عدالة المنتصر أم عدالة القانون؟ إشكالية القوة في النظام الدولي

الاستاذ الدكتور
چيا عبد الكريم رشيد

منذ أن بدأت الجماعات السياسية تتحول إلى دول، ظل سؤال القوة ملازماً لسؤال العدالة: هل الحق هو ما تقرره القاعدة، أم ما يستطيع الأقوى فرضه على الأرض؟ ومع تطور القانون الدولي حاولت الإنسانية أن تنتقل من زمن كان الانتصار فيه يكفي لتبرير الفعل إلى زمن يفترض أن تخضع فيه الدولة، مهما بلغت قوتها، لمبادئ مشتركة. غير أن الواقع الدولي ظل يكشف عن مسافة واسعة بين ما تقوله النصوص وما تسمح به موازين القوى. ومن هذه المسافة تولد الإشكالية الكبرى: هل يعيش العالم تحت عدالة القانون، أم أن عدالة المنتصر لا تزال حاضرة ولكن بلغة أكثر دبلوماسية ومؤسسات أكثر تعقيداً؟
إن عدالة المنتصر مفهوم أقدم من القانون الدولي الحديث. ففي الحروب القديمة كان المنتصر يحدد الحدود، ويفرض الشروط، ويكتب الرواية السياسية، ويقرر مصير المهزوم. ولم يكن ثمة نظام عالمي قادر على مساءلته بصورة فعالة. أما القانون الدولي الحديث فقد جاء بفلسفة مختلفة تقوم على أن القوة لا تنشئ الحق بمجرد امتلاكها، وأن السيادة لا تبيح العدوان، وأن الحرب ليست وسيلة طبيعية لاكتساب الأرض أو إخضاع الشعوب. وبذلك حاول القانون أن يفصل بين القدرة على الفعل ومشروعية الفعل؛ فقد تستطيع دولة أن تفعل شيئاً، لكن استطاعتها لا تعني أن لها الحق في فعله.
هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها في العلاقات الدولية ثورية في معناها. فالدولة القوية تمتلك الجيش والاقتصاد والنفوذ والتحالفات، بينما يمتلك القانون في كثير من الأحيان النص والشرعية والضغط السياسي. وعندما يتصادمان يظهر الاختبار الحقيقي للنظام الدولي. فإذا خضعت القوة للقاعدة أثبت القانون أنه قادر على تنظيم السياسة، أما إذا تغير تفسير القاعدة تبعاً لهوية الدولة وموقعها، فإن العالم يقترب من منطق يرى أن القانون قوي على الضعفاء وضعيف أمام الأقوياء.
وليس المقصود بذلك أن كل دولة كبرى تتجاهل القانون، أو أن كل قرار دولي تعبير عن الهيمنة؛ فالقوى الكبرى نفسها أسهمت في إنشاء المؤسسات والمعاهدات وتحتاج إلى استقرار القواعد في التجارة والملاحة والدبلوماسية والأمن. لكن التفاوت في النفوذ يخلق قدرة غير متساوية على التأثير في تفسير الأحداث وفي صناعة الاستجابة الدولية. وهنا تكمن المشكلة: المساواة القانونية بين الدول لا تعني بالضرورة المساواة السياسية بينها. فدولة صغيرة ودولة عظمى قد تتساويان نظرياً في السيادة، لكنهما لا تتساويان في القدرة على حشد التأييد أو تحمل العقوبات أو التأثير في القرارات.
ويظهر هذا التناقض بصورة واضحة في بنية الأمن الجماعي. ففكرة أن المجتمع الدولي يتحرك لحماية السلم فكرة ذات قيمة كبيرة، إلا أن السياسة تدخل لحظة تحديد التهديد، واختيار الأداة، وتوقيت التحرك. وقد تصبح الأزمة التي تمس مصالح القوى الكبرى في مركز الاهتمام، بينما تبقى أزمة أخرى أقل حضوراً رغم جسامة معاناة البشر فيها. وعندما يرى الرأي العام اختلافاً كبيراً في مستوى الاستجابة لحالات تبدو متشابهة، ينشأ السؤال عن ازدواجية المعايير، وهو سؤال خطير لأنه لا يطعن في قرار واحد فقط، بل قد يضعف الثقة بالنظام بأكمله.
