هل يبدأ الفشل من الخارج أم من الطريقة التيننظر بها إلى أنفسنا

متابعة التآخي

كم من موهبة ماتت قبل أن تولد لأن صاحبها لم يؤمنبها؟ وكم من حلم انهار قبل أن يبدأ لأن صاحبه أقنعنفسه بأنه لا يستحقه؟ ولماذا ينجح أشخاصبإمكانات متواضعة بينما يفشل آخرون يمتلكون كلمقومات النجاح؟ وهل حقًا يكون الإنسان أحيانًا هوالسجن الذي يحبس نفسه داخله؟

في صباح أحد الأيام، جلس شاب في قاعة انتظارلإجراء مقابلة عمل كان يحلم بها منذ سنوات. كانيحمل شهادة جامعية جيدة، وخبرة مناسبة، وكل ماتطلبه الوظيفة تقريبًا. وما إن ناداه الموظف للدخولحتى اعتذر بهدوء وغادر المكان. لم يكن ينقصهالعلم، ولا الكفاءة، ولا حتى الفرصة. كان ينقصهشيء واحد فقطأن يؤمن بأنه يستحق.

وفي مدينة أخرى، كانت امرأة ترفض الظهور في أيمناسبة اجتماعية، ليس لأنها تفتقد الجمال أوالثقافة، وإنما لأنها كانت ترى في نفسها شخصًاأقل من الآخرين. أما رجل الأعمال الذي يملأ وسائلالتواصل باستعراض نجاحاته وثروته، فقد يكون هوالآخر أسير شعور داخلي بالنقص، يحاول تعويضهبمزيد من المظاهر. هذه المشاهد لا تجمعها المهنة ولاالعمر ولا المستوى الاقتصادي، لكنها تشترك فيشيء واحد؛ جميعها تعكس معركة صامتة يخوضهاالإنسان مع صورته عن نفسه.

فكم من موهبة ماتت قبل أن تولد لأن صاحبها لميؤمن بها؟ وكم من حلم انهار قبل أن يبدأ لأنصاحبه أقنع نفسه بأنه لا يستحقه؟ ولماذا ينجحأشخاص بإمكانات متواضعة بينما يفشل آخرونيمتلكون كل مقومات النجاح؟ وهل حقًا يكونالإنسان أحيانًا هو السجن الذي يحبس نفسهداخله؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بعلم النفس وحده، بل تمسجوهر الحياة الإنسانية؛ لأن الطريقة التي يرى بهاالإنسان ذاته هي العدسة التي يرى من خلالهاالعالم كله. فإذا تشوهت تلك العدسة، بدا كل شيءمن حوله أصغر أو أكثر ظلمة مما هو عليه فيالواقع. ومن هنا يبدأ الحديث عن واحد من أكثرالمفاهيم حضورًا في حياة الإنسان، وأكثرها تعرضًالسوء الفهمتقدير الذات.

في نهاية المطاف، لا تبدأ رحلة النجاح من الجامعةأو الوظيفة أو المنصب، بل تبدأ من الحوار الصامتالذي يجريه الإنسان مع نفسه كل يوم. فالإنجازاتالكبرى لم يصنعها أشخاص لم يعرفوا الخوف،وإنما صنعها أشخاص رفضوا أن يجعلوا الخوفتعريفًا لأنفسهم.

إن تقدير الذات ليس ترفًا نفسيًا، ولا شعارًا تحفيزيًايُتداول في الدورات التنموية، بل هو حجر الأساسفي بناء شخصية متوازنة قادرة على التعلم،والمبادرة، وتحمل الإخفاق، والانطلاق من جديد. فالإنسان الذي يتصالح مع ذاته لا يصبح كاملًا،وإنما يصبح أكثر قدرة على رؤية نقاط ضعفه دونأن تتحول إلى قيود، وأكثر قدرة على استثمار نقاطقوته دون أن يقع في الغرور.

ولعل أعظم انتصار يحققه الإنسان في حياته ليسأن يهزم منافسيه، بل أن يتوقف عن جلد نفسه، وأنيتحرر من الأحكام القاسية التي ظل يرددها سنواتطويلة حتى صدقها. فالنجاح الحقيقي لا يبدأ حينيصفق لك الآخرون، بل يبدأ في اللحظة التي تنظرفيها إلى نفسك بعدل، وتقول: أنا لست كاملًالكنني أستحق أن أحاول، وأتعلم، وأنجح.

توصيات عملية لبناء تقدير ذات صحي

أولًا: راقب طريقة حديثك مع نفسك، فالكلمات التيتكررها داخليًا تتحول مع الزمن إلى قناعات تحكمحياتك.

ثانيًا: افصل بين الخطأ وقيمة الإنسان؛ فالفشل فيتجربة لا يعني أنك إنسان فاشل.

ثالثًا: توقف عن مقارنة حياتك بالصور المثالية التيتعرضها وسائل التواصل الاجتماعي، فمعظمها لايعكس الواقع الكامل.

رابعًا: احتفل بالإنجازات الصغيرة، لأنها اللبناتالتي تبني الثقة بالنفس على المدى الطويل.

خامسًا: أحط نفسك بأشخاص يمنحونك تغذيةراجعة صادقة ومحترمة، لا بمن يقتاتون على التقليلمن الآخرين.

سادسًا: طوّر مهاراتك باستمرار؛ فالثقة الحقيقية لاتُبنى على الأمنيات، بل على الكفاءة المتنامية.

سابعًا: لا تجعل رأيًا سلبيًا واحدًا يختزل شخصيتككلها، فالتقييم الجزئي لا يصنع الحقيقة الكاملة.

ثامنًا: إذا تحوّل احتقار الذات إلى حالة مزمنة تؤثرفي عملك أو علاقاتك أو جودة حياتك، فلا تتردد فيطلب المساعدة من مختص نفسي؛ فالعناية بالصحةالنفسية ليست ضعفًا، وإنما وعي ومسؤولية.

تاسعًا: تذكر دائمًا أن الإنسان لا يُقاس بما يملكهمن مال أو منصب أو شهرة، وإنما بما يستطيع أنيضيفه إلى حياته وحياة الآخرين من خير ومعرفةوأثر.

وأخيرًا: لا تنتظر أن يمنحك العالم قيمتك؛ فالعالميعامل الإنسان غالبًا بالطريقة التي يعامل بها هونفسه. فمن عرف قيمة ذاته، دون غرور، استطاع أنيصنع لنفسه مكانًا يليق به، وأن يمضي في طريقهبثقة وطمأنينة

قد يعجبك ايضا