ميثم الجنابي.. مشروع فلسفي عراقي في أفق العقل والحضارة

نبيل عبد الأمير الربيعي

يُعد الدكتور ميثم الجنابي واحداً من أبرز المفكرين العراقيين المعاصرين الذين أسهموا في بناء مشروع فكري وفلسفي متكامل امتد على مساحة واسعة من الدراسات الفلسفية والتاريخية والحضارية. وقد استطاع، عبر عقود طويلة من البحث والتأليف والتدريس الأكاديمي، أن يؤسس لنفسه مكانة متميزة بين أعلام الفكر العربي المعاصر، بوصفه باحثاً عميقاً في الفلسفة الإسلامية، ومؤرخاً للأفكار، ومجدداً في قراءة التراث العربي الإسلامي، فضلاً عن كونه أستاذاً للفلسفة الإسلامية في جامعة موسكو، حيث أسهم في التعريف بالثقافة العربية والإسلامية داخل الأوساط الأكاديمية الروسية والعالمية.

ينتمي ميثم الجنابي إلى جيل من المثقفين العراقيين الذين حملوا همّ المعرفة بوصفها مشروعاً للتحرر والنهضة، لا مجرد اختصاص أكاديمي ضيق. ومنذ بداياته الفكرية أدرك أن الأزمة التي تعيشها الأمة العربية ليست أزمة سياسية فحسب، بل هي في جوهرها أزمة فكر وعقل وثقافة، الأمر الذي دفعه إلى التوجه نحو دراسة الفلسفة الإسلامية بوصفها أحد أهم المفاتيح لفهم الذات الحضارية العربية والإسلامية.

لقد انشغل الجنابي بدراسة التراث الإسلامي انشغال الباحث الذي يبحث عن عناصر الحياة والتجدد فيه، لا عن تكرار ما قاله السابقون. لذلك جاءت قراءاته للتراث مختلفة عن كثير من القراءات التقليدية التي اكتفت بالتوصيف أو الشرح. فقد سعى إلى اكتشاف البنية الداخلية للفكر الإسلامي والكشف عن قوانين تطوره التاريخي، محاولاً فهم العلاقة المعقدة بين العقل والنقل، وبين السياسة والأخلاق، وبين الدين والدولة، وبين الفرد والجماعة.

ويبرز اهتمامه الكبير بالفلسفة الإسلامية الكلاسيكية من خلال دراساته الواسعة لأعلام الفكر الإسلامي، أمثال الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد وابن عربي وغيرهم. غير أن دراساته لم تكن مجرد تحقيق تاريخي أو عرض أكاديمي، بل كانت إعادة بناء معرفية لهذه التجارب الفكرية الكبرى، ومحاولة لإدراك قيمتها المعاصرة وإمكانية الإفادة منها في مواجهة أسئلة الحاضر.

ويحتل الإمام الغزالي مكانة خاصة في مشروع الجنابي الفكري. فقد خصّص له العديد من الدراسات والأبحاث التي تناولت شخصيته الفكرية وموقعه في تطور العقل الإسلامي. ويرى الجنابي أن الغزالي لم يكن مجرد فقيه أو متصوف، بل كان مشروعاً فكرياً متكاملاً استطاع أن يعبر عن أزمة عصره وأن يقدم لها إجابات عميقة. ومن خلال هذه القراءة أعاد الجنابي الاعتبار للبعد الفلسفي والمعرفي في شخصية الغزالي، بعيداً عن الأحكام المسبقة التي سادت في بعض الكتابات الحديثة.

كما أولى اهتماماً بالغاً بالتصوف الإسلامي، وخاصة تجربة الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، حيث رأى في التصوف أحد الأبعاد الروحية الكبرى للحضارة الإسلامية. وقد تعامل مع التصوف بوصفه تجربة معرفية وأخلاقية وإنسانية عميقة، وليس مجرد ممارسة طقوسية أو انعزال عن الواقع. ومن هنا جاءت قراءاته لابن عربي وغيره من أعلام التصوف محاولات جادة للكشف عن البعد الإنساني الكوني في التجربة الروحية الإسلامية.