إن حق النقض في مجلس الأمن يمثل نموذجاً فلسفياً لهذه المعضلة. فمن جهة، يعكس واقعية سياسية قامت على ضرورة إبقاء القوى الكبرى داخل نظام الأمن الجماعي، لأن نظاماً يعاديها جميعاً قد يصبح عاجزاً عن العمل. ومن جهة أخرى، يسمح لمصلحة دولة دائمة العضوية بأن تمنع أحياناً إرادة أوسع من التحول إلى قرار ملزم. وهكذا يبدو النظام وكأنه قام على صفقة تاريخية بين القانون والقوة: منح القوة مكانة خاصة مقابل أن تعمل، قدر الإمكان، داخل المؤسسة. وهذه الصيغة ربما ساعدت على استمرار النظام، لكنها أبقت سؤال العدالة مفتوحاً.
ومن الأمثلة العملية التي توضح الفرق بين عدالة القانون وعدالة المنتصر قضية الأراضي التي تتغير السيطرة عليها بفعل القوة. المنطق القديم يقول إن من يسيطر يصبح صاحب الحق بمرور الزمن، أما المنطق القانوني الحديث فيحاول منع تحويل التفوق العسكري إلى سند قانوني تلقائي. أهمية ذلك لا تتعلق بالخريطة وحدها، بل بالمبدأ؛ لأن قبول أن القوة تخلق الملكية السياسية يشجع كل دولة قادرة على اختبار حدود جيرانها. ولذلك فإن رفض شرعنة المكاسب الناتجة عن العدوان ليس مجرد دفاع عن دولة بعينها، وإنما دفاع عن استقرار النظام كله.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال العدالة في إصدار الإدانات. فالقانون الذي لا يجد طريقاً معقولاً إلى التنفيذ يواجه أزمة مصداقية. قد تصدر قاعدة واضحة، لكن السؤال يبقى: من سينفذها؟ وبأي وسيلة؟ وعلى أي طرف؟ وهل ستكون كلفة التنفيذ متساوية في جميع الحالات؟ القانون الداخلي يستند عادة إلى سلطة مركزية وأجهزة تنفيذ، أما المجتمع الدولي فلا يملك حكومة عالمية بالمعنى التقليدي. ولذلك يعتمد إنفاذ قواعده على تعاون الدول، والمحاكم، والعقوبات، والضغوط الدبلوماسية، والسمعة، والتحالفات، وآليات متعددة تتفاوت فعاليتها.
وهذه الطبيعة اللامركزية لا تجعل القانون الدولي عديم القيمة. فلو كان بلا أثر لما حرصت الدول على تبرير أفعالها قانونياً. نادراً ما تعلن دولة أنها قامت بعمل لأنها قوية فحسب؛ بل تبحث عادة عن أساس قانوني أو تفسير سياسي ذي لغة قانونية. وهذه الحاجة إلى التبرير تكشف أن الشرعية أصبحت جزءاً من القوة. فقد يستطيع السلاح تغيير واقع سريعاً، لكن تثبيت ذلك الواقع والحصول على الاعتراف والتعاون والاستقرار يحتاج إلى شرعية أوسع.
