الاستاذ الدكتور
فكري عزيز حمد السورچي
يقف القانون الدولي في قلب واحدة من أكثر المفارقات تعقيداً في التاريخ السياسي الحديث؛ فهو من جهة يمثل محاولة إنسانية كبرى لنقل العلاقات بين الدول من منطق الغلبة إلى منطق القاعدة، ومن حكم القوة إلى قوة الحكم، ومن الفوضى التي تبيح للأقوى أن يفعل ما يشاء إلى نظام يفترض أن تتساوى فيه الدول أمام مبادئ السيادة وعدم التدخل واحترام الحقوق وحظر العدوان. لكنه من جهة أخرى يعمل داخل عالم لم تتساوَ فيه القوة يوماً، ولا تزال المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية ترسم حدوداً عملية لما يستطيع القانون أن يفعله. ومن هنا تنشأ الإشكالية العميقة: هل القانون الدولي عدالة فوق الدول، أم أنه في كثير من الأحيان عدالة مشروطة بميزان القوى؟ إن النصوص القانونية، مهما بلغت دقتها، لا تتحرك في فراغ، بل تدخل إلى فضاء سياسي تتفاوت فيه الدول في القدرة على التأثير وصناعة القرار وفرض التفسير الذي يخدم مصالحها. ولذلك قد نجد قاعدة قانونية واحدة تُستدعى بحزم في أزمة، ثم يجري التعامل معها بمرونة أو صمت في أزمة أخرى، ليس لأن جوهر القانون تبدل، بل لأن موقع الأطراف في ميزان القوة قد تبدل. وهذه المفارقة لا تعني أن القانون الدولي بلا قيمة، وإنما تكشف أن قوة القانون لا تنبع من النص وحده، بل من الإرادة الدولية التي تقف خلفه ومن عدالة المؤسسات التي تطبقه.
لقد ولدت فكرة القانون الدولي من حاجة الإنسان إلى تقييد القوة، لأن التاريخ أثبت أن القوة إذا تُركت بلا ضابط تتحول من وسيلة لحماية الدولة إلى أداة لتهديد الآخرين. وكان الاعتراف بسيادة الدول، ثم تطور قواعد المعاهدات والدبلوماسية وتسوية النزاعات، خطوات في رحلة طويلة للبحث عن نظام يحد من الفوضى. وبعد الحروب الكبرى في القرن العشرين أصبح العالم أكثر إدراكاً لخطر ترك الحرب أداة عادية في السياسة، فتعززت فكرة الأمن الجماعي، وتكرست قواعد تحظر استخدام القوة إلا ضمن استثناءات محددة، واتسع نطاق حماية حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والمسؤولية الجنائية الفردية. غير أن البناء القانوني الذي بدا في ظاهره انتصاراً للعدالة حمل منذ البداية تناقضاً بنيوياً: الدول التي صاغت النظام الدولي كانت نفسها دولاً متفاوتة في القوة والنفوذ، ولذلك لم يكن توزيع السلطة داخل المؤسسات الدولية انعكاساً كاملاً لمبدأ المساواة القانونية بين الدول، بل كان أيضاً انعكاساً لموازين سياسية تشكلت في لحظة تاريخية معينة.
وتظهر هذه المعضلة بصورة واضحة عندما نقارن بين مبدأ المساواة في السيادة وبين الواقع الفعلي لصنع القرار الدولي. فالدولة الصغيرة والدولة الكبرى متساويتان من حيث الشخصية القانونية الدولية، ولكل منهما سيادة وحقوق والتزامات، لكن قدرتهما على التأثير ليست متساوية. الدولة الكبرى تمتلك أدوات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية وإعلامية وقدرة أكبر على بناء التحالفات والضغط والتفاوض، بينما قد تجد الدولة الأضعف نفسها مضطرة إلى الدفاع عن حقها القانوني بوسائل محدودة. وهنا يصبح السؤال فلسفياً قبل أن يكون قانونياً: هل يكفي أن يكون الإنسان أو الدولة متساوياً أمام النص إذا لم يكن متساوياً في القدرة على الوصول إلى العدالة؟ فالعدالة الحقيقية لا تعني فقط كتابة قاعدة عامة، بل تعني كذلك ضمان تطبيقها على الجميع دون انتقائية.
