ثمانون عاماً من الريادة.. وسيبقى رائداً

أحمد زبير باني

نص مترجم من الكوردية

في السادس عشر من شهر آب من هذا العام، أتمّ حزبنا، الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ثمانين عاماً من النضال والعطاء. وإذا عدنا بنظرنا إلى تاريخ هذه الأعوام الثمانين، فسوف نرى أن الحزب، رغم المتغيرات الكبيرة التي شهدتها المنطقة والعالم، لم يُجرِ تغييراً في جوهر استراتيجيته وأهدافه، بل حافظ على نهجه ومبادئه، وطوّر أساليب نضاله بما يتناسب مع الظروف والمتغيرات. واليوم، فإننا أمام حزب كبير، ليس فقط على مستوى الأجزاء الأربعة من كوردستان أو على مستوى العراق، بل نستطيع القول إنه يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة وكوادر متقدمة على مستوى الشرق الأوسط.

وإذا استعرضنا مسيرة الحزب منذ اليوم الذي وضع فيه استراتيجيته وخطته لتحقيق أهدافه، فسوف نرى أنه، وبذلك الحماس والتفاعل، استطاع أن يجذب أنظار الكورد في الأجزاء الأربعة من كوردستان نحو نهجه، وأن يجعل الكثيرين يرغبون في تطبيق هذا النموذج في الأجزاء الثلاثة الأخرى أيضاً؛ لأن الواقع الفعلي في كوردستان يختلف عن واقع البلدان الأخرى. فكوردستان أرض مجزأة، وشعبها موزع على أربعة أجزاء، كما أن القوى التي تسيطر على هذه الأجزاء مختلفة. ولذلك أراد الحزب تطبيق هذا النموذج في الأجزاء الأخرى أيضاً، من أجل إقامة رابطة وحدوية وتعزيز أواصر الترابط بين أبناء الشعب الكوردي في مختلف أجزائه.

ولم يتوقف الحزب عن تقديم يد العون والدعم للأحزاب والقوى السياسية الكوردستانية الأخرى، بل مدّ يده إليها باستمرار، لكي تواصل، وفقاً للظروف والأوضاع القائمة، نضالها وكفاحها من أجل كوردستان، حتى وإن لم تكن على الخط السياسي نفسه للحزب. وهذا يدل على أن الحزب، منذ يوم تأسيسه، كان يمتلك رؤية بعيدة المدى ونظرية سياسية متقدمة. فقد أدرك أنه إذا لم يوجد حزب سياسي متقدم يتولى ريادة القضية الكوردية، فسيكون من الصعب جداً تحقيق تطلعات الشعب الكوردي من خلال الأساليب الكلاسيكية والعفوية وحدها. ولذلك جرى بناء تلك الرؤية السياسية والثورية استناداً إلى قراءة المجتمع الكوردي، والظروف السياسية، وأوضاع المنطقة، والمتغيرات الإقليمية والدولية.

وقد توصل الحزب إلى قناعة مفادها أنه إذا لم يكن هناك أسلوب متقدم يتناسب مع نظام سياسي متقدم، فلن يكون بالإمكان جمع جميع أبناء كوردستان، بمختلف طبقاتهم وشرائحهم وتياراتهم، وباختلاف أديانهم ومذاهبهم، حول هدف وطني مشترك. وإن عدم القدرة على تحقيق ذلك سيقود الشعب الكوردي إلى مزيد من التشتت والابتعاد عن هويته وقضيته، وهو ما كان هدفاً ومخططاً استمر على امتداد التاريخ، بهدف إذابة الشعب الكوردي بين شعوب المنطقة وإبعاده عن هويته الوطنية. وهكذا انتهى الأمر بكوردستان إلى أربعة أجزاء سياسية متفرقة.

ولإثبات هذه الحقيقة، يكفي أن نرى كيف أنه، رغم الخلافات والصراعات العميقة بين الدول المحيطة بكوردستان، كانت مصالحها وسياساتها تتقاطع وتتوافق عندما يتعلق الأمر بالقضية الكوردية، فتجتمع حول طاولة واحدة من أجل إبعاد الكورد عن بعضهم البعض، وزيادة الانقسام بينهم، وكسر ثقتهم بقضيتهم، ودفعهم إلى الشعور بالخجل من هويتهم الكوردية، وربط أنفسهم بالشعوب والقوى المهيمنة المحيطة بهم.

