهتمامات الاستهلاكية والمظهرية)، فإنها بالمقابل تُحدث تشظيا في الوعي المجتمعي المحلي عبر خلق فجوات قيمية وجيلية بين الفئات الأكثر اندماجا في هذا الفضاء وتلك المتمسكة بالنسيج الثقافي المحلي، وينبثق   التحول من فضاء البث التلفزيوني التقليدي (المحلي/الوطني) إلى فضاء المنصات الرقمية العابرة للحدود، فيؤثر ذلك على تشكيل الذوق العام.

يتحول الامر من البث الموجه إلى خوارزميات الطلب، اقترانا بطبيعة الآلية التقنية التي تدير المحتوى وتوجّه اهتمامات المتلقين، وتسهم العولمة البصرية في توحيد الأنماط الاستهلاكية وتتحول القيم الجمالية والسلوكيات إلى سلع عالمية متماثلة، وينشأ عن ذلك تحديات ثقافية واقتصادية للمجتمعات المحلية، فينعكس هذا التدفق على الهوية، واللغة البصرية، وصناعة الفن المحلي. وهنا يبرز دور   الرؤى الاستراتيجية أو الدراسات والمقترحات التي تعزز المناعة الثقافية وتحفز الإنتاج المحلي الموازي القادر على تقديم السردية الذاتية في وجه السرديات العابرة.

 

 

ويُمثل محور العولمة البصرية وتوحيد الأنماط الاستهلاكية القلب النابض لظاهرة البث الرقمي المفتوح؛ إذ لم تعد العولمة في مرحلتها المعاصرة مجرد تبادل تجاري للسلع المادية، بل أصبحت “عولمة للوعي والوجدان” تُبنى عبر تيار جارف من الصور والرموز والإشارات التي تتخطى الحدود الجغرافية والسياسية من دون استئذان.

يجري التحول من التلبية إلى التوجيه، ففي النماذج التقليدية، كان الإنتاج الثقافي والمحلي يلبي احتياجات مجتمعية معينة أو يعبر عن سياقات بيئية وتاريخية محلية؛ أما في عصر منصات البث المفتوحة، فإن الخوارزميات لا تلبي الرغبات القائمة فحسب، بل تُهندس الرغبة وتصنعها، لتتحول الأذواق الاستهلاكية إلى منتج قياسي مُصنّع خصيصا ليناسب الشريحة الأوسع عالميا.

 يجري توحيد النمط المعيشي، اذ تتجلى العولمة البصرية في تكرار تفاصيل الحياة اليومية (طبيعة الديكورات، أزياء الشخصيات، طرق التعبير، الأغذية والمشروبات المستعرضة في الأعمال الدرامية) حتى تصبح هذه التفاصيل المألوفة على الشاشة هي “المعيار” النموذجي للحداثة والقبول الاجتماعي، مما يخلق رغبة ملحة لدى المشاهدين في شتى المجتمعات لتمثلها ومحاكاتها.

 تجري عملية لنمذجة الجمال والسلوك، اذ تعتمد المنصات الرقمية غالبا على قوالب بصرية مستندة إلى معايير غربية أو عالمية مهيمنة في اختيار الشخصيات، الأشكال، والملامح، فضلا عن ردود الفعل تجاه الأزمات، وأنماط العلاقات الإنسانية.

 كما يصار الى تنميط لغة الجسد والتعبير: تدريجيا، يكتسب المتلقي لاسيما الفئات الناشئة مفردات بصرية جديدة في لغة الجسد، والضحك، والغضب، وحتى في التطلعات الشخصية، وهي مفردات مستمدة من البيئة التلفزيونية ذاتها العابرة للحدود، مما يؤدي إلى تراجع التنوع الثقافي في أشكال التعبير البشري المحلي لصالح قالب عالمي مهيمن.

