فرقد الأغا: فيلسوف التوازن والحدود الإبستمولوجية وتجاوز الثنائيات

الكاتب: حكيم الساعدي

لا تُقاس قيمة المشروع الفلسفي بعدد المصطلحات التي ينتجها صاحبه، ولا بكثرة النظريات التي ينسبها إلى نفسه، وإنما بقدرته على بناء رؤية مترابطة تعيد طرح الأسئلة القديمة من موقع معرفي جديد. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة مشروع المفكر التنويري فرقد الأغا بوصفه محاولة لبناء فلسفة تتعامل مع الإنسان، والمعرفة، والوجود، والقيم من خلال مبدأ مركزي هو رفض الاختزال.

فالأغا لا ينطلق من الرغبة في استبدال منظومة فكرية بأخرى، بقدر ما ينطلق من مُساءلة الطريقة التي تتحول بها الأفكار إلى يقينيات مغلقة. ولذلك، تتقاطع في مشروعه ثلاث مسارات رئيسية: التوازن الفكري، والوعي بالحدود الإبستمولوجية، وتجاوز الثنائيات الاختزالية. وهذه المسارات ليست منفصلة، وإنما يمثل كل منها مستوى من مستويات مشروعه الفلسفي.

مفهوم التوازن الفلسفي

يحتل مفهوم التوازن موقعًا مهمًا في فلسفة الأغا. غير أن التوازن هنا لا يعني الوقوف في منتصف المسافة بين موقفين، ولا يعني ما يُسمى بالحل الوسط الذي قد يجمع بين رأيين متناقضين من دون اختبار أسسهما. التوازن الفلسفي في هذا المشروع يعني البحث عن العلاقة بين العناصر المتقابلة من دون إلغاء أحدها لحساب الآخر. وهذا واضح جليّاً في نظرية التوازن الكوني، التي تحاول إعادة النظر في العلاقة بين الغائية والقوانين الطبيعية.

فبدل اختزال الظواهر الطبيعية في تفسير غائي مباشر، أو اختزال الوجود كله في آلية مادية صماء، يحاول المشروع التمييز بين مستويات التفسير؛ بحيث لا يُستخدم التفسير الديني لإلغاء التفسير العلمي، ولا يتحول التفسير العلمي إلى ادعاء يتجاوز مجاله ليقدم إجابات نهائية عن كل الأسئلة الوجودية. من هنا، يصبح التوازن منهجًا في التفكير قبل أن يكون نتيجة فكرية.

من سؤال المعرفة إلى سؤال حدود المعرفة

إذا كان التوازن يمثل أحد أبعاد المشروع، فإن الحدود الإبستمولوجية تمثل بعده الأكثر عمقًا. فالإنسان لا يخطئ فقط لأنه يفتقر إلى المعلومات، وإنما قد يخطئ لأنه يمنح الدليل قدرة أكبر مما يحتمل، أو يمنح العقل يقينًا يتجاوز شروطه، أو ينتقل من إمكانية معرفية محدودة إلى حكم شامل.ىومن هنا تبرز نظرية القصور المعرفي المرحلي للعقل بوصفها محاولة لإعادة تعريف حدود المعرفة الإنسانية. فالقصور، وفق هذا التصور، ليس بالضرورة عجزًا جوهريًا ثابتًا في العقل، وإنما قد يكون مرتبطًا بالمرحلة التاريخية والمعرفية التي يوجد فيها الإنسان.

هذه النقطة تكتسب أهميتها لأنها تنقل السؤال من: ماذا يستطيع العقل أن يعرف؟ إلى سؤال أكثر دقة: ما الذي يستطيع العقل أن يعرفه في ظل الأدوات والمعطيات والشروط المتاحة له؟ وهذا التحول من سؤال القدرة المطلقة إلى سؤال القدرة المشروطة يضع المشروع داخل مجال إبستمولوجي واضح، ويجعل مفاهيم مثل التناسب الإبستمولوجي للدليل، وعدم تجانس الحقيقة، وحدود الاستقراء والتواتر، وتحديد طبيعة الدعوى قبل تقييم دليلها، جزءًا من محاولة بناء عقل نقدي أكثر حذرًا في إصدار الأحكام. فليست المشكلة دائمًا في غياب الدليل، وإنما قد تكمن في سوء ملاءمة الدليل للدعوى. وهنا تظهر إحدى الأفكار الأساسية في مشروع الأغا: لا ينبغي أن يكون مقدار اليقين أكبر من مقدار ما يسمح به الدليل.

