80 عاما من صناعة التاريخ… فمن صنع الحزب ، ومن صنعه الحزب ؟

د. فيصل صادق توفيق

في 16 من آب، حين تحل ذكرى تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لا تمر الذكرى بوصفها مناسبة حزبية فحسب، بل بوصفها محطة في تاريخ الحركة القومية الكوردية الحديثة. ثمانون عاماً مرت منذ تأسيس الحزب، حملت معها تحولات كبرى، وانتصارات وانكسارات، وتضحيات وأحلاماً، حتى أصبح الحزب جزءاً من تاريخ كوردستان السياسي.

وأنا، حين أستعيد هذه السنوات الثمانين، لا أستطيع أن أنظر إليها بعين المتفرج؛ فمن بينها 36 سنة هي جزء من عمري. احيانا، أقولها في المناسبات واللقاءات: من أصل 80 عاماً، لي فيها 36 سنة. وهي سنوات أخذتها من وقتي، ومن عائلتي، ومن جوانب كثيرة من حياتي، لأنني كنت أؤمن أنني لا أهبها لأشخاص، بل لفكرة ومشروع سياسي وقومي آمنت بأنه يستحق. لكن 36 سنة من عمر الحزب ليست إلا جزءاً صغيراً من أعمار الآلاف الذين سبقونا وساروا معنا. ولذلك فإن الحديث عن الحزب هو قبل كل شيء حديث عن الذين صنعوه، وعن الذين حملوا فكرته في أصعب الظروف.

في مقدمة هؤلاء يقف المؤسس البارزاني الخالد، القائد والزعيم الذي ارتبط اسمه بمرحلة تأسيس الحزب وبمرحلة مفصلية من تاريخ الحركة الكوردية. لم يكن دوره مجرد تأسيس تنظيم سياسي، بل كان في جوهره محاولة لتحويل القضية الكوردية إلى مشروع سياسي له قيادة وذاكرة واتجاه. ثم جاءت أجيال وقيادات حملت الراية في ظروف مختلفة. كان إدريس بارزاني مهندس السلام الداخلى أحد أبرز رجال مرحلة إعادة البناء بعد انتكاسة عام 1975، وأسهم في إعادة تنظيم الصفوف والحفاظ على تماسك الحركة في واحدة من أصعب مراحلها.

ومع الرئيس مسعود بارزاني دخل الحزب والحركة الكوردية مرحلة جديدة؛ مرحلة إعادة بناء القوة السياسية والتنظيمية، ثم الانتقال تدريجياً من منطق الثورة إلى منطق المؤسسات والحضور السياسي في كوردستان والعراق، مع الحفاظ على جوهر القضية التي حملها الحزب منذ تأسيسه.

أما الكاريزما نيجيرفان بارزاني فقد ارتبط اسمه بمرحلة بناء المؤسسات وتعزيز العلاقات السياسية والدبلوماسية، وتوسيع حضور كوردستان في محيطها الإقليمي والدولي، بينما يمثل الرجل القوي مسرور بارزاني جيلاً انتقلت إليه مسؤولية إدارة مرحلة جديدة، تتطلب الجمع بين إرث طويل من النضال ومتطلبات الحكم والإدارة والتنمية والأمن والعمل على جعل كوردستان اقوى. ومع ذكر هذه الأسماء ودورهم في صناعة وتطوير الحزب، فهذه المسيرة الثمانين عاماً، عمل على صنعه أيضاً آلاف المناضلين والكوادر والبيشمركة والعائلات التي تحملت أعباء الطريق. لكن لكل مرحلة رجالها، ولكل جيل مهمته، والتاريخ لا يُبنى بشخص واحد.

ومن هنا يأتي السؤال الذي أراه جديراً بذكرى الثمانين: من صنع الحزب، ومن صنعه الحزب؟ صنع الحزب رجالاً ونساءً، وصنع أجيالاً من السياسيين والكوادر، وراكم تجربة سياسية ومؤسساتية، كما صنع، مع القوى الكوردية والعراقية الأخرى، واقعاً سياسياً جديداً استفاد منه الحليف والخصم معاً. فصانع التاريخ لا يستطيع أن يحتكر ثمار ما يصنعه؛ فالتحولات التي ينتجها تصبح ملكاً للواقع الذي نشأت فيه. ولذلك فإن مكاسب ثمانين عاماً ليست ملكاً لجيل واحد. لقد جنت منها القضية الكوردية وكوردستان الكثير، لكن الحفاظ على هذه المكاسب وتطويرها يحتاج إلى أكثر من الاحتفال بها.

يحتاج إلى مؤسسات أقوى، ووعي سياسي أعمق، وتجديد في الفكر والأدوات، وقدرة على قراءة المستقبل كما قرأ المؤسسون زمانهم. وهنا يأتي دور الجيل الجديد فكما أعطى جيلنا من عمره ما استطاع والمسيرة مستمرة، وقد أعطى الذين سبقونا أكثر مما نستطيع وصفه. وربما لن يكون لدينا نحن متسع من العمر لنواصل العطاء بالقدر نفسه؛ فالأعمار بيد الله. لكننا نستطيع أن نترك لمن يأتي بعدنا تجربةً أغنى، وواقعاً أكثر استقراراً، ومكاسب أكثر رسوخاً. فالوفاء للماضي لا يكون بتكراره، وإنما بحماية ما تحقق والبناء عليه.

وبعد 80 عاماً، ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا حقق الحزب خلال هذه السنوات؟
بل: ماذا سنفعل نحن بما تحقق؟ وماذا سنترك لمن سيحمل الراية بعدنا؟ فالحزب بلغ الثمانين، لكن القضية لا تزال حية، والتاريخ لم ينتهِ. فطوبى لمن كان في السفينة ذات 80عاما، وهنيئا لكل من ساهم وناضل وضحى من اجل ان ترسو السفينة في بر الامان.

قد يعجبك ايضا