لقد أدرك الحزب هذه المسألة جيداً، ولذلك صاغ رؤيته ونظريته بأسلوب متقدم، ووضع نهجه وبرنامجه الداخلي على أساس استيعاب مختلف مكونات المجتمع وتوحيد طاقاتها في سبيل القضية الكوردية. وكان أول ما وضعه في برنامجه هو التأكيد على أن جميع الطبقات والشرائح الموجودة في المجتمع بحاجة إلى التحرر، وأن كل من يؤمن بالقضية الكوردية له الحق في أن يجد مكانه بين صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني. وعلى الرغم من جميع النظريات والمقاربات السياسية والأيديولوجية التي ترى أن الخلافات بين الطبقات والشرائح داخل أي مجتمع أمر طبيعي، بسبب اختلاف المصالح والرؤى، فإن الحزب الديمقراطي الكوردستاني استطاع أن يبني جسور الثقة مع مختلف الطبقات والشرائح، وأن يجعلها تؤمن بأن مصالحها يمكن أن تجد مكانها داخل الحزب، في إطار الهدف الأكبر، وهو خدمة القضية الكوردية والدفاع عن حقوق الشعب الكوردي.

ولم يكتفِ الحزب بصياغة نظرية ديمقراطية يكون هدفها تحقيق الحكم الذاتي لكوردستان والديمقراطية للعراق، بل أدرك أيضاً أن الديمقراطية ينبغي أن تُمارس داخل صفوفه. ولذلك استطاع الأشخاص الذين يحملون أيديولوجيات وأفكاراً مختلفة، والذين انضموا إلى صفوف الحزب، أن يعبّروا بحرية واسعة عن أفكارهم وآرائهم.

وقد وصل الحزب إلى قناعة بأن الديمقراطية من دون الحرية لا معنى لها، ولذلك نرى أن مساحة حرية الفكر والتعبير عن الرأي والمعتقدات داخل الحزب كانت واسعة، وهي مساحة قلّ أن نجد لها مثيلاً في الأحزاب الأخرى. وبصورة أكثر دقة، أدرك الحزب أنه لا ينبغي أن يكون أسيراً لأيديولوجية جامدة ومحددة، بل أن يمتلك فكراً واسعاً يستوعب مختلف الأفكار والمعتقدات والتيارات والأيديولوجيات، ما دامت تلتقي حول القضية الكوردية والهدف الوطني المشترك. وبهذا النهج الكوردي، استطاع الحزب أن يبني نموذجاً للبيشمركة المخلص والمحب لقضيته، الذي يأتي إلى صفوف الحزب بدافع الحب والإرادة والرغبة في خدمة وطنه وشعبه. وفي المقابل، كان الحزب قريباً من البيشمركة بهذا الإخلاص، ويضع حقوقهم ومستقبلهم واحتياجاتهم نصب عينيه.

فإذا ترك أحدهم دراسته وانضم إلى صفوف البيشمركة، كان الحزب يعيده مرة أخرى لكي يكمل دراسته، ثم يعود بعد ذلك إلى صفوف البيشمركة؛ لأنه لم يكن معروفاً كم سيستمر النضال حتى الوصول إلى الهدف. وكما أن الثورة تحتاج إلى أشخاص شجعان وأبطال، فهي تحتاج أيضاً إلى أشخاص متعلمين وواعين، يمتلكون المعرفة والقدرة على تحمل المسؤولية. ومن جانب آخر، إذا كان أحد الأشخاص مسؤولاً عن والديه أو عن عائلته، وحتى لو جاء بحماس كبير ورغبة صادقة في الانضمام، فإن الحزب كان يعيده أيضاً لكي يهتم بعائلته ويتحمل مسؤولياته تجاهها. وهذا يختلف عن الأطراف الأخرى التي كانت تجبر الناس على الانضمام إلى صفوفها وحمل السلاح تحت مختلف أشكال التهديد والضغط، لكي يقاتلوا من أجل مصالحها.