تجاوز الثنائيات الاختزالية

ينتمي جانب آخر من المشروع إلى محاولة تجاوز الثنائيات الفكرية التي تحول المسائل المركبة إلى اختيارات ثنائية مغلقة. فكثير من الأسئلة الفلسفية تصبح مضللة عندما تُصاغ بصورة تجعلنا مضطرين إلى الاختيار بين طرفين فقط، مثل العقل أو الدين، الإنسان أو النص، الطبيعة أو الغائية، الحرية أو الحتمية، الخير الفطري أو الشر الفطري، اليقين أو الشك.

لكن تجاوز الثنائية لا يعني إلغاء طرفيها، وإنما إعادة فحص الافتراض الذي جعل العلاقة بينهما علاقة تناقض مطلق. وهذا ما يظهر في أكثر من مستوى داخل مشروع الأغا؛ ففي فلسفة الخير والشر، مثلًا، تطرح نظرية التكوين الإدراكي للخير والشر تصورًا لا يختزل السلوك الأخلاقي في جوهر فطري ثابت، ولا يسقط في المقابل في نسبية أخلاقية مطلقة، وإنما يفسر التكوين الأخلاقي من خلال تفاعل الاستعدادات النفسية، والمعرفة، والخبرة، والإرادة، والبيئة الاجتماعية والثقافية.

وبذلك تصبح الأخلاق عملية تكوّن، لا جوهرًا جاهزًا. وهذه الفكرة نفسها تكشف عن وحدة داخل المشروع: فالإنسان لا يُفهم من خلال عنصر واحد، والمعرفة لا تُفهم من خلال مصدر واحد، والحقيقة لا تُختزل في صورة واحدة، والقيم لا تُفسر بعامل منفرد.

الإبستمولوجيا في خدمة النزعة الإنسانية

لا تنتهي فلسفة الأغا عند حدود الإبستمولوجيا، فالسؤال المعرفي يرتبط لديه بالسؤال الإنساني. حين تُصبح الفكرة أهم من الإنسان، يمكن أن تتحول العقيدة إلى مبرر للعنف. وحين تصبح السلطة المعرفية مطلقة، يتحول الاختلاف إلى خطأ، ثم يتحول الخطأ إلى تهمة، وقد تتحول التهمة إلى مبرر للإقصاء.

لذلك، تبدو النزعة الإنسانية في مشروعه امتدادًا طبيعيًا للنقد الإبستمولوجي: كلما أدرك الإنسان حدود معرفته، أصبح أقل استعدادًا لتحويل قناعاته إلى أدوات لإلغاء الآخرين. وهنا تتقاطع الإبستمولوجيا مع الأخلاق؛ فالتواضع المعرفي ليس فضيلة نظرية فقط، وإنما يمكن أن يصبح شرطًا أخلاقيًا للتعايش.

من النقد إلى بناء الأدوات التحليلية

ما يميز المشروع، إذا أردنا قراءته بوصفه مشروعًا فلسفيًا متكاملًا، ليس مجرد نقد الدين، أو العلم، أو التراث، أو المنطق، أو الأخلاق، وإنما محاولة الانتقال من النقد إلى بناء أدوات تحليلية جديدة. ومن بين هذه الأدوات تظهر مفاهيم مثل التكامل الإدراكي، والتكامل الإبستمولوجي، والتناسب الإبستمولوجي للدليل، والتكوين الإدراكي للقيم، والقصور المعرفي المرحلي.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: إنتاج المصطلح، وإنتاج النظرية. فالمصطلح لا يصبح نظرية لمجرد تسميته، والنظرية لا تصبح مدرسة فلسفية لمجرد تعدد تطبيقاتها. ولكي يتحول المشروع إلى مدرسة ذات وزن تاريخي، يحتاج إلى تعريفات دقيقة، ومقدم

قد يعجبك ايضا