ما العلاقة بين تطبيع أرض الصومال ووقاحة بقايا الانتقالي في اليمن؟

مشتـاق هاشم العلوي

قد يستغرب الكثيرون من عودة بقايا المشروع الانتقالي في هذه اللحظة بالذات لخوض غمار التصريحات المستفزة، ويتساءل البعض عن سر الوقاحة التي أبداها المدعو رأفت الثقلي في إنكار يمنية سقطرى، أو تلك التحركات المشبوهة والمستفزة لعوض ابن الوزير في شبوة بعد كل ما جرى من انكسارات لهذا المشروع.

لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن هذه العودة الانتحارية لبؤر الانتقالي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما حدث في أرض الصومال من تطبيع ومقايضة للجغرافيا بالاعتراف؛ حيث يُنظر إلى هذا النموذج كطريق مختصر للالتفاف على منطق الدولة، وتقديم الخدمات الجيوسياسية مقابل وهم السيادة.

وفي أدبيات العلاقات الدولية، تُعرف الدولة بأنها الكيان الذي يمتلك احتكار العنف المشروع والسيادة المطلقة على الجغرافيا. وما نشهده اليوم في قوس باب المندب، الممتد من القرن الأفريقي وصولاً إلى الأرخبيل اليمني، هو محاولة لإنتاج نمط هجين يمكن تسميته بالدولة الوظيفية؛ تلك التي تستمد شرعيتها من مقايضة تمنح الموقع الاستراتيجي مقابل صكوك اعتراف ورقية، متجاوزةً بذلك منطق العقد الاجتماعي والتاريخي.

إن المشهد السريالي لرئيس كيان أرض الصومال وهو يطرق أبواب القدس المحتلة، باحثاً عن اعتراف لكيان منشق، يمثل ذروة هذه البراغماتية اليائسة التي بدأت تتسرب إلى العقل السياسي لبعض الوكلاء في الجنوب اليمني، ظناً منهم أن الطريق إلى الدولة يمر عبر بوابات التطبيع والارتهان للمشاريع الإقليمية والدولية.

تاريخياً، أثبتت تجارب الكيانات الهجينة أنها تظل رهينة لتقلبات الممول، ويجد الوكلاء أنفسهم أمام واقع مرير من العزلة والرفض الشعبي بمجرد انتهاء وظيفتهم المؤقتة. وما طلب الحكومة اليمنية بفرض عقوبات دولية على قيادات في الانتقالي إلا تجسيداً لعودة منطق الدولة الذي بدأ يستعيد أنفاسه، مدركاً أن التسامح مع تعدد الرؤوس السيادية هو انتحار بطيء للكيان الوطني بأكمله.

ومع ذلك، فإن الأمانة تقتضي القول إن هذا التفسخ في الأطراف هو النتيجة الحتمية لسقوط المركز في صنعاء؛ فالعاصمة التي كانت تمثل ثقل الجاذبية للدولة، تحولت بفعل المشروع الإيراني إلى ثقب أسود يبتلع السيادة ويصدر الفوضى. والحوثي، في حقيقته، هو المعلم الأول لهؤلاء الانفصاليين؛ فقد شرعن فكرة المليشيا فوق الدولة والولاء العابر للحدود، وخلق فراغاً أغرى الوكلاء الصغار بمحاولة ملئه بمشاريع ميكرو-وطنية رخيصة الكلفة، وباهظة الثمن على مستقبل اليمن.

إن ما يجمع بين طهران في صنعاء والمشاريع الهجينة في الأطراف، هو اشتراكهما في تقويض مفهوم الدولة الوطنية الجامعة. كلاهما يراهن على اللحظة الراهنة ويتجاهل حقائق التاريخ؛ فاليمن لا يقبل القسمة على وكلاء أو مستأجرين. والسخط الشعبي الذي نراه اليوم ضد تصريحات الثقلي أو تحركات ابن الوزير هو مناعة وطنية فطريّة تدرك أن الاستقلال الذي يأتي كهدية من الخارج هو عبودية مقنعة في جوهره.

ختاماً، إن المعركة الحقيقية اليوم هي صراع على وجود يتجاوز مجرد الخلاف على حدود، والشرعية اليمنية مطالبة بإنهاء تشرذمها الداخلي؛ فالدولة تُستعاد بفرض نموذج سيادي يحترم الجغرافيا ويحمي الهوية، ويقطع الطريق على كل من يظن أن اليمن ساحة مشاع للبيع في مزادات التطبيع والتقسيم.

قد يعجبك ايضا