كيف يبرر الإنسان تجاوزه للحدود؟

عزيز ملا هذال

بدون تحليل العقلية الفاسدة وفهم كيفية تفكيرالأفراد وتبريرهم لتجاوز الحدود المرسومة، تبقىجميع القوانين الرقابية مجرد نظريات غير فعالة فيالتأثير على المظاهر الخارجية دون معالجة الجذورالسلوكية العميقةفالسلطة ليست مجرد منصبإداري بل هي حالة سيكولوجية قد تكون مدمرة إذاالتقت بشخصية هشة أو مستعدة للفساد

تشير الدراسات الحديثة في علم النفس التنظيميوعلم الجريمة السلوكي إلى أن الفساد يمثل ظاهرةمتعددة الأبعاد، ولا يمكن تقليص أسبابه إلى العواملالاقتصادية أو القانونية والمؤسسية فقط، فالأسبابالحقيقية للفساد تتجذر في الديناميكيات النفسيةوالسلوكية للأفراد؛ هي الأصل في اتباع الإنسانلسلوكيات الفساد المختلفة والتي أحرقت الأخضرواليابس ونالت من حقوق العباد والبلاد وفي كافةنواحي الحياة الإنسانية وأركانها.

علم النفس يقول إن الإنسان يولد مزوداً بنزعتيالخير والشر معاً والبيئة هي من تحدد أن ينحىالفرد هذا المنحى أو ذاك، وهذا ما يعضد فكرة أنالإنسان ليس شريراً بالأصل، ولو أسقطنا هذهالقاعدة على أسباب الفساد لدى الإنسان لوجدناهاملائمة جداً ومنطبقة عليه؛ فما هي الأسباب التيتدفع الإنسان إلى الفساد؟ وكيف يمكن معالجته؟

إن فهم الفساد من منظور علم النفس التنظيميوالتشخيص السلوكي يشكل الخطوة الأساسية فيتشكيل أي استراتيجية فعالة للإصلاح، فبدون تحليلالعقلية الفاسدةوفهم كيفية تفكير الأفراد وتبريرهملتجاوز الحدود المرسومة، تبقى جميع القوانينالرقابية مجرد نظريات غير فعالة في التأثير علىالمظاهر الخارجية دون معالجة الجذور السلوكيةالعميقة.

ديموغرافيا الفساد: تأثير متغيرات العمر والجنس

هل للعمر تأثير على ميل الفرد إلى الفساد؟ نعم،للفئة العمرية تأثير كبير وواضح على سلوكياتالفساد، إذ تشير الدراسات السلوكية إلى وجودعلاقة عكسية بين العمر والوقوع في الفساد، فكلماتقدم الإنسان في العمر يميل سلوكه نحو الاستقراروالنزاهة، بينما تكون الفئات العمرية الشابة أكثرعرضة للوقوع في فخ الممارسات الفاسدة أو الاندفاعنحوها.

هل يوجد فرق تبعاً لمتغير الجنس في الفساد؟ تقولأغلب الدراسات والتقارير الدولية، مثل تقارير البنكالدولي والشفافية الدولية، إلى أن النساء، منالناحية الإحصائية، يميلن غالباً إلى الانخراط فيالفساد بمستويات أقل مقارنة بالرجال، لكون النساءلا يرغبن بالمخاطرة التي قد ينتج عنها الفضيحة أوالسجن أو خسارة الوظيفة، كما يفضلن الأمانوالاستقرار الوظيفي والأسري على المكاسبالسريعة الخطرة.

الدوافع النفسية الأربعة: ماذا وراء فساد الإنسان؟

1. سيكولوجية الاستحقاق والتعويض القسري: ترتبط في كثير من الأحيان بخلل حاد في منظومةالعدالة التنظيمية داخل المؤسسات أو أماكن العمل،فحين يتعرض الموظف إلى الظلم والتمييز والحرمانغير العادل مقارنة بزملائه يبدأ عقله في الانتقال منمرحلة العطاء المستنزف إلى مرحلة التعويضالقسري عبر ممارسة نوع من أنواع الفساد الوظيفيكالرشوة والسرقة وغيرها.

2. تضخم الأنا وسيكولوجية السلطة: تؤكد الدراساتالنفسية الحديثة على أن امتلاك النفوذ والسلطةيحدث تغييرات حقيقية في طريقة إدراك الدماغللواقع وللآخرين، فالسلطة ليست مجرد منصبإداري، بل هي حالة سيكولوجية قد تكون مدمرة إذاالتقت بشخصية هشة أو مستعدة للفساد، لذا يميلالفرد إلى الفساد من أجل كسب سلطة ونفوذ تجعلهمميزاً وذا قدر.

3. الشخصية النرجسية وتأليه الذات: تعد النرجسيةبمثابة بيئة مثالية لنمو الفساد، فالموظف أو المسؤولالنرجسي يعتمد بشكل كبير على الإعجاب منالآخرين، ويرى أن المؤسسة التي يديرها هي ملكيةشخصية له، حيث يعد نجاحها امتداداً لنجاحهالشخصي المطلق. هذا الاندماج بينذاتهوالمؤسسةيدفعه للاعتقاد بأن أموال ومواردالمؤسسة هي ممتلكات شخصية له، ويتصرف فيهاحسب رغبته الخاصة.

4. وهم الحصانة وغياب العقاب والمحاسبة: يتشكللدى الفاسد وهم سيكولوجي خطير بأنه لا يقهر وفوقالقانون، يعتقد أن ذكاءه الخارق أو شبكة علاقاتهالمعقدة أو نفوذه، كفيل بحمايته للأبد، هذا الوهم يقلللديه استشعار المخاطر، ويزيد من جسارة وسقفممارساته الفاسدة، لينتقل من الفساد الحذرالصغير إلى الفساد الوقح والعلني.

استراتيجية العلاج: كيف يُعالج الفساد لدىالإنسان؟

تحقيق العدالة التنظيمية: أولى العلاجات لفسادالإنسان وظيفياً هو تحقيق العدالة، فمن المهم أنيشعر الموظفون بأن الترقيات والأجور تبنى علىأسس موضوعية وعادلة، فإن ذلك سيقلل من معدلاتالشعور بالغبن الوظيفي وبالتالي يقضي بشكلنفسي على الدوافع التي تدفع إلى الفساد كوسيلةللتعويض.

التقييم السلوكي والنفسي للقيادات: وثانيالعلاجات هو التقييم السلوكي والنفسي للقياداتقبل تنصيبهم في مناصب سيادية أو إدارية عليا،فعملية إخضاعهم لتقييمات نفسية تقيس سماتالنرجسية المفرطة والنزاهة السلوكية والقدرة علىضبط النفس، للتنبؤ بمدى مقاومتهم لإغراءاتالسلطة هو ما يجب اختيار المسؤول عليه وليس أيمعايير أخرى.

سيادة القانون المطلقة: يجب فرض القانون علىالجميع ومختلف صفاتهم ومراكزهم لئلا يتكونللبعض حصانة من العقاب فيفسد في الأرض ولايجد من يؤدبه، وهذا الأمر سيحد بنسبة كبيرة منحجم الفساد الذي يصدر من بني البشر.

قد يعجبك ايضا