محسن دزه ايي
تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).
يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.
الجزء الثاني والاربعون
زيارة الرئيس عبدالرحمن عارف للبارزاني
استمرت اللجنة في أعمالها كالمعتاد، واستقال عبدالرحمن البزاز من رئاسة الوزارة، أو نستطيع أن نقول بأنه قد أقيل، لأنه يقول في كتاب اسـتـقالته الموجه الىرئيس الجمهورية عبدالرحمن عارف (بناءً على طلبك أقدم استقالتي….) شكل السيد ناجي طالب الوزارة بعده، وأقول للحقيقة والتأريخ بأنه كان رجلاً مهنياً ووطنياً ونزيهاً ومسالماً بغض النظر عن تفكيـره واسلوب عمله، وكان يعاونه السيد رجب عبدالمجيد كنائب لرئيس الوزراء ووزير للداخلية، الذي كان يتميز ايضاً بدماثة الخلق والنزاهة والوطنية، وكان كـلاهما من الضباط الاحرار الاوائل الذين اشتركوا في ثورة الرابع عشر من تموز سنة 1958 ضد النظام الملكي. كان يشترك معهم في الوزارة العميد المتقاعد أحمد كمال قادر كوزير للدولة للأشـراف على إعمار الشمال قبل تشكيل وزارة شؤون الشمال، وهو من أصدقاء الثورة والموالين لها ومن أصدقاء البارزاني الشخصيين، وكان يتميز بالأخلاص والنزاهة والطيبة وكان من الضـباط الممتازين في الجيش العراقي.
احتفظ شاكر محمود شكري بحقيبة وزارة الدفاع كما كان في الوزارة السابقة عندما كان يرأسها عبدالرحمن البزاز.
ولابد لي من أن أذكر شيئأ عن شاكر محمود شكري قبل أن أدخل في موضوع زيارة عبدالرحمن عارف. كان العميد أو اللواء شاكر محمود شكري سفيرأ للعراق في لندن ف عهد عبدالسلام عارف وكان قبل ذلك أحد قادة الفرق أو غيرها من المناصب العسكرية، وبعد مصرع عبدالسلام عارف أصبح شقيقه عبدالرحمن عارف رئيسأ للجمهورية في عملية انتخاب شكلية ، قام بها مجلس الدفاع الاعلى الذي كان يتكون من رئيس الوزراء والـوزراء ورئيس اركان الجيش ومعاونيه وقادة الفرق وآمر موقع بغداد، وقد رشح للمنصب كل من عبدالرحمن عارف الذي كان يشغل منصب رئاسة أركان الجيش، وعبدالعزيز العقيلي وزير الدفاع وعبدالرحمن البزاز رئيس الوزراء فحصل كل من البزاز وعارف على أصوات متساوية وحصل العقيلي على صوته فقط. وأخيرأ انسحب البزاز من الانتخاب أو أجبر على الانسحاب، وأصبح عبدالرحمن عارف رئيسأ للجمهورية.
“نوقش موضوع زيارة رئيس الجمهورية عبدالرحمن عارف الى كوردستان، وتم نصب الخيام وكانت الحراسة مشتركة مكونة من الجنود وأفراد البيشمركة، الذين وقفوا جنباً الى جنب دون أية حساسية أو شعور بالكراهيـة. وكان يرافق رئيس الجمـهـورية الى جانب بعض الوزراء والقـادة العسكريين عدد من الشخصيات الكوردية والعربية، كـان من بينهم السادة بابا علي الشيخ محمود وفؤاد عارف والوزير أحمد كمـال قادر وهم من أصدقاء البارزاني الشخصيين وكذلك الشيخ ناظم العاصي من رؤساء عشيرة العبيد، الذي امتاز بتدينه وطيبته وكان صديقأ لكل من رئيس الجمهورية والبارزاني وكذلك الحاج شاكر الدوري وغيرهم، وبعد التـعانق وتبادل كلمات الترحيب والمجاملة ابدى الطرفان الرغبة في حل المشاكل بالطرق السلمية والاخوية وتنفيذ بنود بيـان البزاز الصادر في 29حزيران”

كلف عارف البزاز بتشكيل الوزارة الجديدة فأختار شاكر محمود شكري لأشغال منصب وزير الدفاع بدلأ من العقيلي. وما أن اذيع نبأ تشكيل الوزارة الجـديدة وبُلغ شكري بذلك، حتى قام بالقاء التصريحات قبل ترك مقر عمله وقال بأنه سيتولى وزارة الدفاع وسيقضي على (التمرد الكوردي) بأسرع وقت ممكن!!، فباشر مهام عمله وبعد أيام بدأت الحملة العسكرية بالهجوم على جبل هندرين في بداية شهر مايس من سنة1966، والتي باءت بفشل ذريع في معركة هندرين الشهيرة كما أشرت اليها سابقة .
