إعداد – التآخي
يستعمل الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، بول كروغمان، مقياسا يراه بعض المحللينخاطئا – وهو تعادل القوة الشرائية – ليُبرهن أن أوروبا لا تتخلف كثيرا عن الولايات المتحدة من حيث الإنتاجية، فيما يُظهر المقياس الصحيح بحسب قولهم ان الفجوة تتسع.
وفي سلسلة منشورات حديثة على منصة Substack، قدم الخبير الاقتصادي بول كروغمان، حجة غير اعتيادية لدعم وجهة النظر القائلة بأن أوروبا لا تعاني من أي تراجع في الإنتاجية مقارنة بالولايات المتحدة. بل يرى كروغمان أن إنتاج أوروبا لكل ساعة عمل، مقارنة بنظيره الأمريكي، ظلّ ثابتا تقريبا على مدى 25 عاما إذا استخدمنا تعادل القوة الشرائية الحالي، لمقارنة الاقتصادين الأمريكي والأوروبي.
يظهر هذا مطمئنا. ولكن بينما قد يكون الترويج لأوروبا منطقيا في السياق الأمريكي (لنتفق على أن “ترامب سيئ، وأوروبا أفضل”)، فإن حجة كروغمان تدعم كل من يدّعي أنه لا حاجة لتغيير جذري في سياسة النمو والابتكار الأوروبية. تكمن المشكلة في أن انموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص الحالي يُستغل بشكل خاطئ لتبرير هذا الادعاء.
ويقول خبراء أوروبيون: نحن نعيش في أوروبا، ونحبها. يعيش الأوروبيون عمرا أطول، ويعملون ساعات أقل، ويتمتعون بحماية اجتماعية يحسدهم عليها كثير من الأمريكيين. لا ينبغي لأحد أن يختزل قيمة أي مجتمع في ناتجه المحلي الإجمالي. لكن السؤال الذي طرحه كروغمان أضيق نطاقا: هل تخلف نمو الإنتاجية الأوروبية عن نمو الإنتاجية الأمريكية؟ في هذا الصدد، فإن حجة تعادل القوة الشرائية مضللة.
يُعدّ تعادل القوة الشرائية مفيدا لمقارنة القدرة الشرائية بين الدول في وقت محدد. لكن سلسلة من المقارنات الحالية باستخدام تعادل القوة الشرائية لا تُعد بالضرورة مقياسا للنمو الحقيقي، لأن الأسعار المستخدمة لتقويم الناتج تتغير من سنة إلى أخرى.
منذ عام 1986، تنشر مجلة الإيكونوميست مؤشر “بيج ماك“، الذي يسجل سعر شطيرة بيج ماك من ماكدونالدز في كل دولة، ويستخدمه لتحديد ما إذا كانت العملات غالية أم رخيصة. لنفترض أن سعر بيج ماك هو 6 دولارات في الولايات المتحدة و5 يورو في منطقة اليورو. بسعر صرف سوقي يبلغ 1.10 دولار لليورو، فإن سعر البرجر الأوروبي هو 5.50 دولار، مما يعني أن اليورو مقوم بأقل من قيمته الحقيقية. لكي يتساوى سعر بيج ماك في كلا المكانين، يجب أن يرتفع سعر اليورو إلى 1.20 دولار لليورو. هذا هو تعادل القوة الشرائية: سعر الصرف الذي يعكس القيمة الشرائية الفعلية للنقود.
تعادل القوة الشرائية هو شكل من أشكال سعر الصرف، يُبنى على أسعار السلع الفعلية لا على أسعار الأسواق المالية. وهو عبارة عن مقارنة جغرافية ثابتة في لحظة معينة. مثال بيج ماك مناسب لأن المنتج موحد بشكل استثنائي: بيج ماك في فرنسا وبيج ماك في الولايات المتحدة متقاربان لدرجة أن مقارنة أسعارهما تعطينا معلومات ذات دلالة حول القوة الشرائية النسبية.
