دلزار اسماعيل رسول
الجزء السادس
لم يكن ما بيننا يوماً اتهاماً، بل هو السعي الدائم وراء الصدق الكامن في ملامحكِ العذبة، وفي حنان عينيكِ اللتين تفيضان حباً. قبل أن نمضي، دعيني ألتفت للوراء قليلاً، لا لأعاتب، بل لأسترجع تلك التفاصيل الصغيرة الغالية، وأتغنى بجمال لقائنا الأول، وهمسكِ الناعم الذي ما زال يتردد في مسمعي، حتى تلك الغيرة التي كانت تحرقني شوقاً… أتحسر اليوم كيف مرت بنا الأيام سريعاً!
ألوذ أحياناً بصمتٍ هادئ، ليس هروباً منكِ، بل لأهدئ من روع قلبي كي لا يشتعل وجداً. ألوذ بالصمت حتى لا تخدشنا الكلمات، ولكي أراجع نفسي في محراب حبكِ الطاهر؛ فأنا أبحث دائماً عن أعذارٍ تليق بقلبكِ النقي، وأقول لنفسي علّني كنت واهماً، وعلّ طيف الظنون قد مرّ بقلبي دون قصد. هل يمكن لقلبكِ الرقيق ألا يحتمل هفوات غضبي؟ وألا يغمر حزني بلمسة من يديكِ الحانيتين؟ إنها معادلة العشاق الأزلية… حين يداوي الحب كل انكسار.
لا يهمني أبداً ما يقوله الراؤون، ولا عيون المتطفلين أو الأصدقاء الذين يلمحوننا معاً ويتساءلون عن سر تعلقي بكِ. ليتهم يعلمون أن صمتي في حضوركِ هو قمة البوح، وأن عينيّ لا تكفان عن السفر في تفاصيل وجهكِ الجميل، باحثتين عن أمانٍ لا أجد سواه بقربكِ. ويبقى سؤالي الممزوج بالرجاء والدلال: هل تحبينني بقدر ما أهيم بكِ؟
أعلم أنكِ رقيقة كنسيم الفجر، وقد تبدين أحياناً غير مبالية بحديث الناس أو بنظرات لومهم لي ولعائلتي التي ترى في تعلقي بكِ تمرداً وعشقاً فاق الحدود. لا يهم إن سهرتُ الليالي أسامر طيفكِ وأشكو للنجوم بعدكِ، فكل انكسارٍ في حبكِ هو انتصارٌ لقلبي.
كيف لي أن أنسى لقاءنا الأول؟ ذلك اليوم الذي كنت أفتش فيه عنكِ بلهفة في بهو الفندق الكبير.. وبينما كنتُ غارقاً في البحث والتساؤل، جئتِني فجأة من الخلف، مباغتةً إياي بخفةٍ ومرح لتُخيفيني مازحة. في تلك اللحظة التي التفتُّ فيها إليكِ، تملكني السحر، ولم أتمالك نفسي إلا وأنا أقول لكِ من أعماق قلبي: أنتِ جميلة جداً.. تشبهين ملكات الفراعنة في سحرهنَّ وجمالهنَّ الأخّاذ….حتى تلك التفاصيل البسيطة التي التبست علينا في نهاية اللقاء، أراها اليوم ذكرى عذبة تبتسم لها روحي. لقد عدتُ يومها إلى بيتي وأنا أشعر بأنني أملك الدنيا، وكانت كلمة “أصدقاء” التي ودعتِني بها كأنها نغمة موسيقية تداعب مسمعي، واثقاً أن خلف الصداقة حباً ينتظر الولادة.
لقد تمنيتُ طويلاً أن أسمع منكِ كلمة الحب صريحة، وكنت أسير خلف خطاكِ طائعاً، مدفوعاً بلهفة العاشق الذي يتمنى أن يصل معكِ إلى ذروة الوجد. ورغم أنني قد أبتعد أحياناً لأستجمع نبضات قلبي، إلا أنني لا أغادر طيفكِ أبداً… واليوم، كلما تذكرت لقاءنا و جلستنا الأولى ، أبتسم حباً وشوقاً، وأدرك أن تلك اللحظات كانت بداية الحكاية التي لن تنتهي.