وكان اختيار القادة من جانب الحزب يتم على أساس الكفاءة، والشجاعة، والخبرة، والمكانة والدور الاجتماعي، واهتمامهم بالبيشمركة، وحرصهم على حقوقهم ومستقبلهم، فضلاً عن العديد من المعايير الأخرى التي تضمن اختيار الشخص المناسب للمهمة المناسبة. ولا ينبغي أن ننسى تلك المجموعة التي رافقت البارزاني الخالد في ثورة بارزان، ثم وصلت إلى مهاباد والاتحاد السوفييتي، قبل أن تعود إلى كوردستان من جديد. هؤلاء هم الذين أسهموا في قيادة الثورة، وكانوا نموذجاً عظيماً في التضحية والالتزام، إذ تعلموا من شخصية البارزاني الخالد وتربوا على يديه.

وكان البارزاني الخالد نفسه يعرف جيداً مدى ارتباط هؤلاء بأرض كوردستان، وما يحملونه من تاريخ نضالي وتضحيات. فقد تعرضت بيوتهم في كثير من المرات للتدمير على أيدي الأعداء، وتشردوا، وتحملوا مختلف أشكال المعاناة، ولذلك كان لهم دور كبير ومهم بين صفوف البيشمركة وفي مسيرة الثورة. واليوم أيضاً، نرى جميعاً أن الديمقراطية تتيح لكل مواطن، مهما كان موقعه الاجتماعي أو الوظيفي، أن يشارك في اختيار ممثليه ومن يمنحه ثقته. فمن رئيس الجمهورية إلى المواطن العاطل عن العمل، يستطيع الجميع أن يمنحوا أصواتهم للمرشح الذي يختارونه، أياً كان ذلك الشخص أو الحزب السياسي الذي يمثله.

وهذا يدل على مدى تقدم الأساس الذي بُني عليه الحزب الديمقراطي الكوردستاني قبل ثمانين عاماً، عندما كان البارزاني الخالد يقود مسيرته، واليوم يقودها الرئيس مسعود بارزاني. وبفضل هذا الإرث وهذه المسيرة، نحن اليوم في المقدمة والريادة، ونواصل السير في الطريق الذي رسمه المؤسسون والمناضلون الأوائل. وكذلك، ومن مختلف المقاييس، فإن الحزب الديمقراطي الكوردستاني أثبت على امتداد مسيرته أنه حزب مخلص لشعبه، حريص على مصالحه، ومهتم بقضايا مجتمعه ومستقبله.

وفي هذه المناسبة العظيمة المليئة بالفخر والاعتزاز، أتقدم بأجمل التهاني إلى عوائل الشهداء الأماجد، وإلى فخامة الرئيس المحترم مسعود بارزاني، وإلى السيدين المحترمين نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، ومسرور بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان، وإلى أعضاء وأنصار الحزب الديمقراطي الكوردستاني.

ونجدد عهدنا لروح البارزاني الخالد ولأرواح شهداء كوردستان، بأن نبقى أوفياء لمسيرتهم، مخلصين لأرض كوردستان ورايتها، وأن نواصل طريق النضال والتضحية من أجل شعبنا وقضيته العادلة.

الفريق عزيز ويسي باني
قائد قيادة بيشمركة الزيرفاني ومحور خازر

________________________________________________
أودّ في ختام هذا النص أن أشير إلى أنّه منقول ومترجم عن أصله الكوردي إلى اللغة العربية من قبلي، أحمد زبير باني. وقد حرصتُ في هذه الترجمة على أن أنقل المعاني والأفكار والمضامين بأمانة ودقّة، وأن أحافظ ما استطعت على روح النص وسياقه وخصوصيته، بما يليق بما يحمله من أبعاد تاريخية ووطنية وسياسية.

وإن كانت الترجمة جسراً يصل بين اللغات، فإن غايتها الأسمى هي أن تُبقي الفكرة حيّة، والمعنى واضحاً، والرسالة أمينةً لأصلها؛ لذلك سعيتُ إلى أن تكون هذه الترجمة وفيةً للنص الكوردي، وقريبةً من وجدان القارئ العربي، دون أن تفقد شيئاً من دلالاته وروحه.

قد يعجبك ايضا