العراق وفن التوازنات … أدوات حاضرة وسياسة غائبة

انس الشيخ مظهر

منذ العهد العثماني وحتى اليوم، أدركت تركيا أن موقعها الجغرافي بين روسيا وأوروبا ليس عبئاً، بل ورقة سياسية يمكن استثمارها. ومع انتقال الصراع في العصر الحديث إلى معادلة الولايات المتحدة وأوروبا من جهة وروسيا من جهة أخرى، واصلت أنقرة سياسة التوازن: تتحالف مع الغرب، لكنها لا تقطع مع موسكو؛ تختلف معها في ملفات وتتعاون معها في أخرى، وتفتح قنواتها مع الجميع..لم تصنع تركيا موقعها الجغرافي، لكنها عرفت كيف تحوله إلى نفوذ ومكاسب..وهنا تبدو المفارقة العراقية.

فالعراق لا يمتلك الموقع الجغرافي فقط ، وإنما يمتلك أوراقاً أكثر بكثير:
النفط والطاقة.
السوق الكبيرة.
الموانئ.
الحدود مع تركيا وإيران.
موقعه بين الخليج وتركيا وسوريا والأردن.
وإمكانية أن يكون ممراً للتجارة والطاقة بين الشرق والغرب.
بل يمتلك العراق ورقة تكاد تكون فريدة في المنطقة: تنوعه القومي والمذهبي.
فالعراق بلد ذو غالبية شيعية، وفيه مكون سني عربي كبير، ومكون كردي، ومكونات قومية ودينية متعددة. وهذا التنوع، الذي يُنظر إليه غالباً باعتباره مصدر مشكلة، يمكن أن يتحول ـ إذا أُدير بعقل الدولة ـ إلى مصدر قوة في السياسة الخارجية..
فالعراق يستطيع أن يستخدم علاقاته وموقعه ومكوناته لبناء جسور مع إيران من جهة، ومع الدول العربية السنية من جهة أخرى، وأن يكون مساحة تواصل بين الطرفين بدلاً من أن يكون ساحة صراع بينهما. كما يستطيع أن يجعل علاقاته مع تركيا والولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والخليج أوراقاً متوازنة، لا محاور متصارعة داخل الدولة.
اذا المشكلة ليست أن العراق يفتقر إلى الأدوات، بل أنه لا يحسن إدارة أدواته.
بدلاً من أن يقول: لدينا علاقات مع الجميع، وسنستخدمها لخدمة مصالح العراق، يتحول السؤال في بغداد غالباً إلى: مع أي محور نقف؟ …وهذا هو الخطأ الأساسي , فالسؤال يجب ان يكون : كيف أجعل الجميع بحاجة إلى موقفي؟
التوازن لا يعني الحياد الدائم، ولا يعني إرضاء الجميع، ولا يعني العمالة لأي طرف. فالتبعية هي أن تتخلى عن مصالحك لخدمة الآخرين؛ أما التوازن فهو أن تمتلك علاقات متعددة وتستخدم حاجة الآخرين إليك للحصول على مكاسب لبلدك.
العراق يستطيع أن يقول للجميع : نحن نريد التعاون معكم، لكن تعاوننا لا يعني أن نكون جزءاً من مشروع كل واحد منكم ضد الآخر..
وهنا نريد ان نوضج ان : العراق لا يحتاج إلى تقليد تركيا، وإنما إلى تعلم درسها. وان كانت تركيا قد حولت الجغرافيا إلى قوة سياسية , فالعراق “إذا أحسن إدارة موقعه وطاقته وسوقه وموانئه وعلاقاته، والأهم تنوعه القومي والمذهبي” يستطيع أن يحول كل هذه العناصر إلى شبكة من المصالح تجعل القوى الإقليمية والدولية تتنافس على كسبه، لا أن يتنافس العراقيون على الانضمام إلى محاورها.فأكبر خسارة للعراق ليست في أن تكون له علاقات مع إيران أو أمريكا أو تركيا أو الخليج , بل في ان يمتلك كل هذه الأوراق، ثم يسمح للآخرين باستخدامها ضده بدلاً من استخدامها لمصلحة العراق.
فالدولة القوية ليست تلك التي تبحث عن الكبار، بل تلك التي تجعل الكبار يبحثون عنها.

قد يعجبك ايضا