ومن أكثر الأمثلة دلالة على التوتر بين القانون والمصلحة أن الدول كثيراً ما تقدم مصالحها بلغة قانونية. فالدولة نادراً ما تقول إنها تخالف القانون لأنها قوية، بل تحاول بناء تفسير قانوني يبرر سلوكها، وتستعين بمفاهيم مثل الدفاع عن النفس، والضرورة، والأمن القومي، وحماية المواطنين، وتنفيذ الالتزامات الدولية، وغيرها. وهذه الظاهرة تحمل دلالة مهمة: حتى القوة تحتاج إلى الشرعية. فالسياسة قد تستطيع فرض واقع بالقوة، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى الحصول على غطاء قانوني وأخلاقي، لأن الشرعية أصبحت جزءاً من القوة ذاتها. ومن هنا يمكن القول إن القانون الدولي، حتى عندما يُخرق، يظل حاضراً؛ إذ يشعر من يخالفه بالحاجة إلى تفسير فعله أو تبريره، وهذا بحد ذاته دليل على أن القاعدة القانونية لم تفقد معناها بالكامل.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول عملية التفسير إلى ازدواجية في المعايير. فإذا عُدّ انتهاك السيادة جريمة عندما يرتكبه خصم، ثم أصبح قابلاً للتبرير عندما يرتكبه حليف، فإن المشكلة لا تعود في النص بل في السياسة التي تنتقي من النص ما يناسبها. وإذا جرى الدفاع عن حقوق المدنيين في نزاع، بينما تراجعت الحساسية تجاه المعاناة الإنسانية في نزاع آخر، فإن ثقة الشعوب بالنظام القانوني الدولي تتعرض للاهتزاز. فالعدالة لا تُقاس بقوة العبارات، وإنما بثبات المعيار. وأخطر ما يمكن أن يصيب القانون ليس مجرد خرق قاعدة من قواعده، لأن كل نظام قانوني يعرف المخالفات، بل أن يترسخ الاعتقاد بأن القاعدة تُطبق على الضعفاء أكثر مما تُطبق على الأقوياء؛ عندها تتحول الأزمة من مخالفة قانونية إلى أزمة شرعية للنظام كله.
إن مجلس الأمن يمثل نموذجاً بالغ الوضوح لهذه الجدلية. فقد أُنشئ ليضطلع بمسؤولية رئيسية في حفظ السلم والأمن الدوليين، غير أن تركيبة صنع القرار فيه تمنح الدول الدائمة العضوية ثقلاً استثنائياً. وكان لهذا الترتيب تفسير تاريخي وسياسي يرتبط بضمان مشاركة القوى الكبرى في النظام وعدم انهياره كما انهارت تجارب سابقة، لكنه في الوقت نفسه أوجد معضلة مستمرة: كيف يمكن تحقيق أمن جماعي كامل عندما تستطيع مصالح دولة كبرى أن تعطل قراراً تراه الأغلبية ضرورياً؟ إن حق النقض يكشف أن النظام الدولي لم يُبنَ على القانون وحده، بل على تسوية بين العدالة والواقعية السياسية. لقد قيل للقوة، بصورة ضمنية: ادخلي النظام ولا تبقي خارجه، لكن النظام اضطر في المقابل إلى الاعتراف بمكانة خاصة لها. وهكذا أصبح القانون الدولي في بعض مؤسساته محاولة لتنظيم القوة أكثر من كونه إلغاءً لها.