لكن هذا استثناء وليس القاعدة. فمعظم المنتجات لا يمكن مقارنتها بسهولة بين الدول. فهي تختلف في الجودة وفي مدى تمثيلها لما يشتريه الناس فعليا في بلد معين. ولهذا السبب قال الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، أنغوس ديتون، في عام 2010: “إن مقارنات تعادل القوة الشرائية بين دول شديدة التباين تستند إلى أسس نظرية وتجريبية ضعيفة”. يمكنك جمع مؤشرات بيج ماك على مدى 25 عاما، لكنك لن تقيس مقدار الزيادة في إنتاج فرنسا اليوم مقارنة بعام 2000. بل ستقيس كيف تغير السعر النسبي لمنتج واحد موحد إلى حد ما بين الدول. وهذا مفيد إلى حد ما لمقارنة الاقتصادات في لحظة معينة، ولكنه غير مجدٍ كمقياس لنمو الناتج الإجمالي بمرور الوقت.
باعت الولايات المتحدة كميات أكبر بكثير في عام 2024 مقارنة بعام 2000، إلا أن جزءا من هذه الزيادة يعود إلى التضخم، وليس إلى ارتفاع الإنتاج. ولإزالة تأثير التضخم، يبني الإحصائيون في كل دولة مؤشرا يُعرف باسم “مُعامل الانكماش”: وهو مؤشر يوضح كيفية تحرك الأسعار المحلية سنويا، حتى لا يُخلط بين ارتفاع الأسعار وزيادة الإنتاج. يُجيب مُعامل الانكماش على سؤال مختلف عن سؤال مؤشر بيج ماك، إذ يسأل عن مقدار الزيادة في إنتاج الولايات المتحدة بالقيمة الحقيقية، بعد تعديلها وفقا لتغيرات الأسعار.
يقارن مؤشر تعادل القوة الشرائية (PPP) بين المناطق في تاريخ محدد، بينما يقارن معامل الانكماش بين التواريخ في مكان واحد. وكلاهما مؤشران للأسعار، لذا قد يميل البعض إلى افتراض توافقهما التام. لكن مسار تعادل القوة الشرائية الحالي يُغير المعيار كل عام: إذ يُقيّم ناتج كل عام باستخدام نظام الأسعار الدولي لذلك العام. وعندما يتباعد مسار تعادل القوة الشرائية عن مسار معامل الانكماش الوطني، يمزج نمو تعادل القوة الشرائية الحالي بين التغيرات في الكميات والتغيرات في الأسعار المستخدمة لتقويم تلك الكميات.
في مقال نُشر عام 2017 بالاشتراك مع بيتينا أتين، حذر ديتون من استخدام تعادل القوة الشرائية لإجراء مقارنات زمنية. وأشار إلى أنه “في عام 2014، نشر برنامج المقارنات الدولية (ICP) مؤشرات تعادل القوة الشرائية من جولة 2011، التي تختلف اختلافا كبيرا عن تلك المتوقعة من استقراء الجولة السابقة، ICP 2005″. في المقابل، خفضت جولة 2005 الحجم المُقدّر للاقتصاد الصيني بنسبة 40%.
لماذا تخفي المقارنة السنوية الفجوة
يستشهد كروغمان بنتائج بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو التي تشير إلى أن تكنولوجيا المعلومات تشكل نحو 8% من إنتاج القطاع الخاص الأمريكي، لكنها اسهمت بنحو 45% من إجمالي نمو الإنتاجية الأمريكية منذ عام 1988. وهذا تحديدا هو نوع القطاع الذي يصعب قياسه. فقد ازداد حجم الإنتاج بشكل هائل، وانخفض سعر الوحدة بشكل كبير، وتغيرت جودة المنتجات بشكل جذري.
هناك طريقتان قد تُؤديان إلى خلق فجوة بين تعادلات القوة الشرائية الحالية ومقاييس النمو الوطني. الأولى هي مسألة الترجيح. فإذا أنتجت الولايات المتحدة كميات أكبر من السلع التي تنخفض أسعارها بسرعة، فإن تقويم كلا الاقتصادين بالأسعار الحالية قد يُقلل من حجم الزيادة السابقة في الإنتاج. تظهر ورقة بحثية نُشرت في مايس 2026 من قِبل تشارلز جونز وكريستوفر تونيتي، أن الزيادة في كمية أجهزة الكمبيوتر المباعة تزامنت مع انخفاض أكبر في أسعارها، مما قلل من حصة أجهزة الكمبيوتر في القيمة المضافة للاقتصاد الأمريكي.