ويزداد الأمر تعقيداً عندما تتحول المحاكمات الدولية إلى جزء من الصراع على الرواية. فالعدالة الجنائية الدولية تحمل فكرة نبيلة: بعض الجرائم خطيرة إلى درجة أن مرتكبيها لا ينبغي أن يجدوا الحماية لمجرد موقعهم أو جنسيتهم. لكن نجاح هذه الفكرة مرتبط بأن يشعر العالم بأن المساءلة ليست انتقائية. فإذا اعتقدت الشعوب أن بعض المتهمين يصلون إلى العدالة لأن دولهم ضعيفة، بينما يبقى آخرون بعيدين عنها بسبب الحماية السياسية، فإن المحكمة قد تربح قضية وتخسر جزءاً من الثقة العامة. ولذلك فإن المساواة أمام العدالة ليست تفصيلاً إجرائياً، بل أساس مشروعيتها.
ومن المهم التمييز بين عدالة المنتصر والمحاسبة المشروعة بعد الحرب. فليس كل حساب للمهزوم انتقاماً، وليس كل إجراء ضد الطرف الخاسر عدالة. المعيار هو وجود قواعد سابقة وواضحة، ومحاكمة عادلة، وأدلة، وحقوق للدفاع، وعدم تحويل القضاء إلى مسرح لتأكيد نتيجة المعركة. العدالة تبدأ عندما يُحاسب الإنسان على فعله لا على هزيمته، وعندما يكون المعيار صالحاً للتطبيق على المنتصر والمهزوم معاً.
كما أن المنتصر لا يكون دائماً دولة واحدة. فقد تكون القوة اليوم اقتصادية أو تكنولوجية أو إعلامية. تستطيع دولة أو مجموعة دول أن تمارس ضغطاً مالياً واسعاً من خلال العقوبات أو التحكم في الأسواق أو التكنولوجيا. وهنا يظهر سؤال جديد: متى تكون العقوبات وسيلة مشروعة لحماية القانون، ومتى تتحول آثارها إلى عبء يقع على المجتمع أكثر من صانع القرار؟ إن عدالة الوسيلة لا تقل أهمية عن عدالة الهدف، لأن القانون الذي يريد حماية الإنسان لا يستطيع تجاهل أثر أدواته على الإنسان نفسه.
وفي عصر الفضاء السيبراني ازدادت صعوبة تحديد المنتصر والمعتدي. هجوم إلكتروني قد يعطل بنية تحتية من دون عبور جندي للحدود، وقد تكون هوية الفاعل موضع نزاع، وقد تستخدم جهات غير حكومية تعمل من أراضي دولة ما. هنا يصبح القانون أمام واقع لا يشبه الحروب التقليدية التي صيغت في ظلها كثير من المفاهيم. وإذا لم يطور المجتمع الدولي قواعد أكثر وضوحاً للمسؤولية والإسناد والرد المشروع، فقد تتكون منطقة رمادية تسمح للقوة التكنولوجية بأن تسبق القانون.
ويطرح الذكاء الاصطناعي تحدياً أشد. فإذا دخلت الأنظمة الذاتية في اتخاذ قرارات عسكرية حساسة، فمن يتحمل المسؤولية عند الخطأ: القائد، أم المبرمج، أم الدولة، أم الجهة المصنعة؟ إن العدالة القانونية تقوم على إمكانية نسبة الفعل إلى مسؤول، بينما قد تجعل التكنولوجيا سلسلة القرار أكثر تعقيداً. ولهذا فإن مستقبل القانون الدولي لن يتحدد فقط في قاعات المحاكم ومجالس الدبلوماسية، بل أيضاً في المختبرات والشركات والمنصات الرقمية التي تصنع أدوات القوة الجديدة.
أما الدول الصغيرة، فهي الأكثر حاجة إلى انتصار منطق القانون على منطق الغلبة. الدولة الكبرى تستطيع حماية جانب من مصالحها بقوتها الذاتية، بينما تعتمد الدولة الصغيرة بدرجة أكبر على احترام الحدود والاتفاقيات ومبدأ عدم التدخل والتسوية السلمية. ومن هنا فإن القانون الدولي ليس ترفاً نظرياً بالنسبة للدول الأقل قوة؛ إنه أحد عناصر أمنها الوطني. وكلما ضعفت القواعد زادت أهمية الجغرافيا والتحالف والسلاح، وكلما قويت القواعد ازدادت مساحة الحركة أمام الدول التي لا تملك أدوات الضغط الكبرى.