ولا تقتصر المسألة على الحروب والنزاعات المسلحة. ففي الاقتصاد الدولي والعقوبات والعلاقات التجارية والتكنولوجيا والمناخ والمياه العابرة للحدود تظهر المصالح بوصفها عاملاً مؤثراً في تفسير الالتزامات وفي استعداد الدول لتحمل كلفتها. فالدولة قد تؤيد قاعدة دولية ما دامت لا تمس مصالحها الحيوية، لكنها تصبح أكثر تحفظاً عندما تشعر أن تنفيذها سيكلفها اقتصادياً أو أمنياً. وهذا السلوك مفهوم من زاوية وظيفة الدولة التي تسعى إلى حماية مصالح مجتمعها، إلا أن المشكلة تقع عندما تتحول المصلحة الوطنية إلى مبرر دائم للتنصل من الالتزامات المشتركة. فلو تصرفت كل دولة وفق منطق المصلحة الآنية وحدها لما بقي معنى حقيقي للنظام الدولي، لأن القانون يقوم أساساً على قبول قيود متبادلة تحقق منفعة أوسع وأطول أمداً.
ومن الأمثلة العملية البسيطة أن دولتين قد تختلفان حول نهر دولي. الدولة الواقعة في المنبع تنظر إلى المياه باعتبارها مورداً سيادياً ضرورياً للتنمية، بينما ترى دولة المصب أن أي تغيير كبير في تدفق المياه يمس حقها في الحياة والأمن الغذائي. هنا لا تستطيع المصلحة وحدها أن تقدم حلاً عادلاً، كما لا يستطيع النص المجرد أن يحل المشكلة من دون فهم حاجات الطرفين. وظيفة القانون الدولي في هذه الحالة هي تحويل صراع الإرادات إلى تفاوض منظم يقوم على مبادئ الإنصاف وعدم إحداث ضرر ذي شأن والتعاون وتبادل المعلومات. والقيمة الكبرى للقانون هنا أنه يمنع الطرف الأقوى جغرافياً أو سياسياً من اعتبار قدرته الواقعية مصدراً مطلقاً للحق.
ومثال آخر يظهر في النزاعات المسلحة، حين تكون حماية المدنيين اختباراً أخلاقياً وقانونياً للنظام الدولي. ففي لحظة الحرب تزداد إغراءات الضرورة العسكرية، وقد ترى الأطراف أن تحقيق الهدف العسكري يبرر توسيع دائرة القوة المستخدمة. وهنا يتدخل القانون الدولي الإنساني ليقول إن الحرب، حتى عندما تقع، ليست مساحة بلا حدود؛ فهناك تمييز بين المدني والمقاتل، وهناك ضرورة للتناسب والاحتياط، وهناك أشخاص وأعيان يتمتعون بالحماية. إن أهمية هذه القواعد تكمن في أنها ترفض الفكرة القديمة التي تجعل الانتصار العسكري مبرراً لكل شيء. وبذلك يصبح القانون محاولة للحفاظ على شيء من الإنسانية في اللحظة التي تكون فيها الإنسانية أكثر عرضة للانهيار.
ومع ذلك، لا ينبغي الوقوع في تصور مثالي يفترض أن القانون يستطيع وحده منع كل حرب أو إنهاء كل ظلم. القانون الدولي ليس حكومة عالمية تمتلك جهازاً تنفيذياً واحداً قادراً على فرض أحكامه في كل مكان، بل هو منظومة تعتمد بدرجة كبيرة على تعاون الدول والمؤسسات والضغوط السياسية والدبلوماسية والقضائية والاقتصادية. وهذه الطبيعة تجعل تنفيذه أكثر تعقيداً من القانون الداخلي. إلا أن محدودية التنفيذ لا تعني انعدام الأثر. فالمعاهدات والمحاكم الدولية والآليات الرقابية والأعراف القانونية والضغط الدبلوماسي وتوثيق الانتهاكات كلها تشكل شبكة من القيود التي تؤثر في سلوك الدول، ولو بدرجات متفاوتة. كما أن القانون يصنع ذاكرة للمسؤولية؛ فما قد يبدو في لحظة معينة فعلاً محمياً بالقوة قد يتحول لاحقاً إلى ملف قانوني وسياسي وأخلاقي يلاحق أصحابه.