 

تحويل الثقافة إلى سلعة قابلة للاستهلاك

 

يجري في العصر الراهن تكريس الاستهلاك العابر والتسطيح المعرفي، اذ تتميز المحتويات البصرية على هذه المنصات بإيقاعها السريع (Fast-paced content) الذي يعتمد على الإبهار البصري والمؤثرات المتتالية. هذا الإيقاع لا يمنح المشاهد فرصة للتأمل أو النقد، بل يحوله إلى مستهلك نهائي لـ “حزم جاهزة” من المشاعر، والأفكار، والأنماط الاستهلاكية. فتلغى   المسافات الرمزية حيث تختفي الخصوصيات الثقافية للمجتمعات حين تذوب في “كوكتيل” بصري واحد يُعرض على شاشة هاتفيّة أو منزلية واحدة في التوقيت ذاته في بغداد، وباريس، ونيويورك، وطوكيو، مما يجعل الاستهلاك علامة تضامن مع هذا “الكون الاستهلاكي الواحد”.

تؤثر تلك الانعكاسات على الهوية المحلية والذاكرة الجمعية بتراجع الرمزية المحلية، فعندما تصبح الأنماط الاستهلاكية والجمالية المستوردة هي العنوان الأبرز لـ “التحضر والعصرية” عبر الشاشات، تبدأ الرموز المحلية (التقليدية، المعمارية، السلوكية) في الانحسار التدريجي نحو الهامش، ويُنظر إليها أحيانا بعين الاستغراب أو التراجع من قبل الأجيال الجديدة. وتتسع الفجوة القيمية والبصرية بين الأجيال الأكبر سنا (التي تشكلت ذاكرتها في كنف الفضاء المحلي والمؤسسات الوطنية التقليدية) والأجيال الناشئة التي وُلدت وترعرعت في داخل هذا الفضاء الافتراضي المفتوح، مما ينعكس على بنية الأسرة والتماسك المجتمعي.

أن الخطر لا يكمن في الانفتاح بحد ذاته، بل في “أحادية الاتجاه” للتدفق البصري، اذ تصبح المجتمعات النامية متلقية ومستهلكة للثقافة المصدرة، فيما تضعف قدرتها على تقديم سرديتها البصرية الخاصة ذات الجذور المحلية.

يجب النظر الى التحديات الثقافية والاقتصادية للمجتمعات المحلية وكيفية مواجهة تدفق الهيمنة الرقمية، حيث يمثل هذا المحور نقطة الاشتباك المباشرة بين التدفق العابر للحدود للمنصات الرقمية والواقع البنيوي للمجتمعات المحلية (لا سيما في الدول النامية والناشئة)، إذ يتجاوز تأثير هذه المنصات حدود الترفيه واستهلاك الصور، ليطول ركائز الأمن الثقافي، واستدامة الاقتصادات المحلية، وقدرة المؤسسات الوطنية على الحفاظ على هويتها وتوازناتها.

 

 

وتعاني المجتمعات المحلية من مزاحمة شرسة تفرضها المحتويات العالمية على الذاكرة الجمعية للأجيال الناشئة؛ وعندما تصبح الشخصيات، والرموز، والقصص المستوردة هي الحاضر الأبرز في الوعي اليومي، تفقد الروابط الثقافية التقليدية المستمدة من التاريخ المحلي، والبيئة، والأدب الوطني جاذبيتها وقدرتها على التأثير.

 يؤدي هذا إلى حالة من “الاغتراب الداخلي”، اذ يعيش الفرد جسديا في بيئته المحلية، في حين يتماهى كليا بقيمه واهتماماته واشتباکاته النفسية مع عوالم افتراضية مصممة على وفق سياقات أجنبية تماما.

تتسبب المنصات الرقمية في تعميق الفجوة بين الأجيال؛ فالأجيال الشابة تغامر بالخروج من حاضنة اللغة والخطاب المحلي المشترك نحو لغات وثقافات وسلوكيات تعبيرية هجينة.  حتى على مستوى اللغة المحكية، تفرض المنصات لهجات ومصطلحات مترجمة أو معربة تفقد فيها اللغة الأم رصانتها ودلالاتها التاريخية، لصالح لغة تواصل رقمية سريعة وممسوخة الهوية؛  ولا تكمن المشكلة في تواجد ثقافات أخرى، بل في اختلال ميزان الإتاحة، فالمجتمعات المحلية تفتقر غالبا إلى البنى التحتية الإنتاجية والتمويلية التي تمكن صناعها ومبدعيها من إنتاج محتوى بصري عالي الجودة ينافس آلة الإبهار العالمية. هذا يجعل الثقافة المحلية تظهر بصورة “نمطية فولكلورية” متخلفة عن ركب الحداثة، بدلا من أن تُطرح كمشروع حضاري حيّ ومتحرك.