ومع ذلك، فإن الدول الصغيرة ليست مجرد ضحايا للنظام؛ تستطيع عبر الدبلوماسية الذكية، والتحالفات، والمنظمات الإقليمية، والقضاء الدولي، وبناء السمعة، أن تحول الشرعية إلى مصدر نفوذ. فالقوة ليست عسكرية فقط. هناك قوة الحجة، وقوة التحالف، وقوة الاقتصاد، وقوة المعرفة، وقوة المكانة الأخلاقية. وقد أثبت التاريخ الدبلوماسي أن دولة محدودة الموارد تستطيع أحياناً حماية مصالحها عندما تفهم قواعد النظام وتبني علاقاتها بصورة متوازنة.
إن إصلاح العلاقة بين القوة والقانون لا يتحقق بإلغاء القوة؛ فهذا غير واقعي. الدول ستظل تسعى إلى الأمن والمصالح والنفوذ. المطلوب هو أن تصبح القوة أكثر خضوعاً للقاعدة، وأن تصبح المؤسسات أقل عرضة للانتقائية، وأن يكون تفسير القانون متماسكاً قدر الإمكان. كما يحتاج النظام الدولي إلى تعزيز وسائل التسوية السلمية، ودعم استقلال القضاء، وزيادة الشفافية في اتخاذ القرارات، وتطوير قواعد تناسب الحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي والفضاء والمناخ وغيرها من ساحات الصراع الجديدة.
كذلك ينبغي ألا يُفهم القانون على أنه أداة عقاب فقط. وظيفته الأعمق هي الوقاية: أن يعرف كل طرف مسبقاً حدود ما يستطيع فعله والنتائج المترتبة على تجاوزه. كلما كانت القواعد واضحة ومتوقعة، قل احتمال سوء الحساب. أما النظام الذي تختلف فيه النتائج بصورة حادة تبعاً لهوية الأطراف فقد يشجع المغامرة، لأن الدولة ستبني قرارها على علاقاتها ومكانتها لا على القاعدة المشتركة.
وفي النهاية، فإن السؤال: «عدالة المنتصر أم عدالة القانون؟» ليس سؤالاً عن الماضي وحده، بل عن مستقبل الحضارة السياسية. لقد قطعت الإنسانية مسافة طويلة من زمن كان فيه السيف دليلاً كافياً على الحق، لكنها لم تصل بعد إلى عالم يكون فيه القانون مستقلاً تماماً عن ميزان القوة. وربما لا يكون الهدف الواقعي إلغاء القوة، بل منعها من التحول إلى حق بذاتها. فالفارق بين النظام والفوضى ليس وجود الأقوياء، إذ سيظل الأقوياء موجودين، وإنما وجود قواعد تقول للأقوى إن قدرته ليست تفويضاً مفتوحاً، وتقول للأضعف إن حقه لا يسقط لأنه لا يملك القوة الكافية لفرضه.
إن العدالة الدولية الحقيقية تبدأ عندما لا يحتاج القانون إلى معرفة اسم الدولة قبل أن يحدد المبدأ، وعندما لا يتغير معنى السيادة بتغير الحليف والخصم، وعندما يصبح الانتصار العسكري عاجزاً وحده عن صناعة الشرعية. عندئذ فقط يمكن الانتقال من عالم يحاول فيه المنتصر أن يجعل إرادته قانوناً، إلى عالم يجعل القانون حدوداً لإرادة المنتصر. وبين العالمين تقف معركة طويلة لا تخاض بالسلاح وحده، بل بالمؤسسات والقضاء والدبلوماسية والوعي الإنساني؛ لأنها في جوهرها معركة حول سؤال واحد: هل القوة تصنع الحق، أم أن الحق هو الذي ينبغي أن يهذب القوة؟

قد يعجبك ايضا