ومن أهم ما يميز مشروع ميثم الجنابي أنه لا يتوقف عند حدود دراسة الماضي، بل يتجاوزها إلى التفكير في الحاضر والمستقبل. فقد انشغل طويلاً بسؤال النهضة العربية وإشكاليات الدولة الحديثة والهوية الوطنية والثقافة المدنية. وكان يؤمن بأن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يتحقق من دون تأسيس عقل نقدي قادر على تجاوز العصبيات الضيقة والانقسامات الطائفية والإثنية التي أنهكت المجتمعات العربية.

وفي هذا السياق قدم الجنابي رؤيته الخاصة لما أسماه (فلسفة المرجعيات الثقافية)، حيث دعا إلى بناء مرجعية ثقافية وطنية تستند إلى القيم الإنسانية الكبرى وإلى الإرث الحضاري المشترك، بعيداً عن الانغلاق الأيديولوجي أو التعصب الفكري. وكان يرى أن الأمم لا تنهض بالقوة المادية وحدها، بل تحتاج إلى منظومة قيمية وثقافية قادرة على توجيه حركة المجتمع والدولة.

أما العراق، فقد ظل حاضراً بقوة في مشروعه الفكري رغم سنوات الاغتراب الطويلة. لقد نظر إلى العراق بوصفه ظاهرة حضارية وتاريخية فريدة، لا مجرد كيان سياسي معاصر. ولذلك كتب كثيراً عن الهوية العراقية وعن إشكالية الدولة والمجتمع وعن العلاقة بين الماضي والحاضر في التجربة العراقية. وكان يؤمن بأن العراق يمتلك من العمق الحضاري والثقافي ما يؤهله للنهوض من جديد، شرط أن يتم تجاوز الانقسامات الضيقة لصالح مشروع وطني جامع.

وإذا كان كثير من المفكرين ينشغلون بتشخيص الأزمات، فإن ميثم الجنابي سعى إلى تقديم رؤية فلسفية للخروج منها. فهو لا يكتفي بالنقد، بل يبحث عن البدائل الممكنة، مستنداً إلى رؤية تجمع بين العقلانية والروحانية، وبين التراث والتجديد، وبين الخصوصية الثقافية والانفتاح الإنساني. ولهذا اكتسبت كتاباته أهمية خاصة لدى الباحثين والمهتمين بالفكر العربي المعاصر.

لقد ترك الدكتور ميثم الجنابي عشرات المؤلفات والدراسات التي أصبحت مراجع أساسية في الفلسفة الإسلامية وتاريخ الفكر العربي والإسلامي. وتمتاز هذه الأعمال بعمقها المعرفي وسعتها المنهجية ولغتها الفلسفية الرصينة، الأمر الذي جعلها تحظى باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية العربية والأجنبية.

إن الحديث عن ميثم الجنابي هو حديث عن مشروع فكري عراقي أصيل تجاوز حدود الجغرافيا ليحضر في فضاءات الفكر الإنساني الرحبة. فهو واحد من أولئك المفكرين الذين أدركوا أن معركة الأمة الحقيقية هي معركة الوعي، وأن النهضة تبدأ من إعادة بناء العقل، وأن الفلسفة ليست ترفاً ذهنياً بل ضرورة حضارية لفهم العالم وتغيير الواقع.

وهكذا يبقى ميثم الجنابي نموذجاً للمثقف الموسوعي الذي جمع بين المعرفة العميقة والالتزام بقضايا الإنسان والمجتمع، وبين البحث الأكاديمي الصارم والرؤية الحضارية الشاملة، ليحتل مكانة مرموقة في سجل الفكر العراقي والعربي المعاصر، بوصفه واحداً من أبرز حراس العقل النقدي ودعاة النهضة والتجديد.

قد يعجبك ايضا