تعتمد منصات البث المفتوحة على نظام الاشتراك المالي أو استنزاف الانتباه عبر البيانات والإعلانات. هذا يعني أن جزءا معتبرا من الدخول المالية للأسر والمستهلكين المحليين يجري تحويله بانتظام نحو خزائن الشركات التكنولوجية الكبرى (Tech Giants) المقرة في المراكز الرأسمالية العالمية، من دون أن تعود هذه الأموال بأي نفع مباشر على الاقتصاد الوطني أو البنى التحتية الثقافية المحلية. وتتعرض الصناعات الإبداعية المحلية (سينما، تلفزيون، مسرح، إنتاج وثائقي) لضربات موجعة بسبب عجزها المادي والتقني عن منافسة هذه المنصات.

 تؤدي سيطرة الاستهلاك الجاهز للمحتوى العالمي إلى كساد الإنتاج المحلي، وانكماش الاستثمار في الفنون والثقافة الوطنية، مما يقود إلى “هجرة العقول الإبداعية” أو تحول الملاكات الفنية والتقنية المحلية إلى مجرد أجراء هامشيين يعملون في كواليس الإنتاجات الأجنبية الكبرى.

وفي ظل غياب سياسات ودعم حكومي واع، يفتقر العاملون في قطاع الثقافة والفنون المحلية إلى حماية اقتصادية، مما يجعلهم غير قادرين على الصمود أمام اكتساح المحتوى الرقمي الممول بمليارات الدولارات، وهو ما يعمق البطالة المقنعة وتراجع الاستثمار في مجالات الاقتصاد الإبداعي. فهل تفقد المجتمعات النامية سيادتها على مخيلتها؟

 

 الاقتصاد الثقافي في مواجهة الاحتكار الرقمي

 

أن الأمن الثقافي لا يقل أهمية عن الأمن الاقتصادي أو العسكري، وأن غياب استراتيجيات وطنية لدعم الإنتاج المحلي وحمايته يترك المجتمعات مكشوفة أمام تداعيات عولمة تمحو الخصوصيات ولا تترك سوى مستهلكين بلا ذاكرة.

حين يُطرح مصطلح “الأمن”، تنصرف الأذهان تلقائيا إلى قطاعين رئيسين: الأمن العسكري (المعني بحماية الحدود الجغرافية من العدوان الخارجي) والأمن الاقتصادي (المعني بتأمين الغذاء، والعمل، وتدفق الموارد المالية لضمان استمرار الحياة)؛ غير أن التجربة التاريخية والمعاصرة تؤكد أن سقوط أي أمة أو تفكك نسيجها لا يحدث بالضرورة عبر الهجمات العسكرية المباشرة، بل يبدأ غالبا من “الخاصرة الرخوة” للوعي والذاكرة والترابط الاجتماعي، وهو ما يُعرف بـ الأمن الثقافي. وتتبدى أهمية الأمن الثقافي لترقى إلى مرتبة الأمنين العسكري والاقتصادي ذاتها عبر عدة أبعاد جوهرية، فكما يحمي الجيش الحدود الجغرافية من الاحتلال العسكري، يحمي الأمن الثقافي “الحدود المعنوية والرمزية” للمجتمع من الاستلاب الفكري. عندما يُعاد تشكيل منظومة قيم الأفراد، وتتغير تطلعاتهم، وتتزعزع ثقتهم بتاريخهم ومؤسساتهم المحلية لصالح ثقافة وافدة، فإن الدول تفقد مناعتها من الداخل من دون إطلاق رصاصة واحدة، ويتجلى ذلك في كثير من الأحيان في انهيار الجبهة الداخلية، فالمجتمع الذي يفقد أمنه الثقافي يصبح مجتمعا مفككا، هشا، وتائه الهوية، يعجز عن اتخاذ مواقف موحدة تجاه أزماته الكبرى، وتضعف لديه روح التضامن الوطني، لأن الأفراد يصبحون مرتبطين وجدانيا بعوالم وافتراضات خارج حدود وطنهم.