قام شاكر محمود شكري بزيارة البارزاني في بداية شهر تشرين الاول سنة 1966 أي بعد استلامه وزارة الدفاع بأقل من ستة أشهر، وبعد هزيمة الجيش في معركة هندرين بأقل من خمسة أشهر فالتقى البارزاني في الثالث من تشرين الاول حسبما أعتقد في منطقة (برسرين) الواقعة على طريق هاملتن وبحضور لجنة السلام العليا.
كنت قـبل ذلك أي في شهر ايلول فى بغداد وقد كلفني المحامي زيد أحمد عثمان -ابن خالتي- بنقل شخصين فرنسيين الى منطقة الثورة بناءً على توصية وصلته من كامـران بدرخان من باريس. كان الشخصان هما (جان برادييه) الشاب الذي كان ينوي أن يقيم عدة أشهر في كوردستان وذلك لنيته في أعداد بحث ودراسة خاصة حول كوردستان ولتأليف كتاب في هذا الموضوع، وكذلك الآنسة فرنسواز بورسان الطالبة في كلية الطب والتي رافقته للبقاء فى كوردستان بضعة أيام، ولم يكن من السهل نقل الاجانب وهنالك نقاط تفتيش كثيرة في طريق الوصول الى المنطقة المحررة التي كانت تحت سلطة قيادة الثورة، ذهبنا في اليوم التـالي لزيارة رئيس الوزراء ناجي طالب لمناقشة بعض الأمور وفي نهاية اللقاء بينت له بأن لي ضيفين فرنسيين وهما من أصدقاء شقيقي عمر الذي كان يتابع دراسته فى باريس، وهما ينويان زيارتي في كوردستان ويحتاجان الى وثيقة عدم تعرض للسفر، فأتصل رئيس الوزراء بمدير الاستخبارات العقيد الركن شفيق الدراجي الذى هيأ لهما الاوراق المطلوبة، ثم رافقاني الى كوردستان وبعد أن مكثنا في أربيل يوماً واحداً سافرنا معأ الى منطقة كلاله، وبعد يومين اردت العودة الى أربيل ولمناقشة بعض الأمو ارتؤي سفري الى بغداد، وعادت معي الطالبة الفرنسية بعد ان قابلت البارزاني والمسؤولين الآخرين، وقد أهدى لها البـارزاني بعض المصنوعات اليـدوية الكوردية، وعند وصولنا مصيف صلاح الدين توقفنا لتناول الطعام وصلتني مكالمة هاتفية من أربيل من صديقي نافذ جلال، الذي كان عضوأ معي في لجنة السلام العليا يخبرني بزيارة وزير الدفاع للمنطقة في اليوم التالي، وطلب مني العودة الى منطقة القيادة وأنه سيرافق الوفد في اليوم التالي، فأضطررت للعودة وتركت الفتاة في صلاح الدين بعد أن حجزت لها غرفة في فندق المصايف وأوصيت بتوفير كل ماتحتاجه، وعدت الى المنطقة حيث تم اللقاء في اليوم التالي، وكان وزير الدفاع سعيدأ جدأ بتلك الزيارة وذلك الترحيب، وقد أهداه البارزاني هدية مناسبة. وقد نقل الوزير رغبة رئيس الجمهـورية عبدالرحمن عارف في زيارته للبارزاني الذي ابدى ترحيباً بهذه الزيارة.

