قراءة في كتاب أثر الشرعة الدولية لحقوق الأقليات في النظام القانوني العراقي

حسو هورمي

البطاقة التعريفية:
– المؤلف: غزوان حميد الداؤودي
– الناشر: هاتريك للطباعة والنشر والتوزيع
– الطبعة: الأولى، أربيل – 2025
– عدد الصفحات: 260 صفحة من الحجم الكبير
يُعدُّ كتاب “أثر الشرعة الدولية لحقوق الأقليات في النظام القانوني العراقي” للباحث غزوان حميد الداؤودي إضافةً نوعيةً إلى المكتبة القانونية العراقية والعربية، كونه يجمع بين التأصيل النظري لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، والتحليل التطبيقي للقانون الدستوري والتشريعات الوطنية. وقد صدر هذا الكتاب عن رسالة ماجستير قدَّمها الباحث إلى كلية الحقوق في جامعة الموصل بتاريخ 4 ديسمبر 2022، ونال عنها درجة الماجستير في القانون، مما أكسب الدراسة منهجيةً أكاديميةً رصينةً تجمع بين الدقة العلمية والرؤية التحليلية.

ينطلق الباحث من خصوصية الحالة العراقية، إذ يُعد العراق من أكثر بلدان العالم تنوُّعاً من الناحية القومية والدينية والمذهبية واللغوية؛ فهو يضم مكونات متعددة كالكرد والتركمان والكلدان والآشوريين والسريان والأرمن والإيزيديين والصابئة المندائيين والشبك وغيرهم، وهو ما يجعله نموذجاً محورياً لدراسة تأثير الشرعة الدولية لحقوق الأقليات في النظام القانوني الوطني. وقد شهد العراق خلال العقود الماضية تحديات كبرى، تمثلت في الحروب والصراعات الداخلية والإرهاب والتغييرات السياسية التي أعقبت عام 2003، وهو ما انعكس مباشرةً على الأوضاع القانونية والاجتماعية والإنسانية لهذه المكونات.

وتنبع أهمية الكتاب من تناوله قضية باتت تحتل موقعاً متقدماً في الفكر القانوني المعاصر، وهي حماية الأقليات في ظل تطوُّر القانون الدولي لحقوق الإنسان، وخصوصاً بعد أن تجاوز المجتمع الدولي النظرة التقليدية التي كانت تعتبر أوضاع الأقليات شأناً داخلياً للدول، لتصبح هذه الحقوق جزءاً من الالتزامات الدولية الخاضعة للمراقبة والمتابعة من قبل المنظمات والهيئات المختصة. ويعتمد الباحث في دراسته على تحليل النصوص القانونية الدولية الكبرى، وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدان الدوليان لعام 1966، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية ودينية ولغوية لعام 1992، ثم ينتقل إلى دراسة انعكاس هذه الصكوك على الدستور العراقي لسنة 2005 والتشريعات الوطنية ذات الصلة، مبيِّناً أوجه الاتفاق والاختلاف بين الالتزامات الدولية والإطار القانوني المحلي.
وانطلاقاً من هذه الخصوصية، حرص الدستور العراقي لعام 2005 على تكريس مبدأ التعددية واحترام التنوع الثقافي والديني والقومي، فنص في عدة مواضع على حماية حقوق جميع مكونات الشعب العراقي، وضمان المساواة وعدم التمييز، وكفل حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية، وأقرَّ الحقوق الثقافية والتعليمية واللغوية للمكونات المختلفة، كما كرَّس المشاركة السياسية عبر تشريعات منها قوانين الانتخابات التي خصصت مقاعد (كوتا) لتمثيل بعض الأقليات في مجلس النواب والمجالس المحلية، فضلاً عن قوانين أخرى تهدف إلى صون التنوع الثقافي والديني. ويسلط الكتاب الضوء أيضاً على جهود جمهورية العراق في الوفاء بالتزاماتها الدولية، من خلال الانضمام إلى عدد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وتقديم التقارير الدورية إلى اللجان التعاهدية، والمشاركة في آلية الاستعراض الدوري الشامل التابعة لمجلس حقوق الإنسان، وما صدر عن هذه الهيئات من ملاحظات وتوصيات تلامس واقع الأقليات في العراق، مما منح الدراسة بُعداً عملياً يتجاوز التحليل النظري المجرَّد.
ويمتاز الكتاب باعتماد منهج قانوني تحليلي مقارن، إذ لم يقتصر الباحث على عرض النصوص الدولية والوطنية، بل سعى إلى تقييم فاعليتها في حماية الأقليات، وبيان مواطن القوة والقصور في التشريعات العراقية، مقدِّماً مقترحات وتوصيات عملية لتعزيز انسجام النظام القانوني العراقي مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. كما يسهم الكتاب في إثراء المكتبة القانونية المتخصصة، ويفيد الباحثين وطلبة الدراسات العليا والمختصين في القانون الدولي والقانون الدستوري وحقوق الإنسان، فضلاً عن صنَّاع القرار والمؤسسات المعنية بحماية الأقليات. ويُبرز الكتاب أن حماية حقوق الأقليات ليست مجرد التزام دولي، بل تمثل أحد المقومات الجوهرية لترسيخ دولة القانون والمواطنة، وتحقيق السلم المجتمعي والاستقرار السياسي في العراق.
في ختام هذه القراءة، نتمنى للباحث غزوان حميد الداؤودي التوفيق في نيل درجة الدكتوراه في القانون الدولي العام من جامعة المنصورة بجمهورية مصر العربية، إذ يُعد هذا الكتاب ثمرة جهد أكاديمي متميز، يعكس انشغال الباحث بقضايا وطنه المصيرية، ويُجسد نموذجاً للدراسات القانونية الجادة التي تزاوج بين الأصالة العلمية والرهان على تطوير الواقع القانوني والمؤسساتي.

قد يعجبك ايضا