ان الاقتصاد القوي لا يقوم فقط على توفر المال، بل يقوم على ثقافة الإنتاج والعمل والثقة بالمنتج المحلي. عندما تُهندس المنصات العابرة للحدود أذواقا استهلاكية نمطية تجعل المواطن يلهث خلف كل ما هو مستورد، فإنها تُحدث نزيفا هيكليا في العملات الصعبة وتدمر الاقتصاد المحلي القائم على الصناعات الثقافية والإبداعية والسلع الوطنية.   المورد البشري هو العمود الفقري لأي تنمية اقتصادية، فإذا تعرض هذا المورد لعملية “تسطيح معرفي” واستهلاك بصري سريع يفقد معه القدرة على التركيز، والتحليل النقدي، والابتكار، وبالنتيجة فإن الكفاءة الإنتاجية للمجتمع تتهاوى تدريجيا، مما يعطل مسارات التنمية الاقتصادية برمتها.

الدول التي لا تمتلك سيادة على ثقافتها ومخيلتها البصرية تصبح تابعة بامتياز حتى وإن كانت تمتلك ثروات مادية، فالإنسان الذي يفكر ويحكم على الأشياء بمعايير مستوردة يضغط سياسيا واجتماعيا باتجاه خيارات لا تخدم مصالحه الوطنية الحقيقية.

 يتوجب الحفاظ على الخصوصية في عالم “معولم”، اذ ان غياب الأمن الثقافي يعني ذوبان الهويات المحلية في “المفرمة العالمية” الموحدة، مما يحول المجتمعات إلى مجرد مستهلكين سلبيين لثقافات الآخرين وتاريخهم ومصالحهم، وفقدان القدرة على تقديم رؤية مستقلة تعبر عن الذات في المحافل الدولية.

الخلاصة ان الأمن العسكري يحمي الجسد المادي للدولة (الأرض)، والأمن الاقتصادي يحمي سبل عيشها وبقاءها المادي (الخبز)، فيما يحمي الأمن الثقافي روح الأمة وذاكرتها ومعناها (الهوية). ومن دون هذه الروح، تفقد الأوطان قدرتها على المقاومة والبناء والاستمرار، لتتحول الأوطان إلى مجرد أسواق استهلاكية تابعة تدور في فلك إرادة الآخرين.

ولطالما اشارت الدراسات الى ان صعود العولمة أدى الى زيادة التفاعل والتكامل بين البلدان والثقافات والاقتصادات والأنظمة السياسية، التي غالبا ما تكون مدفوعة بالتقدم في التكنولوجيا والتجارة الدولية، وأدى ذلك إلى التكامل الاقتصادي للأسواق الوطنية المنفصلة في السابق، مما أدى إلى تعزيز الترابط المتبادل بين الدول. وبرغم أن هذا القانون يقدم فرصا للربح وزيادة الشفافية في الحكم، فإن المنتقدين يثيرون المخاوف بشأن التآكل المحتمل للهويات الثقافية الفريدة وهيمنة الاقتصادات الكبرى على الاقتصادات الأقل حظا؛ فتتقاطع العولمة مع قضايا حاسمة مثل حقوق الإنسان والهجرة وحماية البيئة، فهي تتيح حركة الأشخاص الباحثين عن فرص أفضل ولكنها يمكن أن تؤدي أيضا إلى توترات في البلدان المضيفة. وعلاوة على ذلك، ففي حين أن النمو الاقتصادي يمكن أن يعزز حماية الموارد، فإنه يمكن أن يشكل أيضا تهديدات للبيئات المحلية وثقافاتها، إذا لم تجري إدارته بشكل مسؤول.

 

قد يعجبك ايضا