عـدت في مساء ذلك اليوم الى مصيف صلاح الدين بعد انتهاء زيارة وزير الدفاع وثم الى أربيل، وذهبت وبرفقتي الضيفة الفرنسية واسمها (فرانسواز) الى دارنا وقدمت لها زوجتي زيأ نسائيأ كوردياً وبعض المصوغات الفضية، وفي اليـوم التالي سافرنا الى بغداد حيث عادت الى فرنسا جواً، أما (جان برادييه) فقد ظل في كوردستان لأكثر من ستة أشهر.
قضيت في بغداد عدة أيام وكانت السلطة تجري الاستعدادات اللازمة لزيارة رئيس الجمهورية الى كرستان.
نوقش موضوع اللقاء وكانت رغبة قادة الجيش ان يـجري في منطقة قريبة من مناطق نفوذهم في سهل رواندوز، الا اننا ابدينا اصرارنا على موقع آخر أقرب الى قواتنا وقد تم الاتفاق على موقع مناسب ونصب الخيام وكانت الحراسة مشتركة مكونة من الجنود وأفراد البيشمركة، الذين وقفوا جنباً الى جنب دون أية حساسية أو شعور بالكراهيـة. وكان يرافق رئيس الجمـهـورية الى جانب بعض الوزراء والقـادة العسكريين عدد من الشخصيات الكوردية والعربية، كـان من بينهم السادة بابا علي الشيخ محمود وفؤاد عارف والوزير أحمد كمـال قادر وهم من أصدقاء البارزاني الشخصيين وكذلك الشيخ ناظم العاصي من رؤساء عشيرة العبيد، الذي امتاز بتدينه وطيبته وكان صديقأ لكل من رئيس الجمهورية والبارزاني وكذلك الحاج شاكر الدوري وغيرهم، وبعد التـعانق وتبادل كلمات الترحيب والمجاملة ابدى الطرفان الرغبة في حل المشاكل بالطرق السلمية والاخوية وتنفيذ بنود بيـان البزاز الصادر في 29حزيران، وأعتقد بأن عبدالرحمن عارف كان صادقاً في رغبته وذا نوايا سليمة ولكنه كان طيباً لدرجة لم يكن له أية سلطة حقيقية أو قدرة على رفض رغبة العسكريين، وبعد تناول الطعام دارت احاديث عامة مختلفة في جو ودي، ثم وجه رئيس الجمهورية الدعـوة للبارزاني لزيارة بغداد الذي قبلها شاكرأ، ثم غادر الضيوف عائدين الى بغداد ورجعنا نحن الى مقر القيادة فى ناوبردان.
كانت ثورة ايلول بالرغم من طابعها الكوردي وتبنيها المطاليب المشروعة للشعب الكوردي، فقد كانت حريصة في الوقت نفسه على مطاليب الشعب العراقي بصورة عامة، ولا يخفى بأنها قد رفعت شعار (الديمقراطية للعراق) الى جانب شـعارها في (الحكم الذاتي للكورد)، وفي كل حوار أجرته قـيادة الثورة مع الحكومات العراقية المتعاقبة كانت حقوق التركمان والآشوريين من جملة مطاليبها. وعلى الصعيد الخارجي، فقد حرصت قيادة الثورة والبارزاني شخصيأ على بناء، علاقات صداقة وحسن جوار مع الدول الاقليمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول والاحترام المتبادل معها، وكان البارزاني حريصأ على تجنب كل مايسيء الى هذه العلاقات لذا كانت الحالة على حدود الدول الاقليمية المحاذية لكوردستان العراق تتميز بالهـدوء والاستقرار
عندما عدنا الى مقرالقيادة جرى نقاش عام للزيارة فأبدى البارزاني ارتياحه وقال بأنه لم يكن لديه أدنى شك في حسن نية رئيس الجمهورية وطيبته ورغبته السلمية ،ولكنني لم أكن استبعد احتمال نية بعض الضباط للقيام بمؤامرة للأطاحة برئيسهم واستغلال ذلك الاجتماع، ونكون نحن ايضأ من الضحايا.
