الباحث: حكيم زغير الساعدي
يبقى باب البحث والتحقيق مفتوحاً أمام كل مشروع معرفي يسعى إلى مراجعة المسلمات وإعادة فحصها؛ فالتاريخ الفكري لم يتقدم إلا بفضل العقول التي امتلكت الجرأة على مساءلة ما بدا مستقراً وثابتاً. ومن هذا المنطلق، تبرز رؤية المفكر والفيلسوف التنويري فرقد الأغا بوصفها محاولة فلسفية لإعادة النظر في أحد أكثر المفاهيم رسوخاً في التراث المنطقي، وهو مفهوم المنطق الصوري وحدوده المعرفية.
إن مراجعة الأفكار ليست ضعفاً، وإنما هي شرط أساسي لتطور المعرفة؛ فلا توجد نظرية بشرية تتمتع بالعصمة، وكل رؤية فلسفية أو علمية تبقى قابلة للنقد والمراجعة والتصحيح. ولهذا، فإن إخضاع الموروث الفكري للتحليل النقدي لا يعني هدمه، بل الكشف عن حدوده وإعادة تحديد مجالات صلاحيته.
ومن أكثر المفاهيم التي استقرت في الثقافة الفلسفية تعريف المنطق الصوري بأنه: «آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير». وقد ظل هذا التعريف يُتداول عبر قرون طويلة حتى اكتسب صفة البديهية، مع أن الواقع المعرفي يثير إشكالاً جوهرياً حوله؛ إذ إن كثيراً من المتخصصين في المنطق وقعوا في أخطاء معرفية رغم التزامهم بقواعده الشكلية، وهو ما يكشف أن المشكلة أعمق من مجرد سوء تطبيق القواعد.
وتكمن الإشكالية الأساسية في أن المنطق الصوري يهتم بصحة البناء الشكلي للاستدلال، ولا يمتلك في ذاته وسيلة للتحقق من صدق المقدمات التي يقوم عليها ذلك الاستدلال. فهو يضمن سلامة الانتقال من المقدمات إلى النتائج، لكنه لا يضمن صحة المقدمات نفسها ولا مطابقتها للواقع.
ومن هنا يبرز التحليل الذي يقدمه فرقد الأغا، إذ يرى أن الخلط التاريخي وقع عندما نُسب إلى المنطق دور لم يُخلق لأدائه؛ فالمنطق لا يفحص الأدلة، ولا يختبر الوقائع، ولا يميز بين الحقيقة والخرافة، وإنما يختبر فقط مدى اتساق العلاقة الشكلية بين المقدمات والنتائج.
وبناءً على ذلك، يمكن لاستدلال أن يكون صحيحاً من الناحية المنطقية، لكنه ينطلق من مقدمات خاطئة، فينتهي إلى نتائج باطلة. كما يمكن استخدام الصورة المنطقية نفسها للدفاع عن أفكار متعارضة إذا اختلفت المقدمات. وهذا يفسر كيف استطاعت مدارس فلسفية وعقائدية متناقضة أن تستند جميعها إلى البناء المنطقي ذاته، مع وصولها إلى نتائج متعارضة.
ومن هذا النقد ينطلق فرقد الأغا إلى إعادة تعريف المنطق الصوري تعريفاً أكثر دقة، فيرى أنه: ((المنطق الصوري هو العلم الذي يدرس الصورة المجردة للاستدلال، ويضع القواعد المعيارية لتقويم صحة الانتقال من المقدمات إلى النتائج من حيث البنية الشكلية، بمعزل عن مضمون القضايا وصدقها. ولذلك فهو معيار لسلامة الاستدلال الشكلي، لا معيار لصدق المعرفة أو ضمان اليقين؛ إذ قد ينشأ الخطأ من فساد المقدمات، أو ضعف الأدلة، أو سوء تطبيق قواعد الاستدلال، أو تأثير التحيزات والقيود الإدراكية، فيظل الاستدلال صحيحاً من حيث صورته، بينما تكون النتيجة خاطئة من حيث مضمونها أو غير مطابقة للواقع)).
وتكمن أهمية هذه الصياغة في أنها تعيد المنطق إلى وظيفته الحقيقية، فتجعله أداة لتنظيم الاستدلال، لا مصدراً للحقيقة ولا ضامناً لليقين. وبهذا تنتفي الفكرة التي منحت المنطق عبر التاريخ سلطة معرفية تتجاوز حدوده الطبيعية.
غير أن رؤية فرقد الأغا لا تقتصر على نقد التعريف التقليدي، بل تؤسس لمفهوم أشمل لسلامة التفكير يقوم على التكامل المعرفي، حيث تصبح صحة المعرفة نتيجة لتفاعل مجموعة من العناصر، أهمها:
* نقد المقدمات والكشف عن الافتراضات غير المبرهنة.
* التحقق من الأدلة بالاستناد إلى الملاحظة والتجربة والمعايير العلمية.
* الوعي بالتحيزات الإدراكية والنفسية والأيديولوجية التي تؤثر في تكوين الأحكام.
* إبقاء النتائج مفتوحة للمراجعة والتصحيح والنقد المستمر.
وبذلك، لا يعود المنطق وحده كافياً للوصول إلى الحقيقة، وإنما يصبح جزءاً من منظومة معرفية أوسع تتكامل فيها أدوات النقد والتحقق والمراجعة.
ومن هنا تتمثل القيمة الفلسفية لرؤية فرقد الأغا في أنها تفكك وهماً معرفياً استمر قروناً، وهو الاعتقاد بأن صحة الصورة المنطقية تكفي لضمان صحة المعرفة؛ فالاتساق الشكلي لا يعني بالضرورة مطابقة النتيجة للواقع، كما أن البرهان المنطقي لا يغني عن فحص المقدمات والأدلة التي يقوم عليها.
إن هذه الرؤية تعيد رسم الحدود الإبستمولوجية للمنطق الصوري، فتسقط عنه صفة العصمة، وتحصر وظيفته في تنظيم بنية الاستدلال، مع التأكيد أن الوصول إلى المعرفة الصحيحة يظل رهيناً بنقد المقدمات، وفحص الأدلة، والتحرر من التحيزات، والانفتاح الدائم على المراجعة.
وإذا كان المنطق الصوري قد مثّل عبر التاريخ أحد أعظم الإنجازات الفكرية في تنظيم التفكير، فإن تحديد حدوده المعرفية لا ينتقص من قيمته، بل يضعه في موضعه الصحيح داخل البناء المعرفي. ومن هذا المنظور، تمثل وثيقة «الحدود الإبستمولوجية للمنطق الصوري والنقد الفلسفي لوهم العصمة المعرفية» محاولة فلسفية لإعادة تعريف وظيفة المنطق، والانتقال من وهم اليقين الشكلي إلى عقلانية نقدية تجعل الحقيقة ثمرة لتكامل أدوات المعرفة، لا نتيجة لشكل الاستدلال وحده.