لكن هناك مشكلة ثانية أكثر هيكلية: قد لا يكون هناك مؤشر واحد للمنتجات يمثل في الوقت نفسه في داخل كل بلد، وقابل للمقارنة بين البلدان، ومستقر بمرور الوقت.
لنأخذ الهواتف المحمولة كمثال. من الناحية المثالية، تقارن مقارنة تعادل القوة الشرائية سعر الهاتف نفسه في فرنسا والولايات المتحدة. يظهرالأمر بسيطا إذا كان كلا البلدين يبيعان نفس طراز آيفون. ولكن حتى في هذه الحالة، قد يختلف المنتج المعني من حيث بنود العقد، والضرائب، والتوزيع، أو غيرها من المتغيرات التي تتأثر باللوائح.
يذكر ان الإنتاجية (Productivity) هي محرك النمو الاقتصادي والمقياس الذي يحدد كفاءة تحويل المدخلات (العمل، رأس المال، الموارد الطبيعية، التكنولوجيا) إلى مخرجات (سلع وخدمات، ولا تعني الإنتاجية “العمل بجهد أكبر”، بل “العمل بذكاء أكبر”. إنها النسبة بين إجمالي ما ينتجه الاقتصاد وبين إجمالي الموارد المستخدمة، عواملها: التكنولوجيا والرقمنة وهيجوهر تحول الاقتصاد نحو الكفاءة. رأس المال البشري: جودة التعليم والتدريب الفني للعمالة.البنية التحتية والمؤسساتية: فعالية الإجراءات الحكومية، غياب البيروقراطية، وسلامة الأنظمة القانونية. ومن ناحية الاهمية الإنتاجية المرتفعة،فهي المصدر الوحيد المستدام لزيادة الدخل القومي والرفاهية الاقتصادية على المدى الطويل، اما القوة الشرائية (Purchasing Power) فهيمقياس للقدرة على شراء السلع والخدمات باستخدام وحدة نقدية وترتبط مباشرة بمستوى التضخم، الدخل الفردي، والأسعار. وان مؤشر تعادل القوة الشرائية (PPP)، هو الأداة الأكثر دقة للمقارنة بين الدول، لأنه يصحح فروقات تكاليف المعيشة بين بلد وآخر. فعلى سبيل المثال، مبلغ معين قد يوفر مستوى معيشي “جيد” في بغداد، بينما قد لا يكفي في عاصمة أوروبية لنفس الاحتياجات؛ لذا نستخدم (PPP) لتوحيد المعيار.
والفجوات الاقتصادية بين الدول تتسع ليسبسبب “فقر الموارد” في الغالب، بل بسبب “فجوة الإنتاجية”. ووجه المقارنة بين الدول المتقدمة (ذات الإنتاجية العالية) والدول النامية/المتعثرة تتمثل في ان هيكل الاقتصاد في الدول المتقدمة يعتمد على الابتكار والخدمات عالية القيمة فيما يعتمد في الدول المتعثرة على استخراج الموارد أو الزراعة التقليدية، وفي الدول المتقدمة على التكنولوجيا والرقمنة الشاملة وتقليل للتدخل البشري في العمليات الإداريةوفي الدول النامية المتعثرة يجري اعتماد واسع على العمليات الورقية والجهد اليدوي، و القوة الشرائية في الدول المتقدمة مستقرة بسبب التحكم في التضخم والإنتاجية العالية، وفي الدول المتعثرة متذبذبة بسبب الاعتماد على الاستيراد وتدهور العملة، وفي البلدان المتقدمة البيئة المؤسسية شفافية عالية وتجري على الدوام مكافحة للفساد الإداري، فيما تواجه البلدان المتعثرة تحديات بيروقراطية وضعف في التحول الرقمي.
الإنتاجية بين العراق واستونيا
في العراق، ان “الفجوة الرقمية” تعد سببامباشرا لتدني الإنتاجية في القطاع العام، واناستمرار الاعتماد على المعاملات الورقية يرفع التكاليف التشغيلية ويخفض الإنتاجية بشكل حاد. وفيما يتعلق بالأثر التضخمي يتمثل ذلكفي ان الفجوة في القوة الشرائية بين الدول غالباما تظهر بوضوح في “السلع المستوردة”. عندما تكون الإنتاجية المحلية ضعيفة، يضطر البلد للاستيراد، مما يجعله عرضة لتقلبات العملة الصعبة، وهذا ما يعيشه العراق وينتج عنهارتفاع أسعار المواد الغذائية في كثير من الاحيان.