وتأكيداً لحسن نوايا عبدالرحمن عارف روى لي صديقي اللواء الركن كمال مصطفى الذي كان رئيساً للجنة العليا للسلام آنذاك، أنه في أحدى الجلسات كانت القضية الكوردية موضوع النقاش وكان هنالك بعض المناوشات مع المنشقين المدعومين من بعض ضباط الجيش، قال أحدهم من العسكريين بضرورة تأجيج هذا الخلاف وان الذي يقتل نتيجة ذلك هو الكوردي، قال اللواء كـمال بأن رئيس الجمهورية قد نهر ذلك الشخص وقال بأن ذلك (حرام واننا جميعاً مسلمون وأخوان.)
اللقاء مع السفير التركي في بغداد
كانت ثورة ايلول بالرغم من طابعها الكوردي وتبنيها المطاليب المشروعة للشعب الكوردي، فقد كانت حريصة في الوقت نفسه على مطاليب الشعب العراقي بصورة عامة، ولا يخفى بأنها قد رفعت شعار (الديمقراطية للعراق) الى جانب شـعارها في (الحكم الذاتي للكورد)، وفي كل حوار أجرته قـيادة الثورة مع الحكومات العراقية المتعاقبة كانت حقوق التركمان والآشوريين من جملة مطاليبها.
وعلى الصعيد الخارجي، فقد حرصت قيادة الثورة والبارزاني شخصيأ على بناء، علاقات صداقة وحسن جوار مع الدول الاقليمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول والاحترام المتبادل معها، وكان البارزاني حريصأ على تجنب كل مايسيء الى هذه العلاقات لذا كانت الحالة على حدود الدول الاقليمية المحاذية لكوردستان العراق تتميز بالهـدوء والاستقرار، حيث قلت الحوادث أو أنعدمت تقريبا، حتى أن حوادث التهريب قد قلت جداً علماً بأن مثل هذه الحوادث على الحدود بين الدول المجـاورة جـارية في جميع أنحاء العالم.
كانت تركيا من جملة هذه الدول وساد منطقة الحدود معها جو من الهدوء بعيداً عن الحوادث والمشاكل، ولا أظن بأن المسؤولين الاتراك ينكرون هذا الجانب، وقد أشار الى ذلك السيد سليمان ديميريل نفسه سنة 1992عند زيارتنا له مع السيد مسعود البارزاني وكان السيد ديميريل رئيساً للوزراء في النصف الثاني من عقد الستينيات من القرن الماضي.
كانت علاقاتنا مع بعض قادة التركمان وشخصياته علاقات صداقة، وذات يوم في أواخر سنة 1966 وبينما كنا نافذ جلال وأنا في بغداد بصفتنا أعضاء في اللجنة العليا للسلام، اتصل بنا السيد (عزالدين قوجوه) وهو من الأخوة التركمان ومن تجار كركوك ولنا معرفة سابقة معه وأخبرنا بأن السفير التركي في بغداد وأسمه (بهاء كارتاي) يرغب في لقائنا والتعارف معنا، فأبدينا سرورنا واستعدادنا لذلك.
وفي مساء اليوم التالي اقام دعوةعشاء لنا في دارشقيقه المرحوم (بهاءالدين) الواقعة في حي السعدون، حضرها بالأضافة الى السفير التركي العميد التركماني (عبدالله عبدالرحمن) ونافذ جلال وأنا عن الثورة الكوردية، وبعد التعارف جرى النقاش حول الاوضاع في المنطقة وتحدثنا عن حرص قيادة الثـورة والبارزاني على حسن العلاقات مع الجارة تركيا، ومحافظتنا على الهدوء على حدودها وكذلك العلاقات الودية مع الأخوة التركمان، فأبدى السفير سروره لذلك ووعد بنقل هذه المعلومات الى حكومته، كما وقدر بأيجابية حرص قيادة الثورة والبارزاني على استمرار ذلك الهدوء ومنع وقوع المشاكل، وقد أيد كل من العميد الركن عبدالله عبدالرحمن وعزالدين قوجوه ما ذكرناه، وهكذا انتهت تلك المقابلة.