وتزداد أهمية هذه المسألة في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة. فكلما ازداد التنافس بين القوى الكبرى أصبح خطر توظيف القانون في الصراع السياسي أكبر، لكنه في الوقت نفسه يجعل الحاجة إلى القانون أشد. فالعالم الذي لا توجد فيه قوة واحدة قادرة على فرض إرادتها يحتاج إلى قواعد مشتركة تمنع المنافسة من التحول إلى صدام شامل. ومن المفارقات أن القوى الكبرى نفسها، رغم ما تمتلكه من قدرات، تحتاج إلى الاستقرار القانوني في التجارة والملاحة والاتصالات والفضاء والمناخ ومكافحة الجريمة العابرة للحدود. أي أن المصلحة والقانون ليسا دائماً خصمين؛ فقد تكون المصلحة بعيدة المدى هي التي تدفع الدول إلى احترام القانون، لأن الفوضى الشاملة لا تخدم حتى الأقوياء.
ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي للنظام الدولي لا يبدأ بإدانة مفهوم المصلحة الوطنية، لأن الدول ستظل تبحث عن مصالحها، وإنما يبدأ بجعل احترام القانون جزءاً من تعريف المصلحة نفسها. الدولة الحكيمة ليست التي تحقق مكسباً سريعاً عبر تجاوز القاعدة، ثم تسهم في هدم النظام الذي يحميها غداً، بل التي تدرك أن الاستقرار والقدرة على التنبؤ واحترام الالتزامات هي مصالح استراتيجية. كذلك فإن قوة المؤسسات الدولية لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على بناء الثقة بأن القواعد لا تتغير بتغير هوية المخالف.
إن مستقبل القانون الدولي يتوقف، إلى حد بعيد، على الإجابة عن سؤال العدالة المتساوية. فالعالم لا يحتاج إلى المزيد من النصوص بقدر حاجته إلى تقليص المسافة بين النص والتطبيق. وقد يكون من المستحيل إزالة السياسة من القانون الدولي، لأن القانون نفسه ينظم علاقات سياسية بين كيانات ذات سيادة ومصالح متعارضة، لكن الممكن والضروري هو منع السياسة من ابتلاع القانون. وهذا يتطلب مؤسسات أكثر تمثيلاً، وآليات أكثر فاعلية للمساءلة، وتعزيز استقلال القضاء الدولي، والحد من الانتقائية، وتوسيع ثقافة احترام الالتزامات الدولية، وربط الشرعية الدولية بمعيار ثابت لا يتبدل تبعاً للحليف والخصم.
وفي النهاية، فإن الصراع بين عدالة النص ومصالح الدول الكبرى ليس مجرد خلاف بين القانون والسياسة، بل هو صراع حول شكل العالم الذي يريد الإنسان أن يعيش فيه. فإذا أصبحت القوة هي المصدر الوحيد للحق، عدنا إلى منطق تاريخي قديم يرى أن المنتصر يكتب الحقيقة كما يكتب الحدود. أما إذا استطاع المجتمع الدولي أن يجعل القوة خاضعة لقواعد مشتركة، فإن القانون يتحول من حبر على الورق إلى سياج يحمي الضعيف ويقيد القوي في الوقت نفسه. إن عظمة القانون الدولي لا تكمن في أنه ألغى القوة، فهو لم يفعل، بل في أنه أقام أمامها سؤالاً دائماً عن الشرعية. وربما تكون العدالة الدولية الحقيقية هي اليوم ذلك الطريق الطويل الذي يجعل الدولة الأقوى تدرك أن قدرتها على الفعل لا تعني دائماً حقها في الفعل، وأن الدولة الأضعف تدرك أن ضعفها لا يلغي حقها. وبين هذين المعنيين تتحدد قيمة القانون الدولي: ليس بوصفه وعداً بعالم بلا مصالح، بل بوصفه محاولة حضارية كي لا تتحول المصالح إلى إذن مفتوح بالظلم.