ان الفجوة ليست قدرا، بل هي نتيجة لتفاوت في الاستثمار في التكنولوجيا (الرقمنة) وتطوير المؤسسات. إن التوسع في “الخدمات الإلكترونية” هو المسار الطبيعي لرفع إنتاجية المؤسسات العراقية، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى تحسن القوة الشرائية للمواطن عبر خفض التكاليف الخفية للروتين والفساد.
في إستونيا مثلا وهي احدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، فان عقودا من البيروقراطية الثقيلة دفعتها للتحول إلى “أمة رقمية”. بعد استقلالها، ورثت إستونيا جهازا إداريا متضخماومثقلاً بالورقيات والفساد. قررت الحكومة في التسعينات التحول الجذري نحو ما يعرف بـ (e-Estonia).1، ومفاصل التجربة الإستونية تمثلت في الهوية الرقمية الموحدة، اذ يمتلك كل مواطن بطاقة هوية رقمية مشفرة تتيح له التوقيع الرقمي، الوصول للخدمات الصحية، التصويت في الانتخابات، وسداد الضرائب إلكترونيا.ومورست بنية “X-Road“، وهي العمود الفقري للتبادل البياناتي، اذ لا يُطلب من المواطن تقديم المعلومة نفسها مرتين لأي جهة حكومية؛ فجميع الوزارات مرتبطة بقاعدة بيانات مركزية آمنة ومترابطة. وبفضل الرقمنة، أصبح بإمكان المواطن معرفة من من الموظفين الحكوميين دخل إلى ملفه الشخصي ولأي غرض، مما أدى لتقليص الفساد الإداري إلى أدنى مستوياته، اثر ذلك على الإنتاجية والقوة الشرائية ووفر الوقت، وتُقدر الحكومة الإستونية أن التحول الرقمي يوفر ما يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي سنويافقط من خلال توفير ساعات العمل التي كان يقضيها الموظفون والمواطنون في المراجعات الورقية. وأصبح تأسيس شركة في إستونيا يستغرق 15 دقيقة فقط عبر الإنترنت، مما جذب استثمارات دولية هائلة ورفع من قيمة الإنتاجية الفردية، وأدى الى حماية القوة الشرائية بتقليل الهدر الإداري (الفساد) يعني تقليل “الضريبة الخفية” التي يدفعها المواطن، مما أدى إلى استقرار أكبر في الأسعار وقوة شرائية أقوى.
وبمقارنة هيكلية بين إستونيا مقابل الواقع الإداري العراقي ففيما يتعلق بمؤشر الأداء فان النموذج الإستوني امتاز بالتحدي الإداري مقابل الاداء العراقي الذي عرف بفساده الإداري والمالي، في استونيا يجري تبادل البيانات بنظام “X-Road” (لا ورقة)، وفي العراق جزر منعزلة (كل وزارة لديها أرشيفها الخاص)، ومواجهة الفسادفي استونيا يمتاز بالشفافية الرقمية المباشرة، وفي العراق بالرقابة البشرية وهي سهلة التلاعب والتحايل، في استونيا تأسيس الأعمال رقمي بالكامل (15 دقيقة)، في العراق إداري معقد (بيروقراطية وتعدد موافقات)، في استونيا الإنتاجية الحكومية عالية (العمل المكتبي لا يتجاوز 1% من وقت الموظف)، في العراق منخفضة (إهدار الوقت في الروتين الورقي).
أن المشكلة ليست في “نقص الموارد” بل في “نزيف الإنتاجية” الناجم عن الترهل الإداري:مركزية البيانات، العراق بحاجة إلى “بنية تحتية رقمية” موحدة (مشابهة لـ X-Road) تربط المؤسسات لإنهاء ظاهرة “تعدد الهويات والوثائق” التي تثقل كاهل المواطن وتفتح أبواب الفساد، وقبل التحول الرقمي، يجب تبسيط الإجراءات. في بغداد، غالبا ما نقوم بأتمتة “الإجراء المعقد” بدلا من تبسيطه، مما يؤدي إلى “بيروقراطية إلكترونية” مكلفة وغير مجدية.